كتبت صحيفة “البناء”: تركزت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عند حدود التصعيد الكميّ للغارات والمزيد من الوحشية فيها باستعادة لمشاهد حرب الإبادة التي عرفها قطاع غزة على مساحة 360 كلم مربع لسنتين، بينما تستعد إيران للتأقلم مع هذا الاستهداف لكن على مساحة مليون و600 ألف كلم مربع ومقدرات دولة قادرة، وتواصل إيران ما بدأته بتفكيك البنى التحتية الأميركية المقامة خلال نصف قرن في دول الخليج، حيث تستمر الصواريخ والطائرات المسيّرة بالوصول إلى حيث يتموضع الخبراء الأمنيون والتجهيزات التقنية الأميركية إضافة للقواعد العسكرية، فيما أدخلت صواريخ نوعية إلى لائحة الصواريخ التي تستهدف بها عمق كيان الاحتلال، وتصيب الكثير من مؤسساته الحساسة وسط تعتيم إعلامي، بدأت تخترقه بعض الصور لما تخلفه الصواريخ الإيرانية من دمار خصوصاً في تل أبيب، بعدما نجحت إيران بنقل الحرب من ساحة الأهداف العسكرية المتقابلة إلى مضيق هرمز، حيث تمسك عبره بخناق الاقتصاد العالمي مع حرمان السوق النفطية العالمية من خمس الاستهلاك وثلث السوق التجارية، وقد نجحت بالحفاظ على الإمساك بسلم سعر برميل النفط فوق الـ 100$ رغم قرار الدول السبع الكبار استخدام 400 مليون برميل من الاحتياطي، ثم قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفع الحظر والعقوبات عن بيع النفط الروسي، وصولاً إلى التهديد بقصف منشآت إيران النفطية في جزيرة خرج، وهو ما هدّدت إيران بأن الردّ عليه سوف يعني تدمير كل منشآت النفط في الخليج، وانتهى الأمر ليل أمس بترامب إلى الإعلان عن الشروع بتشكيل حلف دولي لتأمين عبور ناقلات النفط من مضيق هرمز، لكن أصوات شركات النفط ارتفعت بالدعوة لإنهاء الحرب سريعاً، وسوق الطاقة سجل ارتفاعاً في سعر البرميل من 103$ الى 106$.
في المنطقة بقي التصعيد الإسرائيلي على جبهة لبنان بمزيد من الغارات التي توزعت على الضاحية الجنوبية وقرى ومدن الجنوب، وكانت أهمها الغارات على مدينة بنت جبيل، وبقيت الحشود التمهيدية للعملية البرية في تزايد توّجها إعلان حكومة الاحتلال استدعاء 400 ألف جندي من الاحتياط، بينما كانت المقاومة ترفع وتيرة نيرانها نحو عمق الكيان وتطلق عشرات الصواريخ والطائرات المسيرة نحو مستوطنات شمال فلسطين المحتلة، وحافظت على ثبات وصمود في معارك ضارية تخوضها مع جيش الاحتلال على امتداد البلدات والقرى الحدودية وتنجح باستهداف المزيد من دبابات الميركافا.
على الصعيد السياسي بقي السجال حول قرار قبول المشاركة في التفاوض مع حكومة الاحتلال قبل تنفيذ وقف إطلاق النار وتحقيق الانسحاب من النقاط التي تمّ احتلالها خارج الخط الأزرق، وكان لبنان وفقاً لاتفاق وقف إطلاق النار يتمسك بالتفاوض غير المباشر بعد تثبيت وقف النار وتحقيق الانسحاب، وجاءت مبادرة رئيس الجمهورية تعرض التفاوض بعد وقف النار دون أن تشترط تحقيق الانسحاب قبل التفاوض، ليليها السعي لتشكيل وفد مفاوض للمشاركة في مفاوضات قبل وقف النار والانسحاب، ما يعني إسقاط القرار 1701 واتفاق وقف إطلاق النار والقبول بالطلب الأميركي الإسرائيلي بالتفاوض سعياً لاتفاق جديد، ينبع الحديث عنه من سعي «إسرائيل» بدعم أميركي لاقتطاع جزء من الأرض اللبنانيّة باسم منطقة عازلة ومنطقة اقتصادية وسط إعلان إسرائيلي صريح برفض الانسحاب من النقاط المحتلة، ما طرح سؤالاً بقي بلا جواب، هو لماذا يقع لبنان في مصيدة سوف تجلب رفع التصعيد للضغط على التفاوض وفق نظرية التفاوض تحت النار وسط إعلان إسرائيلي بالفصل بين مسار العمل العسكري والتفاوض؟
على وقع التصعيد العسكري المتواصل، تتداخل التطورات الميدانية مع تحركات سياسية ودبلوماسية تحاول منع انزلاق المواجهة إلى مرحلة أكثر اتساعاً. فالغارات الإسرائيلية التي تطال الضاحية الجنوبية لبيروت والجنوب، وما رافقها من سقوط شهداء، تقابلها عمليات عسكرية ينفذها الحزب ضد مواقع إسرائيلية على الحدود، في مشهد يعكس ارتفاع مستوى الاشتباك.
وفي موازاة هذا التصعيد، تتكثّف الاتصالات الدوليّة لفتح نافذة سياسيّة قد تقود إلى هدنة تمهّد لمسار تفاوضي حول مستقبل الحدود الجنوبية وترتيبات ما بعد الحرب، في ظل ضغوط دولية لتعزيز دور الجيش في الجنوب وتطبيق مقتضيات القرار الدولي. وبين الميدان الذي يفرض إيقاعه العنيف، والدبلوماسية التي تحاول التقاط لحظة تهدئة، يقف لبنان أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع رهانات التسوية السياسية.
وفي الميدان، شنّت الطائرات الحربيّة الإسرائيليّة، صباح أمس، غارةً على الضاحية الجنوبيّة لبيروت، فيما استهدفت غارةٌ جويّة، فجرًا، بلدة القطراني في قضاء جزّين، كما استهدف الطيران المسيّر شقّةً في منطقة شرحبيل في قضاء صيدا.
وأفادت معلوماتٌ بأنّ الغارة التي استهدفت شقّةً سكنيّةً في «مبنى بهلوان» في منطقة شرحبيل في مدينة صيدا، فجرًا، أسفرت عن استشهاد وسام طه، وهو قياديٌّ في حركة «حماس» وشقيق الناطق الرسمي باسم الحركة في لبنان جهاد طه.
وبحسب المعطيات، أطلق العدو صاروخين موجّهين باتجاه المبنى، ما أدّى إلى أضرارٍ كبيرةٍ في الشقّة المستهدفة واندلاع حريقٍ في المكان.
وأعلنت وزارة الصّحّة سقوط سبعة شهداء وثمانية مصابين في غارتين إسرائيليّتين على حارة صيدا والقطراني.
كما صدر عن مركز عمليّات طوارئ الصّحّة بيانٌ أعلن أنّ غارة العدوّ الإسرائيلي على حيّ الراهبات في مدينة النبطيّة،، أدّت، في حصيلةٍ نهائيّة، إلى استشهاد سبعة مواطنين، بينهم أربعة أطفال، وإصابة خمسةٍ بجروح.
وشنّ طيران العدوّ الإسرائيلي غارةً فجرًا استهدفت بلدة الطيبة، ترافقت مع قصفٍ مدفعيٍّ عنيفٍ للبلدة، فيما سجّل قصفٌ مدفعيٌّ متقطّع استهدف وادي السلوقي ومحيط بلدتي قبريخا وتولين.
وعملت فرق الدفاع المدني على انتشال مصابين جروحهما متوسّطة، جرّاء الغارة التي استهدفت منزلًا في بلدة مجدل سلم.
في المقابل، قال «حزب الله» إنّ مقاتليه نفّذوا سلسلة عمليّاتٍ عسكريّة استهدفت تجمّعاتٍ للجيش الإسرائيلي في مواقع حدوديّة، بينها ثكنة «أفيفيم»، وموقعٌ قرب العديسة، ونقطةٌ مقابلةٌ لبلدة ميس الجبل، مشدّدًا على أنّ الهجمات تأتي ردًّا على ما وصفه بـ»العدوان الإسرائيلي المجرم» الذي طال عشرات المدن والبلدات اللّبنانيّة والضاحية الجنوبيّة لبيروت.
وفيما أفيد أن قوات العدو الإسرائيلية تقدمت بريًا إلى وسط بلدة الخيام، حيث دارت مواجهات عنيفة، فيما أعلن «حزب الله» تدمير دبابة «ميركافا» في مشروع الطيبة، وواصل من جهته إطلاق الصواريخ على شمال الأراضي المحتلة والمناطق القريبة في الداخل.
ويأتي هذا التّصعيد في وقتٍ تشير فيه تقديراتٌ إسرائيليّة إلى أنّ الجيش الإسرائيليّ يستعدّ لاحتمال توسيع عمليّاته داخل لبنان، بما في ذلك سيناريو دخولٍ برّيٍّ قد تشارك فيه عدّة فرقٍ عسكريّة في جنوب البلاد، بالتزامن مع تحرّكاتٍ سياسيّة ودبلوماسيّة لوقف الحرب.
أكدت مصادر عسكرية أن القرار حتى الآن يقضي ببقاء الجيش اللبناني في بلدة شبعا، مع إجراء إعادة تموضع في إحدى النقاط ضمن نطاق البلدة.
وكان قد عُقد لقاء في مبنى بلدية شبعا، ضمّ أهالي البلدة وفعالياتها ومخاتيرها ومشايخها، حيث جرى التأكيد على دور الجيش في حفظ الأمن والاستقرار، وشدّد المجتمعون على تمسّكهم الكامل بشرعية الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وعلى رأسها الجيش اللبناني، الذي كان وما زال صمّام الأمان لأبناء البلدة والحاضر بين أهله وناسه في مختلف الظروف والتحديات.
وفي ظل ما يتمّ تداوله عن احتمال انسحاب الجيش اللبناني من شبعا وأطرافها، عبّر المجتمعون عن قلقهم الشديد إزاء هذا الأمر، مؤكدين رفضهم أي خطوة من هذا النوع، لما يشكّله وجود الجيش من عنصر طمأنينة أساسي لأبناء البلدة وضمانة للحفاظ على الأمن والاستقرار.
وفي هذا السّياق، يجري تداول مقترحاتٍ لبدء هدنةٍ تمهّد لمفاوضاتٍ تتناول انسحاب القوات الإسرائيليّة من الأراضي اللّبنانيّة ومسألة سلاح «حزب الله». ويعمل لبنان على تشكيل وفدٍ للتفاوض مع «إسرائيل»، وفي ظل استمرار التصعيد على الجبهة الجنوبية، تبدو المساعي الدبلوماسية لفتح مسار تفاوضي بين لبنان و«إسرائيل» معلّقة على جملة شروط ومعطيات ميدانية لم تنضج بعد. فبحسب مصادر أميركية، لا يعارض الجانب الإسرائيلي من حيث المبدأ فكرة إجراء محادثات مع لبنان، إلا أنه لا يزال غير مستعد للدخول فيها في الوقت الراهن، مفضّلاً انتظار ما يصفه بـ«خطوات عملية» من قبل الحكومة اللبنانية تُظهر جدية في التعامل مع الوضع القائم على الحدود.
وتشير هذه المصادر إلى أن أي إجراءات لبنانية من شأنها إظهار القدرة على ضبط الوضع في الجنوب، ولا سيما وقف عمليات القصف وإرساء قدر أكبر من الاستقرار الأمني، قد تشكّل مؤشراً إيجابياً يفتح الباب أمام تفعيل المسار التفاوضي. وفي هذا السياق، يبرز مطلب تعزيز سيطرة الجيش اللبناني على منطقة جنوب نهر الليطاني، بل وعلى كامل الجنوب، في ظل ما تقول المصادر إنه استمرار إطلاق القذائف من مناطق متعددة هناك.
وتضيف المصادر أن حزب الله عاد إلى مناطق جنوب الليطاني من دون أن تتمكن أي جهة من منعه فعلياً، معتبرة أن المسألة باتت تتطلب قراراً واضحاً من الحكومة اللبنانية حيال استمرار قتال الحزب في الجنوب.
وقال مسؤولٌ لبنانيٌّ لوكالة «فرانس برس» إنّ «المفاوضات مطروحة، والتّحضيرات جاريةٌ لتشكيل الوفد»، من دون تحديد موعدٍ أو مكانٍ لانطلاقها، فيما دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إجراء «محادثاتٍ مباشرة» بين بيروت وتل أبيب، معربًا عن استعداد باريس لتسهيلها واستضافتها.
في وقتٍ أكّد الأمين العامّ للأمم المتّحدة أنطونيو غوتيريش، من بيروت، أنّ «القنوات الدّبلوماسيّة» ما تزال متاحةً لاحتواء التّصعيد.
وزارة الإعلام اللبنانية