كتبت صحيفة “الديار”: تختصر الصورة المشوشة التي رفعت منسوب القلق من الانسداد السياسي والعسكري الذي يُخشى ان يعيد معه الامور الى مربعها الاول، من بيروت الى واشنطن، المشهد اللبناني، العالق عند شياطين تفاصيل وقف اطلاق للنار، تعددت تفسيراته وتناقضاته، حيث حافظ التصعيد العسكري الميداني على سقفه، فلا اسرائيل اوقفت غاراتها واستهدافاتها وتوسعها جنوباً، ولا حزب الله امتنع عن استهداف مستعمرات الشمال، فيما بقيت الضاحية بمنأى عن العدوان حتى الساعة، رغم عدم غياب طائرات الاستطلاع عن سمائها.
التباسات زاد منها، اعلان حزب الله ان «معادلة الضاحية مقابل مستوطنات الشمال لا يمكن ان تمر»، وان «المقاومة مستمرة في استهداف المستوطنات ما دام العدو يصعد من عدوانه وسترد على قصف الضاحية باستهداف مواقع اعمق من مستوطنات الشمال»، والذي كان سبقه رفض حارة حريك اصدار أي بيان رسمي يؤكد على التزامها الكامل بوقف اطلاق النار، رغم تاكيدات عين التينة بأن «حزب الله منفتح على وقف إطلاق نار حقيقي، بغض النظر عما إذا كان الاتفاق منفصلا عن إيران أو مرتبطا بها».
الخماسية على الخط
تراجع إسرائيل عن تنفيذ عملية عسكرية واسعة ضد «الضاحية»، جاء نتيجة شبكة معقدة من الاتصالات السياسية والدبلوماسية التي شملت أكثر من مستوى داخلي وإقليمي ودولي، برز خلالها دور لافت لدول «خماسية باريس»، خصوصا، قطر التي استقبلت المعاون السياسي لرئيس مجلس النواب، التي حملت أكثر من رسالة وأكثر من هدف، الى مصر، التي شارك اعضاء وفدها الأمني الرفيع الموجود في بيروت حالياً، لمتابعة مبادرة القاهرة، لجهة حصر السلاح، بفاعلية في الاتصالات.
علما ان بيروت تنتظر وصول الموفد الرئاسي الفرنسي، جان ايف لودريان، خلال الساعات المقبلة، حيث من المتوقع أن يعقد سلسلة لقاءات مع كبار المسؤولين اللبنانيين لمتابعة نتائج الاتصالات الأخيرة واستطلاع فرص البناء عليها في المرحلة المقبلة، خصوصا ان جدول اعماله محصور ببند اساسي «كيفية بقاء الكتيبة الفرنسية في جنوب لبنان».
بعبدا متفائلة
اوساط مقربة من بعبدا، نقلت ارتياح الرئاسة الاولى الى المسار الجديد الذي بدا يتشكل، معتبرة ان ما حصل شكّل خرقا مهما، ما كان ليحصل لولا تعاون جميع الاطراف، فما جرى يمكن البناء عليه في جولة المفاوضات الحالية، كونه يشكل «عملاً مهماً يمكن أن يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تقدماً في مسار المعالجة»، كاشفة ان تواصلا مباشرا حصل بين بعبدا وحارة حريك، الى جانب الخط المفتوح عبر عين التينة، حيث اتفق على تثبيت مسار التهدئة عبر القنوات السياسية والدبلوماسية، خاتمة بأن الوفد اللبناني الموجود في واشنطن جاهز لمناقشة أي مسودة تُطرح على طاولة التفاوض، بعدما حصلت بيروت على مطلبها بخفض التصعيد، كمرحلة اولى.
مفاوضات واشنطن
في المقابل اشارت مصادر دبلوماسية متابعة لجولتي المفاوضات الجديدتين على مدى يومين، ميزها شكلا هذه المرة دعوة الخارجية الاميركية وسائل الاعلام لتغطيتها، الى ان اعلان قبول حزب الله بالمقترح الاميركي لوقف الهجمات المتبادلة اصبحت الاولوية الاميركية تثبيت هذا التفاهم اكثر من البحث في الاتفاق السياسي، رغم ادراكها ان استمرار العمليات العسكرية الاسرائيلية في جنوب لبنان وربط الانسحاب بالتفاوض لاحقا يشكل عقدة اساسية امام تقدم المسار، وهو ما دفع بالرئيس ترامب الى تعديل تغريدته حول لبنان، قائلا:» لنر الى متى سيستمر هذا الامر»، في اشارته الى اتفاق وقف النار، مؤكدة ان ما ستسعى واشنطن لتحقيقه من جلستي التفاوض الحاليتين، يقوم على: اعلان النوايا المشترك بين لبنان واسرائيل، تثبيت الهدنة، تشكيل لجان امنية وعسكرية للمتابعة مع جدول زمني لسحب السلاح والانسحاب الاسرائيلي.
واقعية ترامب
مصادر سياسية متابعة اشارت الى ان معادلة «الضاحية مقابل شمال اسرائيل» لم تكن مجرد نجاح موضعي في احتواء التصعيد، بل قد تشكل بداية مرحلة جديدة من الحراك السياسي والدبلوماسي، عنوانها تثبيت التهدئة وربط الساحة اللبنانية بمسار التسويات الإقليمية والدولية الجاري رسم معالمه في الكواليس، من خلال إعادة احياء اللجنة الخماسية كمظلة سياسية ودبلوماسية، قادرة على مواكبة المفاوضات الجارية، وخلق نوع من التوازن لصالح لبنان، ومنع أي انتكاسة أمنية قد تعيد خلط الأوراق في لبنان والمنطقة.
ورات المصادر أن الوقائع الأخيرة دفعت بالرئيس ترامب الى اعتماد سياسة أكثر واقعية في لبنان، استنادا الى التوازنات الاقليمية، وتحول الميدان اللبناني الى صاعق يمكن ان يفجر التفاهمات التي يعمل على طبخها في اسلام اباد، مؤكدة ان اعتراف واشنطن بواقع حزب الله كقوة سياسية وميدانية وعسكرية مؤثرة، لا يعني عرقلة التسوية، بل قد يصب في مصلحة الدولة اللبنانية ويعزز موقفها في المفاوضات.
حزب الله يرفض
من جهتها، اوساط مقربة من حزب الله، نفت وجود أي اتصالات مباشرة مع واشنطن، مشيرة إلى أن التواصل يتم عبر الجانب الإيراني الذي يتواصل بدوره بشكل يومي مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، ولا سيما خلال الأيام الأخيرة، أن الأسبوع الماضي شهد سلسلة اتصالات واسعة أجراها مسؤولون إيرانيون مع عدد من الدول العربية، وفي مقدمها السعودية ومصر وقطر، إضافة إلى الوسيط الباكستاني، كاشفة، أن حزب الله يطالب باتفاق مكتوب وواضح يشكل وثيقة مضمونة بثوابت أساسية، أبرزها جدول زمني واضح للانسحاب، معتبرة ان ما تحقق جاء نتيجة مخاوف الادارة الاميركية من انهيار مفاوضاتها مع ايران، التي لوحت بورقة اعادة تفعيل وحدة الساحات، خاتمة، بأن ما اتفق عليه لم يدخل بعد حيز التنفيذ، لأن الحزب لن يسير في أي تفاهم يقوم على معادلة تمنع المقاومة من استهداف شمال إسرائيل مقابل استمرار العمليات الإسرائيلية في الجنوب اللبناني.
كاتس يتوعد
ومع استمرار الضربات الاسرائيلية، ورد حزب الله، صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كانس، من لهجته تجاه لبنان، مؤكدًا أن «إسرائيل لن تقبل باستمرار الهجمات على شمال البلاد دون رد»، مهددًا باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، «إذا تواصلت الهجمات المنطلقة من الأراضي اللبنانية»، إن «الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته داخل لبنان تحت أي ظرف»، مشددًا على أن «النشاط العسكري لقوات بلاده جنوبي لبنان، لن يتوقف بغض النظر عن التطورات السياسية أو الدبلوماسية».
وزارة الإعلام اللبنانية