كتبت صحيفة “الجمهورية”: خرقت إسرائيل بقصفها الضاحية الجنوبية لبيروت أمس معادلة «الضاحية مقابل شمال إسرائيل» التي فرضها تهديد إيران لها عندما هدَّدت بقصف الضاحية قبل أيام، ما دفع طهران إلى تنفيذ تهديدها مساء أمس، ما أعاد الأمور إلى المربّع الأول وفتح الباب أمام احتمالات حصول تدهور واسع جديد على الجبهتَين اللبنانية والإيرانية، في ظل تعثر المفاوضات الأميركية – الإيرانية التي ترعاها باكستان التي يزورها قائد الجيش العماد رودولف هيكل منذ السبت، إن لم تتسارع الاتصالات والوساطات لوقف التصعيد.
أوضحت مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، أنّ عودة معادلة «الضاحية الجنوبية مقابل شمال إسرائيل» يمكن أن تهدِّد تماماً بإعادة الجهود المبذولة للتوصّل إلى تسويات إلى نقطة الصفر، لا في المفاوضات الخاصة بلبنان فحسب بل أيضاً مفاوضات واشنطن وطهران، خصوصاً أنّ الردّ الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت ترافق مع اندفاعة برّية وجوية بالغة الشراسة في العمق الجنوبي، ما يطرح السؤال: أين أصبح وقف النار في ظل هذه المحرقة المفتوحة؟
في وقت شهدت الساعات الأخيرة انهياراً متدحرجاً لما كان يُعتقد أنّه «تفاهم ضمني وموقت» برعاية أميركية لتحييد بيروت وضاحيتها الجنوبية. وتجرّأت إسرائيل على ضرب الضاحية، في خرق هو الأول من نوعه منذ بدء ترتيبات جولة المفاوضات الأخيرة. لكنّ الأخطر، في تقدير المصادر الديبلوماسية، هو قرار إسرائيل باستكمال احتلالها لمناطق واسعة من الجنوب، وهذا ما ترجمه الجيش الإسرائيلي رسمياً أمس، بالإعلان عن بدء التوغل البري المباشر في بعض مداخل مدينة النبطية بهدف إسقاطها.
وتنظر المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى السيطرة على النبطية كـ«نقطة ارتكاز استراتيجية ورمزية سيؤدّي كسرها إلى هزيمة «حزب الله» العسكرية في القطاع الأوسط»، فيما وجَّه الجيش الإسرائيلي إنذارات إخلاء فورية وشاملة لمدينة صور، وهو ما ينذر بالأسوأ هناك.
هذه الوقائع تكشف أنّ حديث واشنطن عن «تقدُّم مستمر في المسارَين السياسي والأمني» بات خارج السياق الواقعي للميدان، وأنّ وقف النار، بمفهومه الديبلوماسي، لم يعُد موجوداً إلّا كـ«غطاء مناورة» يستخدمه الأطراف لتحسين شروط التفاوض بالنار.
لبنان بين مشروع الدولة ومشروع الساحات
عادت الضاحية الجنوبية لبيروت إلى واجهة التصعيد العسكري بعد غارة إسرائيلية استهدفت منطقة المريجة وتحويطة الغدير، لتكشف مجدّداً حجم الهشاشة التي تحكم المشهد اللبناني، ولتطرح سؤالاً أساسياً: هل يستطيع لبنان الخروج من دائرة الحروب الإقليمية والتحوُّل إلى دولة طبيعية تنعم بالاستقرار، أم أنّه سيبقى رهينة صراعات المحاور التي تقوده من جولة تصعيد إلى أخرى؟
فبعد أيام قليلة فقط من حديث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تفاهمات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تحول دون استهداف بيروت والضاحية الجنوبية، جاءت الغارة الإسرائيلية لتضع تلك التفاهمات أمام اختبار صعب، وتؤكّد أنّ أي تهدئة تبقى مهدَّدة طالما بقي القرار العسكري خارج إطار الدولة اللبنانية.
الغارة التي استهدفت منطقة المريجة وتحويطة الغدير جاءت بعد ساعات من إعلان «حزب الله» تنفيذ هجمات صاروخية باتجاه شمال إسرائيل، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض عدد من المقذوفات. وسرعان ما أكّد مكتب نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، أنّ العملية نُفّذت بتوجيه مباشر منهما، معتبرَين أنّها تشكّل رداً على إطلاق النار من الأراضي اللبنانية.
معادلة جديدة تفرضها إسرائيل
بحسب الرواية الإسرائيلية، فإنّ الهدف كان غرفة عمليات وموقعاً تابعاً لـ«حزب الله» يُستخدم للتخطيط لهجمات ضدّ إسرائيل. لكنّ الرسالة السياسية بدت أوسع من مجرّد استهداف موقع عسكري. فوسائل إعلام إسرائيلية، بينها القناة 14 والقناة 12، نقلت عن مصادر أمنية، أنّ «أهمّية العملية ترتبط بموقعها داخل الضاحية الجنوبية أكثر ممّا ترتبط بطبيعة الهدف نفسه»، في إشارة واضحة إلى سعي إسرائيل لترسيخ معادلة جديدة مفادها أنّ «أي هجوم يشنّه «حزب الله» على إسرائيل سيقابله استهداف مباشر للضاحية الجنوبية لبيروت».
وبذلك تكون إسرائيل قد نقلت المواجهة من نطاق الجنوب اللبناني إلى أحد أكثر المواقع حساسية في البلاد، في خطوة تحمل أبعاداً تتجاوز الردّ العسكري المباشر إلى محاولة إعادة رسم قواعد الاشتباك التي حكمت الجبهة خلال الأشهر الماضية.
اختبار صعب للتفاهم الأميركي
التصعيد جاء في توقيت بالغ الحساسية، بعدما كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن اتصال أجراه مع نتنياهو قال إنّه أثمر تفاهمات تمنع توسيع الحرب وتجنَّب استهداف العاصمة اللبنانية. وكانت تقارير أميركية وإسرائيلية قد تحدّثت عن دور مباشر لواشنطن في وضع خطوط حمراء، تمنع انتقال العمليات العسكرية إلى بيروت. إلّا أنّ الغارة الأخيرة أظهرت إمّا انهيار تلك التفاهمات أو إعادة تفسيرها من الجانب الإسرائيلي باعتبار أنّ استمرار هجمات «حزب الله» يمنح تل أبيب هامشاً أوسع للتحرك.
ووفق ما نقلته وكالة «رويترز»، فإنّ نتنياهو أبلغ ترامب، أنّ تجميد الخطط العسكرية ضدّ بيروت لن يكون عملياً طالما استمرّت الهجمات على شمال إسرائيل، وهو موقف قيل إنّ الرئيس الأميركي أبدى تفهُّماً له. وعلى رغم من ذلك، لا يزال الموقف الأميركي الرسمي من الضربة غامضاً، وسط تقارير إسرائيلية تحدّثت عن إبلاغ واشنطن مسبقاً بالعملية.
التصعيد الإيراني يزيد المخاطر
بالتوازي مع التطوُّرات الميدانية، ارتفع منسوب الخطاب الإيراني بصورة لافتة. فقد هدَّد إبراهيم رضائي، المتحدّث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، بردّ «حاسم ومؤلم» على أي استهداف إسرائيلي للضاحية الجنوبية، داعياً إلى «تأديب» إسرائيل. كما صعّد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف لهجته تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل، معتبراً أنّ المصالح الأميركية والإسرائيلية أصبحت «أهدافاً مشروعة» إذا استمرّت الضغوط العسكرية على إيران وحلفائها.
وسرعان ما ترافقت هذه التصريحات مع تقارير إسرائيلية عن رصد إطلاق 4 موجات من الصواريخ من إيران مساء أمس، عملت القبة الحديدية على اعتراضها، وإعلان حالة التأهّب في إسرائيل تحسباً لهجمات من «حزب الله» أو من أطراف مرتبطة بطهران. هذا المشهد يعكس محاولة إيرانية واضحة لإبقاء الساحة اللبنانية جزءاً من صراعها الإقليمي الأوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو مسار يضع لبنان مجدّداً في موقع المتلقّي لتداعيات نزاعات تتجاوز مصالحه الوطنية المباشرة. بينما رفضت تل أبيب دعوات طهران لوقف حربها على لبنان، وتسرّبت معلومات بأنّ إسرائيل تجري مشاورات مع واشنطن لضرب منشآت الطاقة في إيران، وأنّ إسرائيل تقصف إيران (من دون تحديد الأهداف) حتى لو رفضت الولايات المتحدة ذلك.
إلّا أنّ ترامب أعلن مساءً، أنّه «لم أكن سعيداً بقصف الضاحية»، وتوجّه لإيران بالقول: «لقد قصفتم، عودوا الآن إلى المفاوضات»، مضيفاً: «سأطلب من إسرائيل عدم الردّ» على إيران.
وزارة الإعلام اللبنانية