كتبت صحيفة “الجمهورية”: وكانت جولة المفاوضات العسكرية اللبنانية ـ الإسرائيلية التي انعقدت في تامبا الأسبوع الماضي برعاية أميركية، لم تنتهِ إلى اتفاق على القضايا الأساسية، وإن كان الطرفان اتفقا على استكمال التفاوض في جولة جديدة لم تُحدّد بعد. ذلك أنّ جوهر الخلاف يتمحور حول ثلاثة ملفات:
ـ الانسحاب الإسرائيلي: لبنان يطالب بإنهاء الاحتلال والانسحاب من الأراضي اللبنانية ووقف الغارات والتفجيرات.
ـ سلاح “حزب الله”: إسرائيل تربط الانسحاب بنزع سلاح الحزب وتفكيك بنيته العسكرية، فيما يرفض الحزب نزع سلاحه في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي.
ـ آلية التحقق: إسرائيل تريد دوراً مباشراً في مراقبة الترتيبات الأمنية، بينما لبنان يفضّل آلية بإشراف دولي أو أممي، ويرفض التنسيق العسكري المباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.
وقالت مصادر مطلعة لـ”الجمهورية”، إنّ ما تعنيه الانتخابات الإسرائيلية للبنان يكمن في ثلاثة احتمالات:
ـ الاحتمال الأول: استئناف التفاوض بعد الانتخابات، فإذا تشكّلت حكومة مستعدة لمواصلة المسار الأميركي، فقد تُستأنف المفاوضات مع محاولة التوصل إلى آلية تحقق وانسحاب تدريجي. لكن ذلك لا يعني أنّ الاتفاق بات قريباً أو مضموناً.
ـ الاحتمال الثاني: استمرار الضغط العسكري، فإذا أرادت القيادة الإسرائيلية تثبيت شروطها الأمنية أو تحسين موقعها التفاوضي، فقد يستمر الضغط الميداني. لكن لا يمكن الجزم بأنّ تصعيداً واسعاً سيقع لمجرد انتهاء الانتخابات.
الاحتمال الثالث: استمرار المراوحة، بحيث قد تتأخّر المفاوضات في حال استغرق تشكيل الحكومة الإسرائيلية وقتاً، أو بقيت الخلافات حول سلاح “حزب الله” والانسحاب وآلية التحقق بلا حلول.
على المحك
في هذه الأثناء، قالت مصادر ديبلوماسية لـ”الجمهورية”، إنّ الكباش اللبناني بلغ مرحلة دقيقة، حيث أنّ كل طرف يعتبر أنّ وجوده ربما يكون على المحك. وإذ رفضت إيران و”حزب الله” إجراء أي مراجعة لحسابات السلاح، باعتبار جبهة لبنان مع إسرائيل جزءاً من النزاع الشرق أوسطي الواسع، ربطت إسرائيل والولايات المتحدة وقف العمليات العسكرية والانسحاب جنوباً بشرط تفكيك منظومة “حزب الله” العسكرية والأمنية والمالية بكاملها، وحصر القرار اللبناني تماماً بالدولة. واللافت هو، إعلان الجيش الإسرائيلي أنّه سيجري هذا الأسبوع مناورات في الشمال والوسط، تحاكي سيناريوهات دفاعية متعددة الجبهات.
وتأتي هذه المعادلة في لحظة زمنية حرجة، إذ تضبط المواعيد على ساعتي الانتخابات الإسرائيلية والأميركية. ووفق المصادر، يبدو لبنان مكشوفاً بكامله أمام احتمال توسيع الاحتلال وجرف القرى في حال اندلاع المواجهة الإقليمية الشاملة، وهو ما يعني أنّ استمرار العجز عن ابتكار تفاهم داخلي سيجرّ البلد نحو الممر الأخطر، حيث يُخشى مزيد من ضياع الجغرافيا الجنوبية والتهجير والتدمير. وبين انسداد أفق المفاوضات العسكرية التي جرت في تامبا الأسبوع الفائت، وتصاعد التهديدات الإسرائيلية على وقع العدّ العكسي لانتخابات الكنيست، واحتدام النزاع الداخلي حول ملف المتفجرات والسلاح، يندفع لبنان حثيثاً نحو خيارات صعبة لا تتحمّل أي هامش للمناورة.
تقرير بحثي
وفي هذا الإطار، نقل مصدر ديبلوماسي لـ”الجمهورية” عن تقرير بحثي عُرض على دوائر القرار في عاصمة غربية قبل أيام، أنّ “حزب الله” يخوض مواجهة سياسية وإعلامية متعدّدة المسارات، لاحتواء تداعيات قضية شاحنة المتفجّرات التي اعترضتها قوى الأمن الداخلي في 5 تشرين الأول الجاري، في محاولة لمنع تحوُّلها إلى سابقة قضائية، تتيح للدولة اللبنانية ملاحقة أنشطته العسكرية وشبكاته غير المشروعة، وتفتح الباب أمام تسريع تنفيذ اتفاق حزيران 2026 المتعلّق بنزع سلاحه.
وأوضح الديبلوماسي، أنّ خطورة القضية، من وجهة نظر الحزب، لا تكمن فقط في ضبط شحنة تقارب 800 كيلوغرام من المتفجرات الشديدة الانفجار كانت تُنقل من البقاع إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، بل في احتمال إحالتها إلى المجلس العدلي، بما يعني إخراج الملف من إطار المعالجة القضائية التقليدية، ووضعه أمام أعلى مرجع جنائي في لبنان، حيث تصدر الأحكام بصورة ملزمة من دون إمكانية استئنافها. ومن شأن هذه الخطوة أن تكسر، عملياً، مظلّة الحصانة التي تمكّن الحزب من إدارة جانب من أنشطته بعيداً من المساءلة، وأن تؤسس لملاحقات مماثلة في ملفات أخرى مرتبطة بالسلاح والتمويل والعمليات غير القانونية.
وبحسب التقرير، فإنّ الحزب يدرك أنّ نجاح الدولة في محاسبته على هذه القضية قد يقيّد قدرته على نقل الأسلحة وإعادة تكوين مخزونه العسكري من دون مساءلة، فضلاً عن أنّه سيمنح المؤسسات الرسمية دفعاً سياسياً ومعنوياً لمواصلة التصدّي لأنشطته، وصولاً إلى تنفيذ التزامات نزع السلاح. ولذلك، لا يتعامل الحزب مع الملف بوصفه قضية جنائية منفصلة، بل باعتباره اختباراً لموازين القوى بين الدولة والتنظيم، ولقدرة الحكومة على تحويل قراراتها السيادية إجراءات تنفيذية فعلية.
وأشار الديبلوماسي، إلى أنّ “حزب الله” لجأ إلى ثلاثة مسارات متوازية لاحتواء هذا الاحتمال: التلويح بالاضطرابات الداخلية، وتصوير الحكومة على أنّها تستهدف الطائفة الشيعية وتعمل وفق المصالح الأميركية والإسرائيلية، والاستعانة بحلفائه لتأخير المسار القضائي. وفي هذا السياق، حذّر الحزب من مخاطر “التشرذم” والصراع الأهلي، رافعاً كلفة المواجهة على الحكومة والأجهزة الأمنية.
لكنّ التقرير، بحسب الديبلوماسي نفسه، يلفت إلى أنّ تكرار هذه الأساليب لا يعني بالضرورة نجاحها هذه المرّة، في ظل تراجع قدرات الحزب العسكرية وشعبيته، نتيجة الحروب المدمّرة التي خاضها مع إسرائيل منذ تشرين الأول 2023، وما خلّفته من خسائر وضغوط داخل بيئته التقليدية.
وكشف الديبلوماسي، أنّ التأجيل يعني إبقاء التحقيق في عهدة قوى الأمن الداخلي والجيش، ضمن ولاية المحكمة العسكرية، في مرحلة حساسة سياسياً وقضائياً، فيما تتواصل التساؤلات حول مدى قدرة التحقيق على بلوغ نهاياته من دون تدخّلات أو ضغوط. وشدّد الديبلوماسي، على أنّ ما يجري يكشف حجم التحدّي الذي تواجهه الرئاسة والحكومة في فرض سيادة القانون، لكنه لا يثبت أنّ الحزب قادر على تعطيل قرارات الدولة إلى أجل غير مسمّى.
وأضاف الديبلوماسي “أنّ الحزب يحاول التعويض عن خسائره العسكرية والسياسية عبر توسيع حملاته الإعلامية، وتصوير اتفاق حزيران 2026 على أنّه أداة لفرض إرادات خارجية، بالتوازي مع السعي إلى تشكيل مظلة سياسية متعدّدة الطوائف تضمّ قوى معترضة على الاتفاق، بهدف إظهار أنّ رفض نزع السلاح يتجاوز البيئة الشيعية. لكنّ هذه المحاولة لا تزال محدودة، إذ إنّ عدداً من القوى السياسية غير الشيعية، على رغم من تحفّظاتها عن بعض جوانب الاتفاق، لا يرغب في الاصطفاف إلى جانب الحزب، خوفاً من العقوبات وتحت تأثير الضغوط الخارجية والشعبية، التي لم تعُد تحتمل حرباً أخرى، ويتمسك بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة”.
قلق وتأهّب
في غضون ذلك، تتّجه أنظار لبنان والمنطقة إلى إسرائيل، حيث تسود حالة من القلق والتأهّب على كل المستويات السياسية والعسكرية والأمنية عشية الانتخابات، وخصوصاً بعد التطورات في الضفة الغربية والتهديدات المتواصلة بشنّ هجوم على إيران ولبنان.
وفي السياق، بدأت صباح أمس مناورة عسكرية في شمال إسرائيل ووسطها، بمشاركة فرق يهودا والسامرة، والفرقة 98، والفرقة 96، والفرقة 210، والقوات الجوية، في مناطق اختصاصها، بحسب الجيش الإسرائيلي الذي أعلن في بيان، أنّ “هذه المناورة تُجرى ضمن برنامج التدريب لعام 2026 التابع لمديرية العمليات، وهي جزء من عملية مستمرة لتعزيز قدرات الجيش الإسرائيلي وجاهزيته، حيث يتمّ خلالها استخلاص الدروس من الحرب وتطبيق العمليات الميدانية”. وأضاف البيان “كما تُجرى المناورة في إطار الحفاظ على مستوى جاهزية القوات، وتعزيز القدرة على الدفاع عن المستوطنات، وتعظيم القدرات الجوية لخدمة الدفاع في المنطقة”.
وإلى ذلك، أفادت هيئة البث الإسرائيلية أنّ “الجيش الإسرائيلي رفع مستوى التأهّب إلى أقصى درجة استعداداً للانتخابات، ونشر عشرات الآلاف من الجنود على الحدود وفي جبهات عدة، بينها قطاع غزة ولبنان والضفة الغربية ومحيط القدس، تحسّباً لتطورات أمنية محتملة، من بينها إطلاق صواريخ من إيران أو لبنان”.
هيكل زار بريطانيا
من جهة ثانية، زار قائد الجيش العماد رودولف هيكل بريطانيا قي 22 و23 من الجاري، تلبيةً لدعوة رسمية من نظيره البريطاني رئيس أركان الدفاع Air Chief Marshal Sir Rich Knighton، وشارك في الاجتماع السنوي العاشر لمجموعة Dragon Group الذي ضمّ قادةً وممثلين عن جيوش: قطر، الأردن، المملكة العربية السعودية، مصر، العراق، الكويت، عُمان، البحرين، الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى ممثل عن مجلس التعاون الخليجي. وتمّ بحث في التحدّيات المشتركة، وسبل تعميق التعاون لدعم الأمن والاستقرار الإقليميين، إلى جانب مجموعة من القضايا العالمية والإقليمية.
والتقى العماد هيكل نظيره البريطاني، وتناول النقاش سبل دعم الجيش وتعزيز التعاون بين الجانبين. وشكر هيكل للسلطات البريطانية دعمها المتواصل للمؤسسة العسكرية. ثم التقى مستشار الأمن القومي البريطاني Jonathan Powell، وتداول الطرفان آخر المستجدات في جنوب لبنان، وخيارات ما بعد انتهاء ولاية قوات “اليونيفيل”.
كذلك التقى هيكل رئيس أركان القوات المسلحة القطرية الفريق الركن (طيار) جاسم بن محمد المناعي، ورئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية اللواء الركن مجدي محمد الحراسيس، في اجتماعَين منفصلَين، وعرض مع كل منهما لعلاقات التعاون بين الجيش اللبناني والجيشَين الأردني والقطري، في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات.
الحضور المسيحي
وفي المواقف، قال البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، خلال قداس احتفالي في كاتدرائية مار جرجس في بلدة العاقورة لمناسبة المئوية الاولى لتطويب الشهداء القديسين المسابكيين “لا يمكن إلاّ أن نعيد التأكيد على الحضور المسيحي في لبنان والشرق. فهذا الحضور ليس امتيازًا ولا انغلاقًا على الذات، بل مسؤولية ورسالة وشراكة في هذه الأرض وفي مستقبلها”. وأضاف: “إنّنا نشهد بيعًا متزايدًا للأراضي، لكننا ندعو بإلحاح إلى عدم التسرّع في بيعها، وإلى عدم التفريط بالأرض. فالأرض هي ذاكرة وجذور وهوية ومستقبل. وما نخسره منها اليوم قد لا يستطيع أبناؤنا استعادته غدًا”.
واعتبر الراعي انّ “ما يجري على الحدود يفرض نفسه اليوم كقضية لا يمكن التقليل من خطورتها. فتكرار محاولات تهريب المتفجرات والسلاح والمواد الممنوعة، يكشف أنّ الخطر ليس نظريًا، وأنّ أي ثغرة في ضبط الحدود يمكن أن تتحول مدخلاً لتهديد أمن المواطنين واستقرار البلاد”، مشيراً إلى أنّ “ضبط الحدود بصورة جدّية وفاعلة هو جزء من حماية كل لبنان”. وكرّر التأكيد أنّ “حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية هو شرط أساسي لقيام دولة قادرة وعادلة، تتولّى وحدها مسؤولية الأمن والسلم. فلا يمكن أن نطالب بالأمان ونقبل في الوقت نفسه بتعدد المرجعيات الأمنية”.
وزارة الإعلام اللبنانية