كتبت الباحثة و الخبيرة التربوية ليال غدار مقالا تحت عنوان “من التقليد إلى التمكين: مسار الإدارة التربوية الحديثة”، أعتبرت فيه ان التحولات العميقة التي فرضتها المتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية والثقافية، استدعت الابتعاد عن الأساليب التقليدية القائمة على المركزية والسيطرة إلى نهج إداري أكثر تمكينية يركز على الإنسان كمحور رئيسي للعملية التعليمية…
وجاء في المقال:
شهدت الإدارة التربوية في العقود الأخيرة تحولات عميقة فرضتها المتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية والثقافية، الأمر الذي استدعى الابتعاد عن الأساليب التقليدية القائمة على المركزية والسيطرة إلى نهج إداري أكثر تمكينية يركز على الإنسان كمحور رئيسي للعملية التعليمية. الإدارة التمكينية (Empowerment Leadership) تعطي مساحة أكبر للمعلمين والمديرين للمشاركة في اتخاذ القرارات، وتفويض الصلاحيات بشكل مدروس، مع تعزيز الثقة والابتكار لديهم. هذا التحول لا يقتصر على نقل المسؤولية، بل يمتد ليشمل تطوير مهارات التفكير الاستراتيجي، القدرة على حل المشكلات، وتعزيز ثقافة المشاركة والتعلم المستمر.
أظهرت دراسات غربية متعددة من جامعات مثل Harvard Graduate School of Education وUniversity of Toronto أن القيادة التمكينية تسهم في تعزيز رضا المعلمين المهني وتقليل شعورهم بالعزلة التنظيمية، كما تحفزهم على المبادرة والابتكار في أساليب التدريس. وجدت دراسة قامت بها جامعة هارفارد بالتعاون مع مدارس أمريكية أن المعلمين الذين تم منحهم صلاحيات أكبر في اتخاذ القرار وإدارة الصفوف كان أداؤهم أعلى، وظهر لديهم التزام أكبر تجاه أهداف المؤسسة التعليمية، مقارنة بنظرائهم في مدارس تتبع أساليب إدارية تقليدية.
على المستوى العربي، أظهرت دراسات صادرة عن جامعات مثل الجامعة العربية الأمريكية أن التمكين الإداري في المدارس يسهم بشكل مباشر في تحسين الأداء المؤسسي وزيادة قدرة المعلمين والمديرين على الابتكار. فقد بينت هذه الدراسات أن منح العاملين مساحة أكبر للمشاركة في وضع السياسات التعليمية وفتح قنوات تواصل مرنة بين جميع الأطراف في المؤسسة التعليمية يعزز من جودة اتخاذ القرار، ويقلل النزاعات الداخلية، ويزيد الالتزام المهني.
أهمية التمكين الإداري تكمن أيضًا في أثره على جودة التعليم والتحصيل الدراسي للطلاب. فالقادة التمكينيون لا يكتفون بتوجيه التعليمات، بل يخلقون بيئة تعليمية تشجع على التعاون، وتدعم التعلم المستمر، وتحفز تبادل الخبرات بين المعلمين. وقد أظهرت دراسة منشورة في مجلة International Journal of Leadership in Education أن المدارس التي تتبع أساليب تمكينية يظهر فيها تفاعل أكبر بين أعضاء الهيئة التعليمية، ويتم تبني أساليب تدريس مبتكرة تتناسب مع احتياجات الطلاب المعاصرين، مقارنة بالمدارس ذات الأسلوب الإداري التقليدي.
ومن منظور تطبيقي، أثبتت تجارب دولية مثل كندا وأمريكا وأوروبا أن تمكين المعلمين والمديرين يؤدي إلى رفع مستوى الاستقلالية المهنية، وتحفيز الابتكار، وتحسين القدرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. هذه الدراسات تدعم فكرة أن الإدارة التمكينية هي أكثر من مجرد أسلوب إداري، بل هي استراتيجية شاملة لإعادة صياغة ثقافة المؤسسة التعليمية وجعلها أكثر مرونة واستجابة للتغيرات.
في الختام، يتضح أن الانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة التمكينية يمثل تحولاً استراتيجياً شاملاً في الإدارة التربوية، حيث يجمع بين المشاركة الفعالة، تطوير المهارات القيادية، وتحفيز الإبداع، ليخلق بيئة تعليمية مستدامة ومرنة. هذا التحول يعزز جودة التعليم، ويدعم رفاهية المعلمين، ويضع الإنسان في قلب العملية التعليمية بدلًا من أن يكون مجرد منفذ لتعليمات عليا. ومع تطبيق هذا النهج، يمكن للمؤسسات التعليمية أن تصبح أكثر قدرة على التكيف مع متغيرات العصر، وتطوير قدرات العاملين، وتحقيق مخرجات تعليمية تتماشى مع المعايير العالمية.
المصادر المستخدمة:
- Educational Administration Quarterly, SAGE Publications.
- Harvard Graduate School of Education – أبحاث حول القيادة التمكينية في المدارس الأمريكية.
- University of Toronto – دراسات حول تمكين المعلمين وأثره على الأداء المؤسسي. رابط
- International Journal of Leadership in Education – دراسات تطبيقية حول أثر التمكين الإداري على جودة التعليم.
وزارة الإعلام اللبنانية