كتبت صحيفة “الديار”: إستفاق سكان القرى الجنوبية أمس على همجية العدوان الاسرائيلي يوم الاربعاء، فحجم الدمار الهائل الذي لحق بالمباني المستهدفة والتي سويت بالارض، يكشف عن مرحلة جديدة من التصعيد الخطِر الذي ادى ايضا الى تضرر مئات الوحدات السكنية التي حاول سكانها اصلاح ما يمكن اصلاحه، في»رسالة» تحد وصمود لا تواكبها الدولة كما يجب… وبعيدا عن نوعية الضربات وحجمها ونطاق استهدفاتها، كان لافتا انها تمت لاول مرة دون ابلاغ مسبق للجنة «الميكانيزم» فلا الجيش كان على علم، ولا «اليونيفيل»، ولم يجر ابلاغهم مسبقا كما جرت العادة، وذلك في ترجمة عملانية تثبت من خلالها «اسرائيل» «دفن» لجنة «الميكانيزم». وعلمت «الديار» ان بيروت تبلغت مطالب واضحة برغبة اسرائيل اجراء مفاوضات سياسية مباشرة على مستوى عالي مع لبنان، خارج نطاق اللجنة، وبعيدا عن اي شراكة فرنسية، على ان تعقد الاجتماعات برعاية اميركية في دولة ثالثة، وفق النموذج السوري، لابرام اتفاق امني- سياسي، يمهد للدخول في عملية «سلام» مستدامة. وسيكون لبنان قريبا امام استحقاق خطِر جدا، اغضاب ترامب وتحمل التداعيات، او القبول بالتفاوض السياسي المباشر مع «اسرائيل».
هذا ما يريده ترامب لبنانيا؟
ومع اعلان الرئيس الاميركي دونالد ترامب من «دافوس» بالامس، انه «سيفعل شيئا ما تجاه لبنان»، تكثفت الاتصالات الداخلية مع جهات ديبلوماسية فاعلة لمحاولة فهم الاشارات المقتضبة من قبل الرئيس الاميركي، وكيفية ترجمتها عمليا، ووفق معلومات «الديار»، تبلغ اكثر من مسؤول لبناني، ضرورة الاستعداد لتقديم اجوبة واضحة على اقتراحات مرتقبة لترامب لتحريك الملف اللبناني تحت عنوان استفادة لبنان من مناخ «السلام» في غزة عبر اجراء جولات تفاوض سياسية مع «اسرائيل»، للوصول الى تفاهمات اقتصادية –امنية تمهد لمرحلة لاحقة لابرام اتفاق سلام، لا يبدو ان الأميركيين مستعجلين لابرامه راهنا، لكنهم يرغبون بخطوات ملموسة تساعد في تأمين المناخات المناسبة لذلك.
رد خطِر على «المراوغة»!
وعلم في هذا السياق، ان ترامب اقتنع من رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتانياهو، بضرورة استمرار حملة الضغوط القصوى على لبنان، ورفع منسوبها بما يتناسب مع الحفاظ على امن «اسرائيل» من جهة، ولا يؤدي الى انهيار شامل لوقف اطلاق النار، لكن قد تكون فرصة «كبح جماح» الاسرائيليين محدودة زمنيا، اذا ما شعر البيت الابيض ان التجاوب اللبناني مع طروحاته غير جدي، وسيكون الرد على «المراوغة»، كما افاد مصدر ديبلوماسي غربي، خطِر جدًا، اذ قد يمنح نتانياهو فرصة جديدة لمحاولة ضرب حزب الله عبر القيام بجولة «ايام قتالية».
نقطة خلافية بين اميركا «واسرائيل»
وفي هذا السياق، اكدت اوساط مطلعة،ان النقطة الخلافية الراهنة بين واشنطن وتل ابيب، تتعلق بمفهوم «حصرية السلاح»، فبينما يصر الاسرائيليون على نزعه في شمال الليطاني، كما في جنوبه، يبدي الاميركيون ليونة معينة من خلال الحديث عن اعجابهم بفكرة «احتواء السلاح»، اذا كانت خطة مرحلية جدية تمهد لعملية النزع لاحقا، وهو ما سيتم نقاشه مع قائد الجيش رودولف هيكل في واشنطن، حيث يتوقع منه ان يحضر ملفا شاملا ومفصلا حول الانجازات المحققة والخطط اللاحقة. لكن تبقى الخشية من قدرة نتانياهو على التأثير السلبي في ترامب، لمحاولة قلب الاولويات.
ما هو الاستحقاق الداهم؟
وحتى الان، لا توجد استراتيجية محددة لدى المسؤولين اللبنانيين، لكيفية مقاربة الطروحات الاميركية، فيما يزور النائب علي حسن خليل طهران، للمرة الثانية خلال اشهر، تحت عنوان المشاركة في احد المؤتمرات. وبانتظار عودة رئيس الحكومة من زيارته الى باريس، سيكون الاستحقاق الداهم، امنيا وسياسيا. فعلى وقع التصعيد الاسرائيلي الخطِر المحرج للحكومة، والعهد، المتمسكين باستراتيجية الحل الديبلوماسي، لا بد من موقف حاسم ردا على الطروحات الاميركية المفترضة، فهل سيكون من السهل الموافقة على الذهاب الى تفاوض سياسي مع «اسرائيل»؟ وماذا عن تداعيات الرفض؟
حزب الله ينتظر توضيحات من بعبدا
وفي هذا السياق، لا تزال تداعيات تصريحات الرئيس عون الاخيرة تتفاعل سياسيا، وميدانيا، وقضائيا، في ظل انقطاع التواصل بين بعبدا وحارة حريك، وتحرك للشارع، واستنفار قضائي لملاحقة ناشطين صحافيين بتهمة الاساءة للرئيس، ووفق مصادر مطلعة، ينتظر الحزب توضيحات من الرئاسة الاولى حول اسباب هذه الانعطافة في المواقف التي يعتبرها حزب الله تجاوزا لخطاب القسم، خصوصا تغييب الرئيس ملف استراتيجية الدفاع الوطني، وتحميل الحزب وزر «خراب» البلد… فيما لا ترى بعبدا مبررا للحملة الممنهجة التي وصلت الى تخوين الرئيس.
جلسة حكومية مفصلية
والى ان تتضح طبيعة العلاقة المستقبلية بين الجانبين، ستكون جلسة الحكومة المقبلة المخصصة للاستماع الى خطة قائد الجيش حول «احتواء» السلاح في شمال الليطاني، مفصلية، ووفق مصادر وزارية تبلغ وزراء «الثنائي» من مرجعياتهم السياسية موقفا حاسما لجهة تحديد المعنى الحقيقي والمفصل لمعنى «الاحتواء» الذي لن يخرج عن اطار تجميد ملف «حصرية السلاح»، بانتظار تنفيذ «اسرائيل» التزاماتها، وغير ذلك سيعني ازمة حكومية جدية.
ترقب لضرب ايران
وفيما تنتظر»اسرائيل» تطورات الملف الايراني، قبل الحسم لبنانيا، أعلن الجيش الإسرائيلي امس أن سلاح الجو بأكمله في حالة تأهب جاهزية، في ظل تقديرات تشير إلى احتمال إقدام الولايات المتحدة على تنفيذ ضربة عسكرية ضد ايران، قريبا، مع اكتمال التعزيزات اللوجستية بالامس. وقد جال قائد سلاح الجو الإسرائيلي تومر بار، على بطاريات القبة الحديدية المضادة للصواريخ، واطلع على جاهزية الجنود، وتجول في مركز إدارة الاعتراضات، حيث شدد بار على أهمية تعزيز الجاهزية والاستعداد الفوري لمجموعة متنوعة من السيناريوهات ضمن منظومات الدفاع الجوي.
هذا ما تريده «اسرائيل»؟
وفي سياق الكشف عن الاهداف الاسرائيلية على الساحة الشمالية، تحدث رئيس هيئة الامن القومي الاسرائيلي تساحي هنغبي عن هدفين سياسيين طموحين على الجبهة الشمالية، الأول، استخدام اتفاق وقف النار الذي وقع في تشرين الثاني 2024 للمضي بانضمام لبنان إلى مسيرة «التطبيع والسلام»، أما في سوريا فلبلورة خطوة من مرحلتين، بدايتها ترتيب الشروط الأمنية على الحدود المشتركة وتواصلها في انضمام سوريا إلى «الاتفاقات الإبراهيمية». ويقر هنغبي بانه لا يمكن التقدم في هذين المحورين بلا دور أميركي نشط، لكن الدولة اللبنانية، برئاسة الرئيس عون فشلت في نزع سلاح حزب الله في كل أرجاء لبنان في ظل الخوف من انزلاق البلاد الى حرب أهلية. والنتيجة أنه لا يوجد أي تقدم عملي في الحوار الثلاثي بقيادة الولايات المتحدة على مسائل الخلاف في حدود إسرائيل – لبنان: توضح إسرائيل أن انتشارها في دفاع متقدم في جنوب لبنان لن يتغير، ولهذا فان تصعيد المواجهة يبدو الآن أكثر واقعية من تحقيق التفاهمات.
النموذج السوري
وبخلاف الجمود في لبنان، يبدو الاتجاه السوري بنظر هنغبي واعدًا أكثر. وقال» منذ زمن يجري حوار سياسي بين إسرائيل والنظام الجديد في سوريا. نلت شرف المشاركة فيه وأخذت انطباعًا بأن المصالح المشتركة أكثر بكثير من المصالح التي تفرق بيننا. أحمد الشرع ربط مصيره بلاده بالولايات المتحدة والغرب». وفي الحوار الحميم الذي أجرته مع مسؤولين سوريين كبار، اقتنعت بأنه يمكن إيجاد حلول عملية لكل واحد من المبادئ التي على إسرائيل أن تصر عليها. وهي ثلاثة» الدفاع عن أبناء الطائفة الدرزية، والحاجة إلى منع تموضع قوات لدول معادية لإسرائيل في المجالات التي تهدد حرية عملنا في ساحات بعيدة، وضمان تجريد منطقة جنوب سوريا من السلاح كجزء من مفهوم الدفاع عن بلدات هضبة الجولان… وبات من الممكن تطبيق النموذج المصري الذي انتهى بتفاهمات أدت الى تبادل السفارات.
استياء فرنسي: اين الهيئة الناظمة؟
وفي هذا الاطار، جدد رئيس الحكومة نواف سلام مواقفه في شأن حصر السلاح على كامل الاراضي اللبنانية مؤكدا «اننا دخلنا المرحلة الثانية من العملية وتدريجيا، تشمل المنطقة الممتدة بين نهر الليطاني والاولي ثم بيروت الكبرى فالبقاع، وفي السياق، التقى سلام على هامش مشاركته في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو وتم البحث في تطورات الأوضاع الإقليمية وانعكاساتها على لبنان، ولا سيما في ظل التحديات الأمنية والسياسية الراهنة. كما تناول اللقاء التحضيرات الجارية لعقد مؤتمر دعم الجيش… وتطرق البحث أيضًا إلى مسار الإصلاحات المالية والاقتصادية التي باشرتها الحكومة اللبنانية، مع تركيز خاص على قانون «الفجوة المالية»، وفيما يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، سلام اليوم، اكدت مصادر مطلعة «للديار» ان الفرنسيين الذين يعانون من تضييق اميركي لتقليص حجم دورهم لبنانيا، اعربوا عن حالة من الاستياء ازاء البطء في التقدم بملف الاصلاحات، وقد فوجىء سلام بتساؤلات جان ايف لودريان مؤخرا، حول الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء، والتي لا تزال مشلولة بفعل عدم صرف رواتب اعضائها، وامتناع رئيسها عن الالتحاق بمهامه في بيروت ولا يزال على راس عمله في الامارات، فيما لم تلحظ موازنة 2026 اي رصد مالي لممارسة مهامها… وهذا يطرح علامات استفهام فرنسية حول جدية العمل الحكومي، وقد وعد سلام بمعالجة الموقف قريبا!
وزارة الإعلام اللبنانية