الرئيسية / إعلام المواطن / منصات التعلّم الرقمية: أداة تمكين أم فرصة غير مكتملة؟
منصات التعلّم الرقمية

منصات التعلّم الرقمية: أداة تمكين أم فرصة غير مكتملة؟

كتبت الباحثة و الخبيرة التربوية ليال غدار مقالا تحت عنوان “منصات التعلّم الرقمية: أداة تمكين أم فرصة غير مكتملة؟”، اعتبرت فيه ان منصات التعلّم الرقمية جزءًا أساسيًا من بنية العملية التعليمية في العديد من الدول والمؤسسات. ومع هذا الانتشار، لم يعد السؤال حول جدوى هذه المنصات من حيث وجودها أو عدمه، بل أصبح يتعلق بمدى قدرتها على تحويل التعليم إلى تجربة أكثر فاعلية، تعزز استقلالية المتعلّم وتوسع فرص الوصول، بدل أن تبقى مجرد واجهة تقنية لنقل المحتوى. وجاء في المقال:

ليال غدار

مع توسّع التعليم الرقمي خلال السنوات الأخيرة، باتت منصات التعلّم الرقمية جزءًا أساسيًا من بنية العملية التعليمية في العديد من الدول والمؤسسات. ومع هذا الانتشار، لم يعد السؤال حول جدوى هذه المنصات من حيث وجودها أو عدمه، بل أصبح يتعلق بمدى قدرتها على تحويل التعليم إلى تجربة أكثر فاعلية، تعزز استقلالية المتعلّم وتوسع فرص الوصول، بدل أن تبقى مجرد واجهة تقنية لنقل المحتوى.

في هذا السياق، قدّمت جامعة لندن من خلال Centre for Online and Distance Education (CODE)  دراسات مهمة حول تجربة الطالب في التعلم عن بُعد، وركزت على أن نجاح المنصات الرقمية يعتمد بشكل أساسي على جودة التصميم التربوي وتجربة المتعلّم الفعلية داخل البيئة الرقمية. إذ لم تعد المنصة مجرد وسيط بين المعلم والمحتوى، بل أصبحت بيئة تعليمية كاملة تتطلب تصميمًا يُراعي التفاعل، والتعاون، والتغذية الراجعة، والقدرة على التعلم الذاتي. وتؤكد نتائج هذه الدراسات أن المنصات الرقمية تحقق تمكينًا حقيقيًا عندما تُستخدم لتوفير بيئة تعليمية تتسم بالمرونة والفاعلية، وتُراعي احتياجات المتعلم، بدل أن تتحول إلى أداة لنشر المحتوى فقط.

أما من جهة أخرى، فقد قدّمت جامعة هارفارد، عبر تجربة HarvardX على منصة edX، دراسة واسعة تناولت أداء المتعلّمين في MOOCs (الدورات المفتوحة عبر الإنترنت). وأظهرت هذه الدراسة أن المنصات الرقمية قادرة على الوصول إلى أعداد ضخمة من المتعلمين، وتوفير فرص تعليمية لم تكن ممكنة سابقًا، لكن فعليًا كان الأثر الأكبر للمنصة مرتبطًا بمدى تفاعل المتعلم مع المحتوى وبنية الدورة التعليمية. فقد بيّنت الدراسة أن المتعلمين الذين شاركوا في أنشطة تفاعلية، وحصلوا على تغذية راجعة، ووجدوا أن المحتوى يرتبط بواقعهم واحتياجاتهم، كانوا أكثر قدرة على الاستفادة وتحقيق تحسن ملموس في التعلم. وبالمقابل، فإن المنصات التي تعتمد على رفع المواد دون تفاعل فعلي أو دعم توجيهي تُظهر نتائج أقل في التأثير على نواتج التعلم، رغم انتشارها الواسع.

إن ما يربط بين نتائج هاتين الدراستين هو أن المنصات الرقمية ليست أداة تمكين تلقائيًا، ولا واجهة شكلية بالضرورة، بل هي مساحة تعليمية يمكن أن تكون فعّالة أو أقل فاعلية وفقًا لطريقة تصميمها وتوظيفها. إذ إن المنصة تصبح أداة تمكين عندما تُصمم لتشجيع التفكير، وتعزز التعاون، وتتيح للمتعلم أن يكون فاعلًا في بناء المعرفة، ويستفيد من تغذية راجعة مستمرة، ويتفاعل مع زملائه ومع المعلم. أما عندما تُستخدم المنصة كبديل بسيط لنشر المحتوى، دون إعادة بناء العملية التعليمية وفقًا لطبيعة البيئة الرقمية، فإنها تفقد جزءًا كبيرًا من إمكاناتها.

في النهاية، يمكن القول إن منصات التعلّم الرقمية تمثل فرصة حقيقية لإعادة تشكيل التعليم، لكن تحقيق هذا التمكين يتطلب رؤية تربوية واضحة، وتصميمًا يضع المتعلم في مركز العملية، ودعمًا فعليًا من المعلم والمؤسسة. وعندما تُدار المنصات بهذه الطريقة، تتحول من مجرد أداة تقنية إلى بيئة تعليمية حقيقية، قادرة على توسيع الفرص وتحسين نواتج التعلم، وفي المقابل تبقى فرصة غير مكتملة إذا غاب التفاعل والتصميم التربوي المناسب.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *