الرئيسية / إعلام المواطن / الإعلام العاطفي: كيف يفهم الذكاء الاصطناعي مشاعرنا؟
WhatsApp Image 2026-02-05 at 2.25.17 PM

الإعلام العاطفي: كيف يفهم الذكاء الاصطناعي مشاعرنا؟

كتبت الدكتورة فيولا مخزوم مقالا تحت عنوان “الإعلام العاطفي: كيف يفهم الذكاء الاصطناعي مشاعرنا؟”، واعتبرت فيه ان الإعلام لم يعد يواجه مهمة نقل المعلومات ونشر الأخبار فقط، بل أصبح مطالبًا بفهم ما يدور داخل مشاعر المجتمع، وجاء في المقال:

فيولا مخزوم

لم يعد الإعلام يواجه مهمة نقل المعلومات ونشر الأخبار فقط، بل أصبح مطالبًا بفهم ما يدور داخل مشاعر المجتمع. مع سرعة انتشار الأخبار على المنصات الرقمية وتعدد قنوات التواصل، بات من الصعب على المؤسّسات الإعلامية توقع كيفية استقبال محتواها أو قياس تأثيره بدقة. كثيرًا ما يشعر صانعو المحتوى أنهم يطلقون رسائل في الفراغ، وأن الجمهور يتفاعل بطرق غير متوقعة، ما قد يؤدي إلى فقدان الثقة أو سوء فهم النوايا. هذا الواقع يبرز أزمة حقيقية في العلاقة بين الإعلام والمواطن، إذ لم يعد الاعتماد على الإحصاءات التقليدية أو الملاحظات السطحية كافيًا، بل أصبح من الضروري وجود أدوات قادرة على قراءة نبض المجتمع وتحليل ما يختبئ وراء كل تعليق أو مشاركة رقمية.

هنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي كأداة واعدة قادرة على تحويل كميات ضخمة من البيانات إلى رؤى واضحة عن المشاعر السائدة لدى الجمهور. يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل التعليقات والمشاركات وحتى النصوص المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي لتحديد ما يشعر به الناس، سواء كان فرحًا أو غضبًا أو حزنًا أو دهشة. تمنح هذه القدرة المؤسّسات الإعلامية نافذة غير مسبوقة لفهم جمهورها، لكنها تطرح في الوقت نفسه تحديًا أخلاقيًا مهمًا. إذ لا يتعلق الأمر فقط بفهم المشاعر، بل بكيفية استخدام هذه المعرفة بطريقة تحافظ على المصداقية وتمنع أي استغلال يؤدي إلى توجيه الرأي العام بشكل استغلالي. يمتلك الإعلام فرصة لتعزيز التفاعل الإيجابي مع محتواه عبر هذه التكنولوجيا، لكن أي استخدام خاطئ قد يؤدي إلى التأثير على القرارات والمواقف الاجتماعية والسياسية بطرق غير مقصودة أو غير أخلاقية.

تحديات التكيف مع التحول الرقمي

تزداد صعوبة الأمر بسبب أن كثيرًا من المؤسّسات الإعلامية لم تتكيف بعد مع هذا التحول الرقمي. بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة آلاف التعليقات في دقائق معدودة، يفتقر صانعو المحتوى إلى استراتيجيات واضحة للاستفادة من هذه المعلومات بشكل مسؤول. ينتج عن ذلك محتوى غير متوازن، أحيانًا يركز على إثارة الانفعالات دون تقديم معلومات دقيقة، مما يوسع الفجوة بين الإعلام والمجتمع. يصبح التحدي مزدوجًا: من جهة هناك حاجة لفهم عميق للبيانات وتحليلها، ومن جهة أخرى ضرورة وضع آليات أخلاقية تمنع استغلال هذه المعرفة في التضليل أو التلاعب بالرأي العام. أي خلل في التوازن بين هذه الجوانب يعرض المؤسّسات الإعلامية لمخاطر فقدان ثقة جمهورها، وهو ما يهدد مصداقيتها على المدى الطويل.

يمكن معالجة هذه المشكلة من خلال تطوير نموذج إعلامي يعتمد على الذكاء الاصطناعي بطريقة متوازنة ومسؤولة. الجمع بين التحليل التكنولوجي والفهم البشري يسمح بقراءة المشاعر بدقة ثم تحويلها إلى محتوى يعكس الواقع الاجتماعي دون التلاعب بالمعلومات. على سبيل المثال، يمكن للمؤسّسات الإعلامية متابعة ردود الفعل على الأخبار المحلية أو البرامج التربوية، ثم تعديل محتواها ليكون أكثر توافقًا مع اهتمامات واحتياجات الجمهور الحقيقية. يساعد هذا النهج على تعزيز التفاعل الإيجابي والانخراط المجتمعي، ورفع مستوى الوعي بالقضايا الوطنية والثقافة والتعليم الرقمي. التركيز على الحوار البناء بدلًا من إثارة الانفعالات السطحية يخلق بيئة إعلامية أكثر نضجًا، يشعر فيها المواطن بأنه مسموع ومفهوم، وليس مجرد متلقٍ سلبي.

تدريب واستخدام أخلاقي للتكنولوجيا

لتطبيق هذا النموذج بنجاح، يحتاج الصحفيون وصانعو المحتوى إلى تدريب مستمر على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بطريقة فعالة وأخلاقية، إلى جانب وضع سياسات واضحة تحمي البيانات الشخصية وتضمن الشفافية في تحليل المشاعر. يمكن أيضًا استثمار التكنولوجيا في ابتكار تجارب تفاعلية، مثل استطلاعات الرأي الفورية أو محتوى مرئي تفاعلي، بحيث يتحول الجمهور من متلقي سلبي إلى مشارك نشط في الحوار الإعلامي. من خلال الدمج بين التقنية والمسؤولية المهنية، يصبح الإعلام قادرًا على قراءة نبض المجتمع بدقة وتحويل هذه المعرفة إلى محتوى ذكي وموثوق، يوازن بين المشاعر والحقائق بطريقة شفافة ومستدامة.

وعليه، لا يمكن لأي مؤسّسة إعلامية اليوم تجاهل الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في فهم المشاعر وتحليل البيانات، لكن النجاح الحقيقي يكمن في توظيف هذه القدرات بطريقة أخلاقية واستراتيجية. يوفر الإعلام العاطفي المدعوم بالذكاء الاصطناعي فرصة نادرة لبناء ثقة الجمهور وتعزيز التفاعل الإيجابي، مع الحفاظ على المصداقية. عند استخدام هذه الأدوات بشكل صحيح، يتحول الإعلام من مجرد ناقل للمعلومات إلى وسيط ذكي يفهم المجتمع، يستجيب لاحتياجاته، ويعزز المعرفة والوعي بأسلوب مبتكر ومستدام.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *