الرئيسية / تقارير / مقال لمدير عام وزارة الإعلام في صحيفة “النهار”: جرم صغير …والعالم الأكبر
فلحه 3

مقال لمدير عام وزارة الإعلام في صحيفة “النهار”: جرم صغير …والعالم الأكبر

 حسان فلحه النهار
كتب الدكتور حسان فلحه في صحيفة “النهار” مقالا جاء فيه:
في العالم هناك حوالي ستمائة ألف كلمة عرفتها البشرية ، يمكن إجمالها بالحصر في عدة مفردات خالدة ،هي الكلمات العليا بعد لفظ الجلالة ، آدم و حواء ، الأم والأب ،وأربع صفات سرمدية او خمس هي الحياة والموت ،الحب والكراهيه ، واسم يبقى لدى كل واحد ، مجهولا رغم حضوره الداخلي الدائم .
أعظم اختراعات الإنسان قاطبة هي “الكلمة” التى نطقها منذ الأزل مفتاحا أعظم للتواصل الاجتماعي تفوقت على فطرته .الاولى ،الصرخة ،وهي الأثبات الدلالي الاول على ذاك الكائن الاتي من دوائر الصمت والهمس الذي طور نموه البشري في تعدد طبقات اللغات واختلاف اللهجات المكونة من بنيان الأحرف المشبهة بالأحجام والأوزان .الكلمة هي الإيماء اللفظي الذي ركن بين النطق واللفظ ،في الاول هو ما تصوّت به (كلمة) ، بحروفها والآخر هو ما يلفظ مع حروفها عندما تصدر من ثنايا الفم وتتحرر من الكبت الداخلي ، لقد بقيت إيماء ًوحيدا بلا تلازم في وحدة القول ، عارية المعنى قبل ان تكون كلمة و تغدو نافذة مهجورة حائرة في السماء يراودها الكائن البشري عن احساسه و حاجاته وعن كنهه وعن نفسه .
لا شك ان اول ما عرفه هذا الكائن في تحسسه الوجود انه صرخ فبكى ونطق ، وربما ضحك من سخرية قدره . لان كل هذه الكلمات قد لا تكفي حينا من الدهر لتعبر عن خلجة شعور واحدة ، وهذا النقاء الأسمى .
قبل ان يخرج من طور الفرد الواحد إلى شرانق الجماعة ذات الصيغ الاجتماعية المرهقة بفيزياء القوة المادية و المشبعة بالقيود الروحية والفلسفية ، الخاضعة لقدسية النصوص الدينية والاعتقادية غير القابلة في اغلب الاحوال للتأويل او التفسير و المتسمرة تصنعا بتمجيد الاخلاقيات . التعرج في المسير باعتقاده ليس قدرا محتوما ، ولكنه سُنّة الحياة القاهرة ، قد اصاب فعلا من تنبأ في الحديث عن القدر “انك لا تستطيع العودة لتغيير البداية ولكن قد تتمكن إذا بدأت من تغيير النهاية “، هذه هي جدلية الفهم المستحيل بالرغم من بساطة هذا الوجود الإنساني المعقد ، فإن هذا العالم المترامي الأبعاد الممتد ابعد من استطاعة الادراك المادي يمكن اختصاره بالإحاطة الفكرية البسيطة الحاكمة للعلاقة بين العقل والقلب، وبين الواقع والعاطفة، وبين المنطق والهوى
فيصبح اكتظاظ الكلمات العددية وتزاحمها ذات اللغات المتنوعة والألفاظ المختلفة في هذا العالم، محصورة في التعبير عن احاسيس متشابهة ومشاعر ورغبات متجانسة ، تختصر هذا الكون الذي تجمعه قواسم حسية بسيطة ذات تشابه شديد الاختلاف في الميول والنزعات التى هي سمة سمات الانسان الذي يعيش المستقبل في عمق تفاصيل الماضي ويغيب عن باله او ادراكه حضور الحاضر . الانسان يتوهم انه يعيش مرة واحدة من اجل الآخرة ، و هو فعلا يموت مرات من اجل البقاء على سكة الحياة التى ينساها من شدة تعلقه بها ولاينسى الموت أبدا من كثرة السعي إلى تجاهله . الانسان عبد ضعيف في حريته و عبد سقيم منقاد في حبه ، وعبد مكتمل عناصر العبودية في الانصياع إلى فكره الجامح ازاء عقدة الامتلاك التى يصاب بها المرء على شاكلة تضخم الأنا،لقد خلق هذا الكون من اجلي وحدي وانا خلقت من أجلي أنا ،
“أتحسب انك جرم صغير و فيك انطوى العالم الأكبر “. كما اختصره إمام البلاغة علي ابن ابي طالب . وانا استدرك على هامش الحياة
تشاؤم كافكا ،” كنت دائما أضيئك كيف استطعت إطفائي “

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *