كتبت الدكتورة فيولا مخزوم مقالا تحت عنوان “الذكاء الاصطناعي بين التعليم وسوق العمل”، واعتبرت فيه ان التعليم بحاجة إلى إعادة صياغة المهارات والقدرات الإنسانية، ليصبح المتعلّم شريكًا واعيًا في صناعة المستقبل، وجاء في المقال:

في عالم يتسارع فيه الذكاء الاصطناعي، لا تكفي الشهادات الجامعية التقليدية لإعداد الطلاب لسوق العمل. التعليم بحاجة إلى إعادة صياغة المهارات والقدرات الإنسانية، ليصبح المتعلّم شريكًا واعيًا في صناعة المستقبل.
يغير الذكاء الاصطناعي اليوم قواعد اللعبة في سوق العمل، ويضع التعليم أمام اختبار حقيقي لم تعد فيه الحلول التقليدية كافية. تتبدّل طبيعة المهن بوتيرة سريعة، وتصبح المهارات المطلوبة أقل ارتباطًا بحفظ المعلومات وأكثر ارتباطًا بالقدرة على التكيّف، وحل المشكلات، والابتكار. يخرج الطلاب من الصفوف الدراسية وهم يتساءلون عن جدوى ما تعلّموه في مواجهة واقع مهني مختلف عمّا وُعِدوا به، فجوة تتسع كلما تسارع التطور التكنولوجي.
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة توليد نصوص أو صور عند الطلب، بل أصبح قادرًا على التخطيط، واتخاذ قرارات مرحلية، وتنفيذ مهام متسلسلة بشكل شبه مستقل. هذا التحوّل يعيد تعريف دور الإنسان في العمل، من مجرد مستخدم للتكنولوجيا إلى مشرف وفاعل يوجهها ويكمل قدراتها. لم يعد التركيز على المهارات التقنية وحدها كافيًا، بل باتت المهارات الإنسانية مثل التفكير النقدي والإبداع والعمل الجماعي هي ما يميز الإنسان عن الآلة.
يدخل الذكاء الاصطناعي اليوم إلى كل المجالات، من التعليم والصحة والإعلام، إلى الإدارة والموارد البشرية. صار جزءًا من البنية المعرفية لأي مؤسّسة، لا مجرد أداة مساعدة. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على التفكير النقدي أكثر أهمية من أي وقت مضى. يحتاج الطالب إلى أن يتعلم كيف يطرح الأسئلة، ويفكّك المعلومات، ويميز بين الحقائق والتحليلات، خصوصًا في زمن تتكاثر فيه البيانات وتتداخل فيه التحيّزات الخفية. هذه القدرة تمنحه وعيًا كافيًا للتعامل مع نتائج الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول.
تظل المهارة الإبداعية هي الأخرى مفتاحًا لا غنى عنه. فالذكاء الاصطناعي ينجح في أداء المهام الروتينية بكفاءة، لكنه يعجز عن الإبداع والابتكار والتخيّل. يحتاج سوق العمل إلى عقول قادرة على ابتكار حلول جديدة، وربط أفكار متباعدة، والتفكير خارج القوالب التقليدية، وهو ما يفرض على المناهج التعليمية فتح مساحات للتجريب والخطأ والتعلّم التجريبي.
أصبحت البيانات اليوم لغة جديدة لفهم العالم. لم تعد الأرقام مجرد جداول جامدة، بل مؤشرات تعبّر عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية. يحتاج الطالب إلى أن يتعلم كيفية قراءة هذه البيانات، وربطها بالواقع، واستخدامها لاتخاذ قرارات واعية، بدل الاكتفاء بالتعامل مع التحليل المجرد.
تكتسب مهارات العمل الجماعي أهمية متزايدة، فالإنسان لم يعد يعمل بمفرده، ويتفاعل مع أنظمة ذكية وفِرق متعددة التخصصات تتطلب تنسيقًا مستمرًا. يحتاج الطالب إلى تعلم الحوار، واحترام الاختلاف، وبناء المعرفة بشكل مشترك، وهي مهارات لا يمكن اختبارها عبر الامتحانات التقليدية.
يتحوّل دور المعلم أيضًا. لم يعد ناقلًا للمعرفة فقط، بل أصبح موجّهًا ومرافقًا في رحلة التعلّم، يقدّم الإرشاد ويشجّع على التفكير النقدي، مستفيدًا من التكنولوجيا دون السماح لها أن تحل مكانه. وهذا الدور يحتاج إلى دعم مؤسّسي وتدريب مستمر يحفظ مكانة المعلم التربوية ويجعل التكنولوجيا أداة مساعدة لا أكثر.
تتحمّل المؤسّسات التعليمية مسؤولية كبيرة في سدّ الفجوة بين التعليم وسوق العمل. تحتاج المناهج إلى مرونة أكبر، وتجارب تعليمية ترتبط بالواقع العملي، وشراكات حقيقية مع القطاعات المختلفة. بدون هذه التحولات، سيبقى التعليم قائمًا على ماضٍ لا يتلاءم مع حاضر سريع التغير.
يزداد ثقل هذه المسؤولية في العالم العربي، حيث تتقاطع تحديات التعليم مع البطالة وضيق الفرص. يوفر الذكاء الاصطناعي إمكانات واعدة، لكنه قد يعمّق الفجوة الاجتماعية إذا لم يُرافق بسياسات تعليمية عادلة تتيح للجميع اكتساب المهارات اللازمة.
في النهاية، لا يبدأ تحضير الطلاب لسوق العمل في عصر الذكاء الاصطناعي من الآلة، بل من الإنسان نفسه. التعليم الحديث يجب أن يحفظ البعد الإنساني للمعرفة، ويمنح المتعلّم القدرة على الفهم، والاختيار، والمشاركة الواعية، ويجعل منه شريكًا حقيقيًا في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍ للتكنولوجيا.
وزارة الإعلام اللبنانية