كتبت صحيفة “العربي الجديد”: مع ارتفاع لهجة التهديد والوعيد الإسرائيلية إزاء لبنان، والمطالبة بإخلاء أكثر من 50 قرية في الجنوب والبقاع لضربها، بذريعة استهداف البنى التحتية لحزب الله، بالتزامن مع الحديث عن عملية برية محتملة، تبرز مخاوف من أن يقدم الاحتلال، الذي يسيطر اليوم على خمسة مواقع داخل الأراضي اللبنانية، على غزو لبنان لتوسيع سيطرته على الأرض وصولاً إلى خط القرى الثاني خلف الحدود، وهي الممتدة بعمق يتراوح بين خمسة وعشرة كيلومترات عن الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة.
وكان الاحتلال استغل عدوانه على لبنان في 2024 لفرض منطقة عازلة في قرى الخط الأول، الممتدة بمدى يتراوح بين صفر وخمسة كيلومترات، وذلك على طول الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة البالغة 130 كيلومتراً. والنقاط الخمس التي تحتلها إسرائيل، هي تلال الحمامص والعويضة والعزية في القطاع الشرقي، وجبل بلاط في القطاع الأوسط، واللبونة في القطاع الغربي.
علماً أنه سبق له إعداد خطط لهذا الأمر، في ذروة العدوان الواسع السابق قبل اتفاق وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، فيما برز أمس ما نقلته صحيفة هآرتس لجهة أن جيش الاحتلال يستعد لاحتمال تنفيذ موجة هجمات واسعة ضد أهداف في لبنان، إلى جانب “إنشاء خط دفاع قوي على طول الحدود”، على الأقل إلى حين اتخاذ قرار سياسي بشأن نطاق الرد، نظراً لتزامن المواجهة الحالية مع العملية ضد إيران وتأثير ذلك على التركيز العملياتي لجيش الاحتلال وعلى انتشار منظومات الدفاع الجوي في الجبهة الداخلية.
وطلب الاحتلال، أمس الاثنين، إخلاء 50 قرية في جنوب لبنان، هي صريفا، معروب، سلعا، دبعال، بافليه، باريش، أرزون، قلاويه، الشهابية، دردغيا، بستيات، عربصاليم، ميدون، الدلافة، عين قانا، كنيسة، المنصوري، مجدل زون، مزرعة بيوت السياد، جبال البطم، زبقين، السماعية، عيتيت، قانا، البياض، دير عامص، عيتا الجبل، حنين، حاريص، حداثا، محرونة، بيت ليف، ياطر، شقرا، حولا، برعشيت، بنت جبيل، جميجمة، عيترون، صفد البطيخ، البازورية، عيناتا، حانويه، جناتا، برج الشمالي، معركة، صديقين، المجادل، ميس الجبل، وادي جيلو. وبالإضافة إلى ذلك طلب إخلاء حوش الرافقة ويحمر في البقاع الغربي، ودورس في بعلبك.
الاحتلال لا يستبعد غزو لبنان
وعقب إنذارات الإخلاء، أعلن المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي إيفي دفرين، في مؤتمر صحافي، حول احتمال غزو لبنان برياً، إن “كل الاحتمالات مطروحة”، مضيفاً: “هاجمنا كبار القادة في حزب الله من القيادات القديمة التي لا تزال ضمن التنظيم، وندرس نتائج الهجوم”. في المقابل، قال المتحدث الآخر باسم الجيش نداف شوشاني، للصحافيين، رداً على سؤال حول ما إذا كانت إسرائيل تهدف إلى غزو لبنان “لا يوجد شيء على الأرض يبرر شن هجوم بري في المستقبل القريب”.
من جهته، قال الخبير العسكري والاستراتيجي حسن جوني، لـ”العربي الجديد”، إنه “من الواضح أن خريطة الإخلاء التي طلبها الإسرائيلي اليوم (أمس)، وتتضمن أكثر من 50 قرية جنوباً وبقاعاً، تخدم أهدافه الأولية والمكمِّلة”، مشيراً إلى أن “الأهداف الأولية تكون عبر الضغط على البيئة وجعل مسألة النزوح عملية ضغط على حزب الله وعلى الدولة، أما الأهداف الثانية، فتتعلق بتوسِعة المنطقة العازلة”، معتبراً أن الإسرائيلي قد يحضّر لتوسعة أو زيادة عمق المنطقة العازلة، و”ربما يحضّر حتى لاجتياح، فأنا لا أستبعد هذا السيناريو”.
وأشار جوني إلى أن “البقاع والجنوب، هما جناحا بيئة حزب الله والمقاومة، وبالتالي، فصلهما أو ربطهما مسألة بالغة الأهمية. فجغرافية هذه المنطقة تسمح وسمحت لحزب الله في الماضي بإنشاء قواعد عسكرية فيها، ولا ندري اليوم إذا كانت لا تزال موجودة في ظل الضربات الإسرائيلية، لكنها تعتبر هدفاً حيوياً بالنسبة إلى إسرائيل”. ورأى أن “الأمور للأسف معقدة جداً، سواء على مستوى المنطقة، إذ نحن أمام حرب إقليمية واسعة ومرشحة للتعقيد أكثر، وتداعياتها الاقتصادية والأمنية والسياسية خطيرة، على مستوى لبنان، بعدما أُقحم من خلال عملية حزب الله، ما أدخلنا بمنطقة خطرة”. واعتبر أن “مقررات الحكومة بصرف النظر عن أحقيتها كدولة وحكومة، عقّدت الموقف. هذا لا يعني أنها خطأ، لكنها حشرتها، فإما تكون مسؤولة عن الحرب والسلم أو تترك لحزب الله التصرف، وبالتالي اضطرت إلى أخذ القرار. وبالتالي، إذا حزب الله لم يتجاوب أو لم يبد مرونة بهذا الموضوع سنكون أمام مواجهة فرضتها المعادلة، أي مشكل داخلي كبير جداً والأمر خطير، بالإضافة إلى الرأي العام اللبناني، خاصة أن معظم اللبنانيين ضد التدخل بهذه الحرب”.
وكان مجلس الوزراء اللبناني أعلن، أمس الاثنين، حظر أي نشاط أمني أو عسكري لحزب الله وحصر مجال عمله بالشق السياسي، وذلك بعد جلسة طارئة عقدتها الحكومة برئاسة الرئيس اللبناني جوزاف عون، وحضور قائد الجيش رودولف هيكل، بعد إطلاق حزب الله فجراً عدداً من الصواريخ باتجاه إسرائيل، وشنّ الأخيرة سلسلة غارات على الضاحية الجنوبية لبيروت، وجنوب لبنان، والبقاع شرقه، أسفرت عن 31 شهيداً على الأقل وإصابة 149.
وقال رئيس الحكومة نواف سلام، بعد جلسة مجلس الوزراء التي استمرّت 5 ساعات: “تعلن دولة لبنان رفضها المطلق بما لا يقبل أي لبس أو تأويل لأي أعمال عسكرية أو أمنية تنطلق من الأراضي اللبنانية، خارج إطار مؤسساتها الشرعية، وتؤكد الدولة أن قرار الحرب والسلم هو حصراً بيدها، ما يستدعي الحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافة باعتبارها خارجة عن القانون، وإلزامه بتسليم سلاحه للدولة، وحصر عمله بالمجال السياسي، ضمن الأطر الدستورية والقانونية، بما يكرس حصرية السلاح بيد الدولة ويعزّز سيادتها الكاملة على امتداد أراضيها”.
وأشار سلام إلى أن الحكومة طلبت من قيادة الجيش فوراً وبحزم، تنفيذ الخطة التي عرضتها في مجلس الوزراء في شقها المتعلق بحصر السلاح شمال نهر الليطاني، وذلك باستخدام جميع الوسائل التي من شأنها ضمان تنفيذ هذه الخطة. كما طلبت من الأجهزة الأمنية والعسكرية اتخاذ الإجراءات الفورية لمنع القيام بأي عمليات عسكرية أو إطلاق صواريخ أو طائرات مسيّرة من الأراضي اللبنانية، وتوقيف المخالفين. وطلبت الحكومة، وفق سلام، من الدول الضامنة لإعلان وقف الأعمال العدائية، الحصول على التزام واضح ونهائي من الجانب الإسرائيلي بوقف جميع الاعتداءات على كامل الأراضي اللبنانية، مع تأكيد التزام لبنان التام والنهائي بمندرجات الإعلان كاملة، وبما يصون السلم والاستقرار.
واعتبر جوني أن إسرائيل ستتوحش الآن وهي تنتظر هذه اللحظة، وهي ستستغل تماماً إطلاق حزب الله صواريخ عليها لتقوم بتكملة ما كانت بدأته في الحرب الأخيرة، والذي توقفت عنه نتيجة الاتفاق والظروف الدولية آنذاك، مشيراً إلى أن المعطيات اليوم تغيّرت، وإسرائيل ستستغلّ اللحظة لمتابعة تدمير حزب الله وربما ستتخذ قراراتها بما يتعلق بعملية غزو لبنان وفق التطورات، وقد تنتظر الإجراءات الميدانية التي سيتخذها الجيش اللبناني تنفيذاً لمقررات الحكومة، وإلا قد تهاجم البنى التحتية وهي سبق أن هدّدت بذلك.
تعميق السيطرة داخل الأراضي اللبنانية
في موازاة ذلك، قال ضباط في قيادة المنطقة الشمالية في جيش الاحتلال الإسرائيلي إن قائد المنطقة رافي ميلو سبق أن اعتمد إجراءً قتالياً منظّماً وأجرى استعداداً دقيقاً، بما في ذلك تدريبات مكثفة، تحسباً لسيناريو يهاجم فيه حزب الله الجبهة الداخلية الإسرائيلية بالتوازي مع المواجهة مع إيران. وتابع الضباط، وفق ما نقله موقع والاه العبري، أمس الاثنين، أن نهج قائد المنطقة الشمالية هو هجومي وحازم، وبرأيه يجب تعميق السيطرة داخل الأراضي اللبنانية من أجل إبعاد التهديدات أكثر عن البلدات الإسرائيلية. وقد أوضح ميلو، في محادثات مغلقة، أن وضع الجيش الإسرائيلي الحالي مقابل جنوب لبنان أفضل بكثير مما كان عليه قبل عملية “سهام الشمال” (عدوان سبتمبر/ أيلول 2024)، ويجب استغلال ذلك.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، أشارت تقارير عبرية إلى أن جيش الاحتلال استعد في حينه، لاحتمال غزو لبنان عبر اجتياح خط القرى الثاني في لبنان، بعد تدميره الخط الأول الأقرب إلى الحدود. كما نُشر وقتها بأنه في حال لم يتم التوصل إلى تسوية فإن الجيش لديه خطة عملياتية لتوسيع غزو لبنان والوصول إلى مناطق لم يصل إليها. وأوكل الجيش بتمشيط وتدمير البنى التحتية في الخط الأول من البلدات اللبنانية، أي الأقرب إلى الحدود مع الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، حتى مسافة 5 كيلومترات شمالي الحدود. وخطط الاحتلال لإمكانية غزو لبنان عبر التقدّم إلى خط البلدات الثاني، إلا أن رئيس هيئة الأركان السابق هرتسي هليفي، والذي كان لا يزال في منصبه، في ذلك الوقت، لم يكن متحمّساً لهذه الخطوة، بسبب معضلتين أساسيتين توقّع أن تواجها الجيش وقتئذ، إحداهما الأحوال الجوية، والثانية الحاجة إلى تجنيد المزيد من قوات الاحتياط في ظل التذمّر المتزايد من قبل الجنود، بسبب الضغط والعبء المفروض على نسبة صغيرة نسبياً من الإسرائيليين لتأدية الخدمة العسكرية الاحتياطية.
أما الآن، في ظل عقيدة قائد المنطقة الشمالية، القائمة على مبدأ الهجوم وتعميق السيطرة، وفي ظل استدعاء نحو 100 ألف جندي احتياط في الأيام الأخيرة، والنشوة التي تعيشها إسرائيل بعد عدوانها الذي تصفه بالناجح على إيران، واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وتهديدها ووعيدها لحزب الله، الذي ترى أنه قدّم لها هدية، بارتكابه خطأ مهاجمتها دعماً لإيران، فليس بعيداً أن تتقدم نحو خط القرى الثاني للسيطرة عليه، إلى جانب النقاط التي تسيطر عليها فعلاً داخل الأراضي اللبنانية. ويتزامن ذلك أيضاً، مع ضغط رؤساء السلطات المحلية الإسرائيلية القريبة من خط المواجهة، باتخاذ خطوات عسكرية، للوصول إلى وضع تكون فيه الحدود الشمالية هادئة من خلال إبعاد التهديدات عنها.
وذكرت صحيفة هآرتس، أمس الاثنين، أن الجيش الإسرائيلي يستعد لاحتمال غزو لبنان بهدف “إنشاء خط دفاع متقدّم يفصل بين حزب الله والبلدات الإسرائيلية القريبة من السياج”. وأضافت الصحيفة أنه على خلفية قرار حزب الله الانضمام إلى الهجمات الإيرانية، استكمل الجيش الإسرائيلي خطوة تهدف إلى الحدّ من محاولات إطلاق صواريخ مضادة للدروع من لبنان وإحباط تسلّل خلايا إلى داخل إسرائيل. وفي إطار الاستعدادات، جُنّد نحو 100 ألف جندي احتياط لتعزيز منظومة الدفاع في الجبهة الشمالية والضفة الغربية المحتلة. إضافة إلى ذلك، أعدّت المؤسسة الأمنية سلسلة خطط عملياتية لاستئناف القتال في لبنان وتوسيعه. وقد عرض الجيش على المستوى السياسي عدة بدائل، بدءاً من عملية محدودة في جنوب لبنان وصولاً إلى خطوات أوسع تهدف إلى حسم المواجهة مع حزب الله.
مع ذلك، نقلت الصحيفة عن مصادر أمنية، لم تسمّها، قولها إن الدخول في مواجهة واسعة النطاق مع حزب الله، بالتوازي مع عملية ضد إيران، قد تكون لها تداعيات كبيرة على التركيز العملياتي، وعلى انتشار منظومات الدفاع الجوي في الجبهة الداخلية، وعلى تخصيص الموارد في مجالي الاستخبارات والاتصالات. ويستعدّ جيش الاحتلال لاحتمال تنفيذ موجة هجمات واسعة ضد أهداف في لبنان، إلى جانب “إنشاء خط دفاع قوي على طول الحدود”، وفقاً للصحيفة، على الأقل إلى حين اتخاذ قرار سياسي بشأن نطاق الرد. ويعتقد جيش الاحتلال أنّ الجيش اللبناني، بدعم من الحكومة، يعمل على تقليص قوة حزب الله، حتى لو كان ذلك بوتيرة أبطأ مما ترغب به إسرائيل. وفي الوقت نفسه، قدّر مسؤولون أمنيون أنّ دخولاً واسعاً في القتال قد يضعف الحكومة اللبنانية أكثر، ويدفع البلاد نحو حالة من الفوضى، وهو سيناريو لا ترغب إسرائيل في حدوثه.
وزارة الإعلام اللبنانية