كتبت صحيفة “العربي الجديد” تقول: شهر كامل انقضى مذ راح جيش الاحتلال الإسرائيلي يستهدف لبنان عسكرياً، ويهجّر أهله ويرتكب المجازر، فيما يحاول قضم مساحات من جنوبي البلاد وتقطيع أوصال الوطن. وتشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أنّ حياة كثيرين “اقتُلعت من جذورها؛ عائلات نزحت ومنازل فُقدت ومستقبل يكتنفه الغموض”، وسط الهجمات الإسرائيلية المتواصلة منذ الثاني من مارس/ آذار المنصرم.
ووسط النزوح القسري الذي دفعت إليه أوامر الإخلاء الإسرائيلية الجماعية، في ما يمثّل جريمة حرب وفقاً لأكثر من منظمة دولية، بالإضافة إلى القصف العنيف، تتزايد الاحتياجات بوتيرة أسرع بكثير. ويحذّر نائب المنسّق الخاص للأمم المتحدة والمنسّق المقيم ومنسّق الشؤون الإنسانية في لبنان عمران رضا من ذلك، على الرغم من محاولات توفير الدعم والمساندة لمن يحتاجها. كذلك يشدّد على “وجوب حماية المدنيين والعاملين في المجال الصحي وقوات حفظ السلام (قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان – يونيفيل) والصحافيين”، مشدّداً على أنّ هؤلاء جميعاً “ليسوا هدفاً” من أهداف الحرب.
يأتي ذلك في وقت تمضي فيه آلة الحرب الإسرائيلية في استهداف المدنيين في لبنان وكذلك الأعيان المدنية، منتهكةً القانون الدولي الإنساني، علماً أنّ مراقبين يحذّرون في هذا الإطار من ارتكاب جيش الاحتلال النسق نفسه من الاعتداءات التي سبق أن نفّذها خلال حربه الأخيرة على قطاع غزة الفلسطيني المنكوب. وقد أفادت وزارة الصحة العامة اللبنانية بأنّ إجمالي عدد الشهداء بلغ 1345 شهيداً، بعد شهر من العدواتن الإسرائيلي المتواصل، في حين وصل عدد الجرحى إلى 4040 جريحاً، وفقاً لآخر بيانات مركز طوارئ الصحة العامة الصادرة بعد ظهر اليوم الخميس.
إيمي بوب: مؤشرات مقلقة لنزوح طويل الأمد في لبنان
وبعد شهر من الأزمة الإنسانية المستجدّة، وجّهت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة إيمي بوب نداءً عاجلاً، اليوم، لتعزيز الدعم الدولي بهدف مساعدة لبنان في مواجهة الاحتياجات الإنسانية التي تتفاقم سريعاً. وأوضحت المسؤولة الأممية، في ندائها الذي يأتي مع اختتامها جولة في البلاد اليوم، أنّ حجم النزوح القسري يدفع لبنان إلى أقصى قدراته، مبيّنةً أنّ “كثيرين يواجهون خطر البقاء من دون المساعدات التي يحتاجونها في حال لم يتوفّر دعم دولي عاجل”.
وفي حديث إلى وكالة فرانس برس في السياق نفسه، حذّرت بوب من “مؤشرات مقلقة جداً لنزوح طويل الأمد في لبنان”، وذلك “نظراً إلى مستوى الدمار الحاصل… والدمار الإضافي الذي جرى التهديد به”. لكنّها لم تذكر من هو مطلق هذه التهديدات. أضافت بوب أنّ “ثمّة مناطق في جنوب لبنان تُسوّى بالكامل بالأرض… حتى لو انتهت الحرب غداً، فإنّ هذا الدمار سيبقى، وستكون ثمّة حاجة إلى إعادة إعمار”، مشيرةً إلى ضرورة توفّر التمويل والموارد والهدوء لإعادة البناء. وتابعت: “ما لم نرَ تلك الأمور تتحقّق، فإنّ ذلك يعني أنّ الناس سيبقون نازحين من الآن إلى أجل غير معلوم”.
وأشارت بوب لوكالة فرانس برس إلى أنّ أزمة النزوح الحالية في لبنان “أشدّ خطورة بكثير” من تلك التي شهدتها البلاد ما بين عامَي 2023 و2024. وأكدت أنّ عدد النازحين هذه المرّة مرتفع جداً، لافتةً إلى أنّ مراكز الايواء تواجه الضغوط، مع العلم أنّ كثيرين من النازحين، في التصعيد السابق، لم يتمكّنوا بعد من العودة إلى بيوتهم.
وفي ندائها الذي أطلقته اليوم، شدّدت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة على أنّ قتل النازحين الذين كانوا يبحثون عن الأمان أمر غير مقبول، وبالتالي على وجوب حماية المدنيين في كلّ الأوقات، وأكدت أنّ أكثر من مليون شخص هُجّروا بسبب أوامر الإخلاء، من دون أن تسمّي الجهة التي تطلق هذه الأوامر، وبسبب الغارات الجوية، من دون أن تسمّي كذلك الجهة التي تنفّذها؛ إسرائيل.
وأشارت بوب إلى أنّ المهجّرين إنّما هم من مجتمعات تعاني، في الأساس، من سنوات من الهشاشة الاقتصادية كما الاجتماعية، ولا سيّما على خلفية التصعيد “المدمّر” السابق الذي “اقتلع كذلك مليون شخص” من أرضهم. وفي ذلك إشارة إلى تصعيد إسرائيل حربها على لبنان في سبتمبر/ أيلول من عام 2024، وما سبق ذلك منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وكانت بوب قد جالت في عدد من مراكز الإيواء التي تدعمها المنظمة الدولية للهجرة، حيث التقت مهاجرين أُجبروا على النزوح وكذلك عائلات لبنانية، وشاهدت عن كثب تأثير الأزمة المستجدّة على حياة هؤلاء اليومية. واطّلعت بالتالي على التحديات المتزايدة التي يواجهونها، بما في ذلك محدودية وصولهم إلى الخدمات الأساسية، وتزايد المخاوف الأمنية، وتضاؤل فرص كسب العيش.
وبيّنت المسؤولة الأممية، في إطار ندائها الذي اختصرت فيه أبرز المعطيات المرتبطة بالأزمة في لبنان التي تسبّب فيها العدوان الإسرائيلي الأخير، أنّ نحو 10% فقط من النازحين يعيشون في الوقت الراهن بمراكز إيواء جماعية في مختلف أنحاء لبنان، عدد كبير منها مبانٍ تابعة لمدارس ومنشآت حكومية أخرى. وأشارت بوب إلى أنّه، في بعض الأحيان، تتشارك سبع عائلات غرفة صف مدرسي واحدة، في غياب كلّ خصوصية أو تدفئة أو نظافة كافية أو مستلزمات أساسية. إلى جانب هؤلاء، تناولت بوب كثيرين يعيشون بلا ملجأ يؤويهم، إمّا في الشارع أو في السيارات، أو مع عائلاتهم أو أصدقاء لهم.
من جهة أخرى، دانت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة “بعد تسجيل أكثر من ألف وفاة (…) بشدّة عمليات قتل النازحين الأخيرة”، لافتةً كذلك إلى “الارتفاع المقلق في الهجمات على العاملين في مجال الرعاية الصحية ومرافقها”. يُذكر أنّ ذلك يُعَدّ من جرائم الحرب وفقاً للقانون الدولي الإنساني، المستند إلى اتفاقيات جنيف والملحقات والبروتوكولات الإضافية. ووفقاً لآخر البيانات، وصل عدد العاملين في المجال الصحي، بما في ذلك المسعفين، الذين قتلتهم آلة الحرب الإسرائيلية، إلى 53 شهيداً، في حين أُصيب 137 آخرون بجروح. وهذا ما سبق أن دانه أكثر من مسؤول أممي، من بينهم المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس الذي سمّى إسرائيل بالاسم، بوصفها الجهة المعتدية، وطالب، مرّة أخرى، بتوفير حماية عاجلة للعاملين في هذا المجال ولمرافقه، وسط تزايد الهجمات على منظومة الرعاية الصحية في لبنان.
كذلك شدّدت بوب، في ندائها الطارئ لتعزيز الدعم الدولي بهدف مساعدة لبنان في مواجهة الاحتياجات الإنسانية، على أنّ تدمير البنية التحتية المدنية، بما في ذلك الطرقات والجسور الحيوية، يُقوّض سلامة المدنيين وكرامتهم، وقد رأت وجوب وضع حدّ لذلك “فوراً”. يأتي ذلك في حين تمضي إسرائيل في استهداف الجسور، التي تُعَدّ من الأعيان المدنية، الأمر الذي يؤدّي إلى عزل المناطق بعضها عن بعض، في ما عدّه مراقبون مقدّمات لعملية احتلال في جنوب لبنان. واستهداف الجسور يُصنَّف انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، ومؤشرّاً بالتالي إلى جريمة حرب.
وتكثر الانتهاكات التي ترتكبها آلة الحرب الإسرائيلية منذ شهر والتي تؤشّر إلى جرائم حرب؛ من التهجير القسري الجماعي، إلى استهداف العاملين في المجال الصحي والمرافق ذات الصلة، إلى تدمير جسور جنوبي لبنان وكذلك بيوت القرى الحدودية مع فلسطين المحتلة وغيرها من الأعيان المدنية، إلى قتل الصحافيين، وغير ذلك.
“يونيسف”: الأطفال لا يشعلون الحروب لكنّهم يدفعون ثمنها الباهظ
ومع الإشارة إلى الانتهاكات التي تمضي فيها إسرائيل، وسط عدوانها المتواصل على لبنان منذ شهر كامل، يبدو من البديهي ذكر الأطفال الذي يُعَدّون من الفئات الأكثر هشاشةً وضعفاً في الأزمات والحروب. وفي تدوينة نشرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) اليوم، على موقع إكس، أكدت أنّه “في وقت يتصاعد فيه العنف في لبنان، يواجه مزيد من الأطفال ومزيد من العائلات اضطرابات في حياتهم اليومية ونقصٍ في الأمن الغذائي، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على احتياجاتهم الأساسية”.
وفي مثال، لفتت منظمة يونيسف، في التدوينة نفسها، إلى جهود تُبذَل بالشراكة مع برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة لتوفير وجبات ساخنة لعائلات هُجّرت، في مراكز إيواء، يعدّها شبّان، وشدّدت على أنّ هؤلاء، “من خلال طهي الوجبات وتقديمها، يكتسبون مهارات عمليّة، في حين يدعمون مجتمعاتهم”، مؤكدةً أنّه “في وقت الأزمات، يُحدث الشبّان فرقاً حقيقياً”.
تجدر الإشارة إلى أنّ الأطفال، التي تشنّ إسرائيل حرباً عليهم في لبنان مثلما سبق أن فعلت مع أطفال غزة، يمثّلون تقريباً ثلث عدد النازحين الذين اقتُلعوا من بيئاتهم وأرضهم. وقد قدّرت الأمم المتحدة عدد أطفال لبنان النازحين قسراً بأكثر من 470 ألفاً، ما يمثّل أكثر من ثلث إجمالي عدد الذين هجّرتهم آلة الحرب الإسرائيلية والذين تمضي في تهجيرهم منذ الثاني من مارس المنصرم. إلى جانب ذلك، تفيد آخر بيانات وزارة الصحة العامة اللبنانية بأنّ عدد الأطفال الذي ارتقوا شهداء وصل إلى 125، فيما بلغ عدد الأطفال الجرحى 430، علماً أنّ هذه البيانات مثيرة للقلق، وفقاً لما تؤكده أكثر من وكالة أممية ومنظمة دولية.
في سياق متصل، أفادت منظمة يونيسف بأنّ “الأطفال لا يشعلون الحروب، غير أنّهم يدفعون ثمناً باهظاً غير مقبول” في هذا المجال، ورأت بالتالي “وجوب الاستمرار في رفض هذا الوضع المستجدّ، والمطالبة بحماية الأطفال وسط النزاعات، في كلّ مكان وزمان”.
وزارة الإعلام اللبنانية