كتب مدير عام وزارة الاعلام الدكتور حسان فلحه في الموقع “الجزيرة نت” مقالا جاء فيه:
يكاد الاتفاق الإيراني الأمريكي المدرج تحت بند “مذكرة التفاهم ” ، يشبه في صياغته المجدولة على نول الصبر الفارسي وعقد الدّسَار الاميركي ( الوتد)، حبكات السجاد العجمي ، تطرز عليه خطوط طرق العبور الملتوية نحو عالم جديد، لم يشبهه في مفارقه الحاكمة ما عهدته البشرية قبلا ، و لا يمكن تبسيطه في حصره بازمة الريبة في العلاقة بين الطرفين .
فالمنطقة تنتقل بسرعة الى مسارات غير مسبوقة ،وتشهد تحولات جوهرية، تتبدل فيها حتى التسميات المتعلقة بها وفق مفردات لغات أصحابها ، الحاضرة مع حضور سطواتهم ، “الخليج الفارسي” او “الخليج العربي” او “بحر عمان” او “بحر العرب ” ، لتتسع بشمولها خطوط الطول والعرض ، كما ارادها المستعمرون البريطانيون حينا وحلفاؤهم الفرنسيون احيانا ، و يستدركها الأمريكيون قبل اكثر من قرن بالتسمية ذائعة الصيت الشرق الأوسط حصرا ، او غرب اسيا ، مثلما كان يحبذ المرشد الايراني الأعلى الراحل اية الله السيد علي الخامنئي استخدامها للإفصاح عن الواقعية الجغرافية للمنطقة وفق الخصوصية الذاتية على معيار حركة الشعوب بين الطاعة والعبودية .
ما عاينته المنطقة هو ابعد من صراع عسكري بين القوى العظمى والإقليمية او إثبات حضور اوفرض سيطرة فحسب ،
هو تغيير نوعي بنيوي مستعاد يشبه في أبعاده الحروب الفارسية -الرومانية العتيدة ،التى امتدّت حوالي سبعمائة عام ، وما خبت جذوة النفوذ عليها بين الطرفين .
ما فعله الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الإعلان عن توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية ،(كما استقر في الختام على وصفها) ، يشبه ما اقدم عليه سلفه الإمبراطور الروماني فيليب بتوقيع معاهدة صلح مع الملك الساساني شابور الأول عام 244م لإنهاء الحرب بين الطرفين ، واضطر الامبرطور الروماني الذي كان يعرف ب “فيليب العربي” للاذعان لشروط قاسية ، وقبولها على مضض احتسابا لضمان عودته إلى حكم روما ، و الاقرار بالنفوذ الفارسي على المنطقة والتخلي عن سيطرة روما على ارمينيا .
التحالفات القديمة تكاد تسقط وإعادة رسم الخرائط تحكمها الممرات الحيوية.الصراع اكبر من البرنامج النووي الإيراني و اوسع مدى ، انه رسم الادوار ، وتحديد الأحجام ضمن الحلقات التاريخية لتكوين المسارات البشرية ، هو تجاذب عامودي وتدافع أفقي بين الحضارة الإيرانية الموغلة في التواصل التاريخي وأعماقه و المتحدرة من السلالة “الايلامية” التى نافست حضارات بلاد الرافدين قبل اكثر من ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد ، وتراكمت عليها طبقات حضارية مختلفة ، وبين المدنية الاميركية ذات الاثنيات والعرقيات المتعددة المكونة لبوتقة الانصهار Melting pot البشري الناجح ، والآتية من الهاربين والحالمين والمستعبدين من اصقاع قارات العالم كلها ، هو صراع النشوء والارتقاء ، او ازمة المرور على ابواب الزمن بين القيم والأخلاقيات ، او بين عقد التواصل والاحتكاك ، وكلها عوامل محكومة الآجال للمصالح والتحديات.
لاشك ان ايران ينطق لها الزمان
و تحمل ذاكرة الأمة
الأكثر ارتباطا بالماضي ،ولكنها نشطةٌ ازاء التفاعل مع التطورات التقنية ، وهي التى اعتبرت الجغرافيا العلم الأعلى وعندها “الرستاق ” ، من التقاسيم الجغرافية ،الذي تمدد عبر التاريخ و تقلص في بلاد فارس . اما “الأمة” الاميركية هي الأكثر ابتعادا عن سجلات الماضي و تدويناته ، والاكثر اتجاها إلى المستقبل وتقنياته، المتحررة من قيود الماضي وتبعاته ، هي أمة تحمل سطوة السلطان ورغبته المتعجرفة،
اما البعض ، حائر ، يعرف القطرة ويجهل المحيط ،كما كتب إسحاق نيوتون يوما ، ويحق فيه القول : “ليس عبدٌ اعظمَ من سيده ، ولا رسولٌ اعظمَ من مرسله” .
اسرائيل ستخضع لمصلحة اميركا
بالاتفاق او من دونه . ولكنه عجيب امر الأمريكيين ، فعندما التقط وزير خارجية امريكا ماركو روبيو صورة له و السيدة زوجه امام تاج محل في الهند ، علّق شاكرا انه زار اكثر مكان رومنسية في العالم ، وقد فات عن باله أن المصممين لهذا الصرح هم ايرانيون تخليدا لإمبراطورةٍ إيرانية .
هذه الحضارة هُدِدت بالمحو قبل ان يرتد طرف قائلها عن توقيع مذكرة التفاهم و يفتخر.
وزارة الإعلام اللبنانية