بل أصبح السؤال الأهم: كيف ننقلها بوعي؟
من هنا، يبرز الذكاء العاطفي كمهارة أساسية في العمل الإعلامي الحديث، لا باعتباره بديلًا عن المهنية والموضوعية، بل باعتباره عنصرًا يعزّز القدرة على ممارسة المهنة بمسؤولية وإنسانية.
فالصحفي، والمذيع، والمحرر، وصانع المحتوى، وجميع العاملين في المجال الإعلامي، يتعاملون يوميًا مع الإنسان؛ مع أفكاره ومخاوفه وقضاياه وأسئلته وانفعالاته.
ولهذا، فإن فهم الإنسان أصبح جزءًا من فهم الرسالة الإعلامية نفسها.
الإعلام لا يخاطب العقل وحده.
من منظور إدارة الموارد البشرية، لطالما كان الذكاء العاطفي عنصرًا أساسيًا في بناء العلاقات المهنية، وإدارة الاختلاف، والتواصل الفعّال، والقيادة.
لكن عندما ننتقل به إلى المجال الإعلامي، تتسع دائرة تأثيره.
فالإعلامي لا يتعامل فقط مع زملائه داخل المؤسسة، بل مع جمهور واسع ومتنوع، ومع شخصيات قد تكون تحت ضغط، أو في لحظات خوف، أو حزن، أو غضب، أو فقدان.
وهنا تظهر أهمية القدرة على الاستماع، وقراءة السياق، وضبط الانفعال، وفهم مشاعر الآخرين دون الوقوع في أسرها.
الإعلامي الذي يمتلك ذكاءً عاطفيًا لا يفقد موضوعيته عندما يتعاطف؛ بل يصبح أكثر وعيًا بحدود التعاطف، وأكثر قدرة على الفصل بين ما يشعر به وما يجب أن ينقله.
بين السؤال والكلمة… تظهر المهنية
أحيانًا لا يكون تأثير المقابلة في السؤال نفسه، بل في طريقة طرح السؤال.
وأحيانًا لا تكون المشكلة في المعلومة، بل في كلمة واحدة اختيرت بطريقة خاطئة.
قد يكون السؤال مشروعًا إعلاميًا، لكن توقيته غير مناسب.
وقد تكون الصورة حقيقية، لكن استخدامها قد يكون مؤذيًا.
وقد يكون الخبر صحيحًا، لكن تقديمه بطريقة مثيرة للهلع قد يترك أثرًا مختلفًا تمامًا عن تقديمه بمهنية واتزان.
وهنا يصبح الذكاء العاطفي أداة لاتخاذ القرار الإعلامي.
أن يتوقف الإعلامي للحظة ويسأل:
هل هذه المعلومة ضرورية؟
هل هذه الطريقة هي الأنسب لتقديمها؟
هل أحافظ على كرامة الشخص الذي أتحدث عنه؟
وما الأثر الذي يمكن أن تتركه كلماتي على الجمهور؟
هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن سؤال: هل الخبر صحيح؟
التأثير ليس تلاعبًا
وهنا أرى نقطة جوهرية في العلاقة بين الذكاء العاطفي والإعلام:
أن تكون مؤثرًا لا يعني أن تكون متلاعبًا.
الذكاء العاطفي يمنح الإنسان قدرة أكبر على فهم المشاعر، لكن القيمة الحقيقية لهذه القدرة تظهر في كيفية استخدامها.
في الإعلام، يمكن أن نستخدم فهمنا لمشاعر الجمهور من أجل تبسيط المعلومة، وتقريب الصورة، وبناء الثقة، وفتح مساحة للحوار.
لكن الخط الفاصل بين التأثير والتلاعب يبدأ عندما تتحول المشاعر إلى أداة لاستغلال الخوف أو الغضب أو الانقسام من أجل تحقيق الانتشار أو التفاعل.
الإعلام المسؤول لا يبحث فقط عن ما يجذب الانتباه، بل عن ما يستحق الانتباه.
وهنا تكمن قوة الإعلام الحقيقي.
من داخل المؤسسات تبدأ الحكاية
وبصفتي خبيرة في إدارة الموارد البشرية، أؤمن أن الذكاء العاطفي لا يجب أن يكون مهارة فردية فقط، بل ثقافة داخل المؤسسات وخاصة الإعلامية.
فبيئة العمل التي تشجع على الاستماع، واحترام الاختلاف، وإدارة الضغوط، والتواصل الصحي، والتغذية الراجعة، تساعد العاملين فيها على تقديم أداء أكثر توازنًا.
الإعلامي الذي يعمل في بيئة مهنية صحية يكون أكثر قدرة على التعامل مع ضغط المهنة، وأكثر استعدادًا للاستماع، وأقل عرضة لأن يتحول ضغطه الشخصي إلى جزء من رسالته الإعلامية.
لذلك، فإن الاستثمار في الذكاء العاطفي داخل المؤسسات الإعلامية ليس رفاهية تدريبية.
إنه استثمار في جودة الإنسان الذي يحمل الرسالة، وبالتالي في جودة الرسالة نفسها.
نحو إعلام أكثر إنسانية
ربما لا نستطيع أن نمنع كل كلمة من أن تُساء قراءتها، ولا نستطيع أن نتحكم بكل ردود فعل الجمهور.
لكننا نستطيع أن نتحكم في نيتنا، وفي مهنيتنا، وفي الطريقة التي نختار بها كلماتنا.
الإعلام الذي نحتاجه اليوم ليس إعلامًا أقل قوة، بل إعلامًا أكثر وعيًا بقوته.
إعلامًا يعرف أن وراء الشاشة إنسانًا.
وأن وراء الرقم قصة.
وأن وراء الصورة كرامة.
وأن وراء كل كلمة مسؤولية.
لذلك، فإن الذكاء العاطفي في الإعلام ليس مجرد قدرة على فهم المشاعر؛ إنه قدرة على تحويل هذا الفهم إلى سلوك مهني مسؤول.
وفي النهاية، قد تُنسى تفاصيل كثيرة مما نقوله…
لكن الناس غالبًا لا تنسى كيف جعلناها تشعر، وكيف جعلناها تفهم، وكيف استخدمنا ثقتها بنا.
فالإعلام لا يصنع الخبر فقط…
بل يشارك في صناعة الوعي.
وحين يجتمع العقل مع الوعي، والمهارة مع الإنسانية، والتأثير مع المسؤولية، تصبح الكلمة الإعلامية أكثر من رسالة…
تصبح أثرًا.
وزارة الإعلام اللبنانية