كتبت صحيفة “الأخبار”: في ثالث أيام ما يسمّى «عيد العرش» اليهودي، الذي صادف أمس، اقتحم 1271 مستوطناً، يتقدّمهم وزير «الأمن القومي» إيتمار بن غفير، ووزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس، المسجد الأقصى، وسط حماية أمنية مشدّدة وانتشار واسع لقوات الاحتلال في محيط المسجد والبلدة القديمة. وإذ يتزامن هذا التصعيد مع الذكرى السادسة والعشرين لاقتحام أريئيل شارون الحرم القدسي، والذي أعقبه اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، فهو يأتي بعدما تحوّل اقتحام «الأقصى» إلى ممارسة جماعية منتظمة تتّسع أعداد المشاركين فيها تدريجياً، توازياً مع تطوّر طبيعة الطقوس التي ترافقها.
وتمّت اقتحامات الأمس عبر باب المغاربة، وعلى دفعات متتالية، فيما أبعدت قوات الاحتلال الفلسطينيين عن مسارات المقتحمين، وفرضت قيوداً على حركة المقدسيين ودخول المصلّين إلى المسجد. كذلك، شهدت باحات «الأقصى» أداء طقوس وصلوات تلمودية بصورة علنية وجماعية، إلى جانب الغناء والرقص وإدخال ما يسمّى «الأنواع الأربعة» المرتبطة بـ«عيد العرش». ومن داخل الحرم القدسي الذي اقتحمه برفقة مستوطنين، قال بن غفير: «نحن أصحاب المكان»، واصفاً الأقصى بأنه «أهمّ مكان للشعب اليهودي»، مضيفاً أن «شعب إسرائيل في طريقه إلى النصر المطلق». ومن جهته، اقتحم كاتس ساحة البراق ومحيط «الأقصى» برفقة مستوطنين، وفق ما أفادت به محافظة القدس.
ويأتي هذا التصعيد غداة اقتحام نحو 1500 مستوطن، أول من أمس، المسجد الأقصى، وتأديتهم صلوات وطقوساً تلمودية قرب باب القطانين، وإدخالهم ما يسمّى «الأنواع الأربعة»، فضلاً عن ترديدهم الأناشيد وعقدهم حلقات رقص. وخلال الأيام السابقة، شهد «الأقصى» أيضاً اقتحامات واسعة بالتزامن مع الأعياد اليهودية، حيث سُجّل ارتفاع أعداد المشاركين واتّساع نطاق الطقوس التي تؤدّى داخل الباحات؛ ففي يومَي 20 و21 أيلول الجاري، اقتحم 1678 مستوطناً المسجد بالتزامن مع ما يسمى «عيد الغفران»، بواقع 992 في اليوم السابق للعيد و686 في يومه نفسه، وذلك وفق معطيات محافظة القدس، التي أشارت أيضاً إلى أن هذا العدد هو الأعلى المسجَّل خلال هذه المناسبة.
ومنذ بداية العام الجاري وحتى نهاية آب، اقتحم 40,661 مستوطناً المسجد الأقصى، فيما صدر نحو 800 قرار إبعاد بحقّ مقدسيين عن المسجد منذ مطلع السنة حتى أوائل أيلول، وذلك بحسب محافظة القدس. وتشير هذه الأرقام إلى تحوّل في طبيعة الاقتحامات خلال السنوات الأخيرة، من مجموعات محدودة تدخل باحات الحرم القدسي تحت حماية الشرطة، إلى موجات واسعة يشارك فيها مسؤولون سياسيون وحاخامات، وتترافق مع طقوس دينية علنية وجماعية، في وقت تفرض فيه سلطات الاحتلال قيوداً على الفلسطينيين في المسجد ومحيطه.
وتزامن اقتحام الأمس، الذي تصدّره مسؤولون في حكومة الاحتلال، مع ذكرى اقتحام شارون، في 28 أيلول 2000، باحات المسجد وسط حراسة أمنية مشدّدة. وقتذاك، وفي اليوم التالي لدخول شارون، اقتحمت قوات الاحتلال «الأقصى»، لتندلع إثر ذلك مواجهات دامية امتدّت إلى القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، قبل أن تتطوّر إلى «انتفاضة الأقصى». وجاء الاستفزاز الذي أقدم عليه شارون حينها في سياق سياسي وميداني متوتر، طغى عليه تعثّر مفاوضات التسوية وتوسّع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، ثمّ سرعان ما تحوّل إلى أحد أبرز الأحداث المرتبطة باندلاع الانتفاضة الثانية، التي استمّرت لسنوات، وغطّت مناطق واسعة من الأراضي المحتلة.
ورغم اختلاف الظروف السياسية والميدانية اليوم، فإن استحضار ما قام به شارون يكشف تحوّل اقتحام «الأقصى» من حدث استثنائي يثير صدمة واسعة، إلى ممارسة يجري تكريسها بصورة متدرّجة ومتكرّرة، خصوصاً خلال الأعياد والمناسبات الدينية اليهودية. وفي هذا السياق، اعتبرت محافظة القدس أن الانتقال من اقتحام المستوطنين للباحات إلى أداء طقوس دينية جماعية وعلنية داخلها، بما فيها أداء صلاة «الموساف» بصيغتها المرتبطة بما يسمى «جبل الهيكل»، وإدخال «الأنواع الأربعة» المتّصلة بطقوس «عيد العرش»، إلى جانب الغناء والرقص تحت حماية قوات الاحتلال، يمثّل «تطوراً خطيراً». وأضافت أن استحضار ذكرى اقتحام شارون لا يعني أن التاريخ يتكرّر بصورة آلية، لكنه يحمل تحذيراً من خطورة تحويل «الأقصى» إلى ساحة لفرض وقائع وطقوس جديدة، محذّرة من أن استمرار هذه الممارسات، بالتزامن مع التضييق على المقدسيين ومنع أعداد منهم من الوصول إلى المسجد، يمثّل سياسة متكاملة لتغيير الواقع القائم في القدس و«الأقصى»، وتعزيز مخاطر فرض تقسيم زماني ومكاني عليه.
وزارة الإعلام اللبنانية