كتبت صحيفة “الجمهورية”: في ظل انسداد أفق الحلول واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وإعلان وسائل إعلام إسرائيلية: «أنّ الجيش الإسرائيلي سينفّذ هجمات في لبنان خلال الساعات المقبلة»، تنتهي اليوم جلسة مجلس النواب لمناقشة عمل الحكومة ومساءلتها، وسط ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، وحديث عن محاولات لإسقاطها أو تعديلها، لا سيما في ملف حصرية السلاح بيد الدولة ومسار التفاوض مع إسرائيل. وبدا أنّ المناقشة تتخذ طابعاً سياسياً واصطفافياً، أكثر مما هي مساءلة فعلية قادرة على تغيير موازين القوى، إذ بدت أشبه بمبارزة سياسية مفتوحة، تترقّب نتائجها جلسة اليوم.
وقد تمحورت مداخلات اليوم الأول حول ملف التفاوض وحصرية السلاح، حيث ثبّت رئيس الحكومة نواف سلام موقف حكومته، بأنّ «الدولة وحدها تفاوض باسم لبنان»، وأنّ حصر السلاح بيدها ليس التزاماً جديداً بل أساس في «اتفاق الطائف»، وأنّ «التفاوض ليس تنازلاً عن الحقوق بل وسيلة ديبلوماسية لاستعادتها».
وإذ هاجم «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» مسار التفاوض و«صيغة الإطار»، أعلن سلام «أنّ كلفة الحربين اللتين جُرّ لبنان إليهما تجاوزت 20 مليار دولار، وقد تتخطّى 27 ملياراً عند اكتمال احتساب حرب 2026، من دون أن تشمل هذه الأرقام هجرة الكفاءات وخسائر الاستثمار والتعليم. وأشار إلى إنجازات تشريعية، كإقرار تعديل قانون إصلاح المصارف وقانون السرّية المصرفية، داعياً المجلس إلى بدء مناقشة مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع.
أما على مستوى الإصطفافات، فقد ركّزت القوى الداعمة للحكومة على تثبيت شروط استمرارها ودفعها في اتجاه بسط سلطة الدولة وحصرية السلاح، فيما سعت المعارضة، أي «حزب الله» و«التيار الوطني الحر»، إلى تسجيل موقف سياسي في ملفات التفاوض والسلاح والاقتصاد، مع التركيز على هزّ العصا أمام الحكومة من دون الذهاب إلى خيار إسقاطها. وبدا رئيس المجلس النيابي نبيه بري حريصاً على ضبط إيقاع الجلسة ومنع تحولها إلى حلبة سجالات، مذكّراً بأنّها جلسة مناقشة عامة وليست استجواباً أو مساءلة، مع الإشارة إلى أنّ مصادر حركة «أمل» تؤكّد أنّ بري لا يقبل بإسقاط الحكومة، ويدرك حساسية الظروف الحالية.
وفي ما خصّ الاحتمالات المرتقبة، رجحت مصادر سياسية عبر «الجمهورية»، استمرار الحكومة، لأنّ إسقاطها عبر حجب الثقة يظلّ احتمالاً ضعيفاً جداً في هذه المرحلة، بفعل مظلة دعم خارجية واضحة، خصوصاً من واشنطن وباريس والرياض، وغياب البديل العربي أو الدولي عن التشكيلة الحالية، إضافة إلى أنّ الحكومة سبق أن نالت ثقة المجلس في تموز 2025 بأكثرية 69 صوتاً مقابل 9. وقد تحصل الحكومة في نهاية الجلسات على ثقة ضعيفة إذا ما طُرحت الثقة بها، بما يعكس حجم الانتقادات والضغوط، من دون أن يؤدي ذلك إلى إسقاطها.
وفيما تدور تسريبات عن احتمال تعديل حكومي يطاول عدداً من الوزراء، قالت المصادر السياسية انّ هذه السيناريوهات لم تتمكن من تأمين الغطاء المطلوب، وتراجعت لمصلحة المعركة النيابية المفتوحة.
وقالت المصادر، إنّ نتيجة اليوم الأول من الجلسة، بأنّها لم تغيّر شيئاً جوهرياً في المعادلة السياسية القائمة. فالحكومة تصرّفت على أساس أنّها محصّنة ضدّ خطر الإسقاط، بفعل الدعم الخارجي وغياب البديل، لكنها في الوقت نفسه تتعرّض لضغوط وانتقادات قد تُترجم إلى ثقة ضعيفة أو تعديلات وزارية محدودة. ولكن تبقى العبرة في ما ستسفر عنه جلسة اليوم، وخصوصاً في حجم الأصوات التي ستحصل عليها الحكومة إذا ما طُرحت الثقة، وما إذا كانت هذه الجلسات ستتحول رافعة فعلية لتسريع تنفيذ القرارات، أم ستبقى مجرد مبارزة سياسية جديدة.
اجتماع واشنطن
وفي ظلّ التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل، سُجّلت خطوة لافتة في توقيتها ومضمونها، بزيارة السفير الأميركي ميشال عيسى زوطر الغربية. فهذه البلدة شهدت أول اختبار للمناطق التجريبية. وقد تمّت الزيارة غداة الإعلان الإسرائيلي عبر «القناة 14» فشل «المسار التجريبي» لنزع سلاح «حزب الله»، إذ وجّهت تل أبيب اتهامات صريحة إلى الجيش اللبناني بعدم الوفاء بالالتزامات والتنسيق المباشر مع «حزب الله»، وهو ما يُنذر برغبة إسرائيلية في فرض وقائع ميدانية جديدة وتوسيع نطاق العمليات الميدانية.
ولذلك، تقول مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، «جاءت الزيارة محاولة حثيثة لتنفيس الاحتقان، وسبقت الاجتماع الذي عُقد في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن مساء أمس بين سفيرة لبنان ندى معوض وسفير إسرائيل يحيئيل لايتر. وعلى رغم أنّ التوقعات الرسمية خفّضت من سقف النتائج، وأكّدت عدم إمكان تحقيق اختراق جدّي في أي مفاوضات لبنانية ـ إسرائيلية قبل الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة، فإنّ الحراك الأميركي يحمل دلالتين أساسيتين، هما الإصرار على الحفاظ على خطوط التواصل مفتوحة، وعدم الإعلان الرسمي عن فشل المفاوضات. والتمهيد للاتفاق على جدول أعمال الجولة الثامنة من المفاوضات الموسعة المقرّرة في تشرين الأول المقبل، وسط تعقيدات مستمرة جراء رفض تل أبيب تقديم التزامات واضحة بالانسحاب من الأراضي اللبنانية.
وكان اللقاء بين معوض وليتر عُقد في وزارة الخارجية الأميركية، حيث طرح الجانب اللبناني وقف الاعتداءات الإسرائيلية والانسحاب، مع ربط أي تقدّم في تنفيذ الاتفاق بخطوات إسرائيلية ملموسة على الأرض. وأشارت المعلومات، إلى أنّ الهدف الأساس من هذا الاجتماع اللبناني ـ الإسرائيلي كان التحقق من مدى إمكان توسيع المناطق التجريبية.
ولفت موقف لمستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، شدّد فيه على أنّه «يجب دعم الجيش اللبناني، وعلى الدولة اللبنانية أن تقوم بواجباتها»، معرباً عن ثقته برئيس الجمهورية جوزاف عون وبرئيس الحكومة نواف سلام.
عون والجيش
في غضون ذلك، عرض الرئيس عون مع وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسّى، الأوضاع الأمنية في البلاد عموماً، وفي الجنوب خصوصاً، والمهمّات التي يقوم بها الجيش في المناطق الجنوبية. وتطرّق البحث إلى حاجات الجيش التي ستُعرض في الاجتماع التحضيري الذي سيُعقد غداً في باريس للمؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي.
وقالت مصادر في قصر الإليزيه، إنّ هذا الاجتماع التحضيري سيبحث في خيارات عملية وقابلة للتنفيذ لدعم الجيش اللبناني، على أن تشمل وجوه الدعم التمويل والتجهيزات والمعلومات الاستخبارية، إضافة إلى المواكبة الميدانية عند الحاجة.
وأشارت المصادر، إلى أنّ فرنسا تجري مشاورات مع إيطاليا في شأن إمكان إعادة صياغة مهمّة أمنية دولية جديدة، بما يحول دون حصول فراغ أمني في الجنوب.
وكشفت، أنّ لبنان لم يتقدّم حتى الآن بطلب يتطابق مع المطالب الأميركية المطروحة في مجلس الأمن، في ما يتعلق بصيغة المهمّة الأمنية الدولية المقبلة.
والى ذلك، اغتنم الرئيس عون استقباله لوزير الدفاع الفنلندي آنتي هاكانن في حضور منسى، ليشكر لفنلندا مساهمتها في قوات «اليونيفيل» منذ العام 1982، ويردّ على الاتهامات الإسرائيلية للبنان بعدم القيام بالتزاماته في صيغة الإطار، فأكّد «أنّ الجيش الذي عزز انتشاره في القرى غير المحتلة خصوصاً، وفي المناطق الجنوبية الأخرى، يقوم بواجباته كاملة في حفظ الأمن ومنع المظاهر المسلحة ومساعدة الأهالي للعودة إلى قراهم، ولا صحة إطلاقاً للإدعاءات الإسرائيلية بأنّ الجيش مقصّر في أداء مهماته»، لافتاً إلى أنّ العسكريين يقومون بمهماتهم في كل لبنان، مثل ضبط الحدود الشرقية والشمالية ومكافحة الإرهاب والحفاظ على السلم الأهلي، على رغم الإمكانات المحدودة التي في حوزتهم، الأمر الذي جعل لبنان يطالب الدول الشقيقة والصديقة، ولا سيما الدول الأوروبية، بدعم المؤسسة العسكرية عدة وعتاداً، لتتمكن من القيام بالمهام المطلوبة منها. وهذا الامر سيكون موضع بحث في الاجتماع الذي سيُعقد يوم الخميس المقبل (غداً) في باريس، تحضيراً للمؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي.
وعرض عون للوزير الفنلندي «الأسباب التي دفعته إلى اعتماد خيار المفاوضات المباشرة لوقف الأعمال الإسرائيلية العدائية ضدّ لبنان، وإعادة الأمن والاستقرار إلى البلاد»، مشيراً إلى «أنّ إسرائيل لم تلتزم بمندرجات صيغة الإطار التي تمّ الاتفاق عليها في مفاوضات واشنطن»، مؤكّداً «أنّ أهداف المفاوضات تندرج ضمنها انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة ونشر الجيش وعودة الأسرى والبدء بالإعمار، وصولاً إلى إنهاء حالة العداء مع إسرائيل».
وأكّد الرئيس عون «ترحيب لبنان بأي دولة ترغب في إبقاء قواتها في الجنوب بعد انتهاء مهلة «اليونيفيل»، مرحّباً بالمبادرة الفرنسية ـ الإيطالية لتشكيل قوة أوروبية تساعد الجيش اللبناني بعد انتشاره حتى الحدود الدولية، على أن يُصار إلى إيجاد الصيغة القانونية الملائمة لهذه المشاركة.
عيسى في الجنوب
في غضون ذلك، وعلى وقع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، زار السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى أمس بلدة زوطر الغربية يرافقه وفد من مجلس الإنماء والإعمار، وكانت محطته الأولى في كنيسة البشارة، فيما سُجّل تحرك للآليات العسكرية الإسرائيلية داخل زوطر الشرقية، بالتزامن مع تحليق مسيّرة إسرائيلية في محيط الكنيسة. وعاين عيسى مع موظفين من شركة «تاتش» المحطة التي وضعتها الشركة قرب الكنيسة في زوطر الغربية. ثم انتقل إلى قعقعية الجسر.
ولاحقاً وزّعت السفارة الأميركية بياناً فيه: «زار السفير الأميركي ميشال عيسى جنوب لبنان اليوم (أمس)، لتقييم الأوضاع على الأرض، والاطلاع مباشرةً على التقدّم المحرز والتحدّيات القائمة في المناطق التجريبية. إنّ الولايات المتحدة ملتزمة بدعم الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني في تعزيز سلطة الدولة، وحماية المدنيين، وتوفير الخدمات، وتهيئة الظروف التي تسهم في تحقيق سلام واستقرار دائمين. وسنواصل العمل مع جميع الأطراف المعنية لدعم مزيد من الأمن والاستقرار في جنوب لبنان».
وقال السفير: «أتاحت لي زيارتي إلى جنوب لبنان الإطلاع مباشرةً على التحدّيات التي تواجه المجتمعات المحلية هناك. أتعاطف بشّدة مع السكان الذين عانوا من النزوح وحالة عدم اليقين، وأتفهم رغبتهم الملحّة في العودة إلى ديارهم وإعادة بناء حياتهم بأمان وكرامة».
بري وعراقجي
من جهة ثانية، اتصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، مساء أمس، بالرئيس بري، بحثا خلاله التطورات الإقليمية والأوضاع في جنوب لبنان. وبحسب بيان للخارجية الإيرانية، ناقش الجانبان ضرورة تعزيز التنسيق بين دول المنطقة لمواجهة ما وصفاه بـ«سياسات الهيمنة وإشعال الحروب الإسرائيلية» ضدّ لبنان وسائر دول المنطقة. وأكّد عراقجي اهتمام بلاده بالحفاظ على سيادة لبنان ووحدة أراضيه في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، مجدداً دعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية لـ«المقاومة اللبنانية» في مواجهة الهجمات الإسرائيلية. من جهته، أعرب بري عن تقديره لإيران على دعمها لبنان، وقدّم عرضاً للتطورات الراهنة في الجنوب، وفق البيان. كما أشار إلى «المسؤولية القانونية والأخلاقية للمجتمع الدولي والدول الإسلامية، عن وقف الانتهاكات الإسرائيلية ومحاسبة المسؤولين عنها».
وزارة الإعلام اللبنانية