الرئيسية / صحف ومقالات / البناء: ترامب عن اجتماع عراقجي ويتكوف: مثمر للغاية… وطهران: أبلغنا شروطنا.. واشنطن بوست: البيت الأبيض لإنهاء الحرب… ونيويورك تايمز: جهود الوسطاء.. البيان الرباعي لمذكرة التفاهم… وأزمة المحروقات حاضرة… ولا جدوى الحرب
البناء

البناء: ترامب عن اجتماع عراقجي ويتكوف: مثمر للغاية… وطهران: أبلغنا شروطنا.. واشنطن بوست: البيت الأبيض لإنهاء الحرب… ونيويورك تايمز: جهود الوسطاء.. البيان الرباعي لمذكرة التفاهم… وأزمة المحروقات حاضرة… ولا جدوى الحرب

كتبت صحيفة “البناء”: انتهى يوم التهديدات الأميركية لإيران من على منبر الأمم المتحدة بلقاء مباشر بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. استمر الاجتماع ثلاث ساعات، ووصفه الرئيس دونالد ترامب بأنه «مثمر للغاية»، معلناً أن اجتماعاً آخر سيعقد قريباً. وفي طهران، لم يُقدَّم اللقاء باعتباره تنازلاً عن الشروط الإيرانية، بل مناسبة لإبلاغها إلى الأميركيين مباشرة. هكذا انتقلت المواجهة، في يوم واحد، من سؤال ما إذا كان الطرفان سيلتقيان إلى سؤال ما إذا كانت واشنطن مستعدة للتفاوض على شروط إنهاء الحرب.

أكد ترامب انعقاد اللقاء بعد ساعات من خطابه أمام الجمعية العامة، حيث وضع إيران أمام خيار الاتفاق أو مواجهة تصعيد عسكري مدمّر. وقال، رداً على أسئلة الصحافيين، إن الاجتماع كان جيداً ومثمراً وإن لقاء آخر مقرراً في وقت قريب. أما «إسرائيل هيوم» فنقلت عن مصادر أميركية أن اللقاء لم يكن وليد مصادفة على هامش الاجتماعات الأممية، بل رُتّب مسبقاً، وشارك فيه رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري خلال القسم الأكبر منه. وأضافت أن شروط استئناف المفاوضات وفتح مضيق هرمز تصدرت البحث، من دون التوصل إلى اتفاق على معظم القضايا العالقة.

وقدمت «نيويورك تايمز» جانباً آخر من قصة الوصول إلى الاجتماع؛ فنقلت عن مسؤولين إيرانيين أن باكستان وقطر بذلتا جهوداً حثيثة لإعادة واشنطن وطهران إلى الدبلوماسية وخفض التصعيد، وأن المحادثات بين عراقجي وويتكوف وكوشنر تركزت على مسار يمكن أن يؤدي إلى اتفاق. وبذلك لم يقتصر دور الوسيطين على نقل الرسائل بعد اللقاء، بل شمل العمل على انعقاده وتحديد غايته. ولا تعني الإشارة إلى «مسار نحو اتفاق» أن الاتفاق أصبح جاهزاً؛ لكنها تعني أن الأطراف ناقشت الطريق إليه، بعد فترة كانت فيها شروط العودة إلى التفاوض نفسها موضع خلاف.

وفي المقابل، شرح التلفزيون الإيراني ما أرادت طهران وضعه على طاولة اللقاء؛ فقد نقل أن عراقجي أبلغ الجانب الأميركي شروط فتح هرمز: الرفع الفوري للحصار البحري الأميركي عن إيران، والإفراج الفوري عن الأموال الإيرانية المجمّدة، وإنهاء الحرب على جبهات المقاومة كافة. وهذه ليست مطالب ملاحية محصورة بتنظيم عبور السفن، بل شروط سياسية وعسكرية لإنهاء المواجهة التي جعلت المضيق ساحة من ساحاتها. وكانت طهران قد أعلنت هذه الشروط عبر الوسطاء؛ والجديد أنها عرضتها الآن في الاجتماع المباشر.

وشدّد مستشار عسكريّ للمرشد الإيراني، وفق التلفزيون الإيراني، على أن فتح مضيق هرمز مرهون بقبول تلك الشروط. واتهم واشنطن بعرقلة التوصل إلى اتفاق مع سلطنة عُمان بشأن الملاحة، قائلاً إن هرمز لن يعود إلى ما كان عليه سابقاً، وكذلك باب المندب. وتضيف هذه الإشارة إلى باب المندب بُعداً إقليمياً إلى التفاوض: فالبحث في أمن طريق واحد للطاقة لا ينفصل، في الموقف الإيراني المعلن، عن اتساع المواجهة إلى طريق بحري ثانٍ. وفي الوقت نفسه، ردت هيئة الأركان العامة الإيرانية ومقر خاتم الأنبياء العسكري على خطاب ترامب بوصف تهديداته المتكررة بأنها أداة للدعاية الداخلية الأميركية. لذلك حافظت طهران على خطابها المتشدد بعد الاجتماع، رغم قبولها اللقاء المباشر.

وفي واشنطن، كشفت «واشنطن بوست» عن الوجه الآخر للموقف الأميركي؛ فقد نقلت عن مسؤولين أميركيين تحدثوا إليها بصورة غير علنية أن إنهاء الحرب مع إيران يمثل «أولوية قصوى للبيت الأبيض». وردت هذه العبارة في تقرير الصحيفة عن خطاب ترامب ويوم لقاءاته في نيويورك، لا في إعلان رسمي عن نتائج التفاوض. لكنها تكتسب وزنها من توقيتها؛ فبينما كان الرئيس يلوّح علناً بإمكان تدمير إيران، كان مبعوثاه يجلسان مع وزير خارجيتها، وكان مسؤولون في إدارته يقولون إن إنهاء الحرب يتصدّر الأولويات.

ووضعت الصحيفة تلك الأولوية في سياق الضغط الذي خلفته الحرب على الولايات المتحدة: اضطراب أسعار الطاقة، وتراجع شعبية ترامب، واتساع الاعتراض داخل صفوف الجمهوريين على إطالة المواجهة. وهذا لا يلغي الخلاف الأميركي الإيراني على الشروط، لكنه يوضح سبب تحرك الوساطة وسبب انتقال الاتصالات إلى لقاء مباشر. فالحرب التي قيل إنها ستُحسم سريعاً طالت، بينما لم يُحسم ملف هرمز بالقوة ولم تتوقف آثارها الاقتصادية عند حدود المنطقة.

وفي نيويورك أيضاً، جاء بيان وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وتركيا ليعيد مذكرة تفاهم إسلام آباد إلى واجهة البحث؛ فقد شدد الوزراء على الالتزام بها سعياً إلى سلام واستقرار دائمين، إلى جانب دعوتهم إلى الحوار وحماية الملاحة، وتأكيدهم حق السعودية في الدفاع عن نفسها. وأهمية ورود المذكرة في بيان تشارك فيه السعودية وباكستان تتعدى التذكير باتفاق سابق؛ فباكستان من الدول التي عملت على عقد اللقاء الأميركي الإيراني، والسعودية من أكثر الدول تعرضاً لتداعيات اتساع الحرب. وبين الدعوة إلى حماية الملاحة والدعوة إلى الالتزام بالمذكرة، تظهر الحاجة إلى معالجة أسباب الأزمة، لا الاكتفاء بطلب فتح الممرات البحرية مع بقاء الحرب والحصار.

هنا تبرز أزمة المحروقات العالمية بوصفها امتحاناً عملياً لنتائج الحرب؛ فسعر البرميل، مهما تراجع في يوم تشهد فيه الأسواق خبراً عن لقاء مثمر، لا يروي القصة كاملة. تهديد هرمز يضغط على إمدادات النفط والغاز، والخطر على باب المندب يطاول طريقاً آخر للتجارة والطاقة، فيما تظهر الأزمة في أسعار الديزل والنقل والشحن وكلفة الإنتاج والمعيشة. ولا يكفي الإعلان عن طرق بديلة أو إجراءات لحماية السفن لإنهاء اضطراب نشأ من حرب مفتوحة وتوتر ممتد بين مضيقين.

لذلك يعود سؤال الجدوى بقوة إلى قلب المشهد: ماذا أنجزت أشهر الحرب والحصار والتهديد كي يصبح استمرارها طريقاً إلى حل؟ لم تُفتح طرق الطاقة بإعلان الانتصار، ولم تتخلَّ إيران عن شروطها تحت الضربات؛ بل حملتها إلى أول لقاء مباشر معلن بهذا المستوى منذ أشهر. ولم تمنع الحرب دخول باب المندب في الحسابات، فيما انتقلت كلفتها إلى أسواق الوقود خارج المنطقة. وإذا كان البيت الأبيض نفسه يجعل إنهاءها أولوية، كما نقلت «واشنطن بوست»، فإن من يراهن على جولة أخرى مطالب بتفسير ما يمكن أن تحققه ولم تحققه الجولات السابقة.

وفي هذه الأثناء، يستعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لزيارة خاطفة إلى نيويورك لإلقاء كلمته أمام الأمم المتحدة، من دون لقاء مقرر مع ترامب وفق ما أوردته «جيروزاليم بوست»، التي أشارت إلى عدم تداخل موعد وجودهما في المدينة. لا تثبت هذه الواقعة وحدها وجود خلاف بين الرجلين، لكنها تضع نتنياهو خارج لقاء اليوم الذي رسم عنوانه عراقجي وويتكوف وكوشنر، وخارج الاتصالات التي أعادت الوسطاء ومذكرة التفاهم إلى المقدمة. وتبقى الجولة المقبلة هي الاختبار: هل تتحول أولوية إنهاء الحرب إلى تفاوض جدي على شروطها، أم تبقى الحرب مستمرة فيما تتزايد كلفتها وتتراجع جدوى الرهان عليها؟

دخل ملف لبنان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مرحلة جديدة من النقاش الدولي، بعدما بات الجنوب في قلب مجموعة من الاستحقاقات المتشابكة، تبدأ بمصير الاحتلال الإسرائيلي وتنتهي بمستقبل الحضور الدولي ودور الجيش في تثبيت سلطة الدولة.

وفي هذا السياق، جاء موقف أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني واضحاً في اتهام «إسرائيل» بعدم الالتزام بالاتفاق في لبنان، وبالتعامل معه بمنطق «الوصاية»، مؤكداً دعم بلاده لمؤسسات الدولة اللبنانية وسيادتها على كامل أراضيها. ويكتسب هذا الموقف أهمية في ظل محاولة تثبيت قاعدة سياسية مفادها أن مستقبل لبنان يجب أن يُبحث من زاوية سيادته ومؤسساته، لا من خلال وقائع تفرضها القوة على الأرض.

وفي الاتجاه نفسه، شدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على ضرورة احترام سيادة لبنان وحقوق شعبه، مؤكداً أن الدولة اللبنانية هي الجهة القادرة، بعد استعادة سيادتها الكاملة، على معالجة مسألة سلاح «حزب الله» وضمان الأمن لجميع اللبنانيين. وربط ماكرون بين تعزيز مؤسسات الدولة والجيش وبين تكريس حصريّة السلاح، في رسالة تحمل دعماً واضحاً لدور المؤسسات الرسمية في المرحلة المقبلة.

ولم يقتصر الطرح الفرنسي على الداخل اللبناني، بل امتد إلى مستقبل الجنوب بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل». فقد أعلن ماكرون التزام فرنسا العمل مع إيطاليا والدول الصديقة للبنان للوصول إلى صيغة فعّالة تحل محل القوة الدولية، فيما أعلنت الخارجية الفرنسية استعداد باريس لاستضافة مؤتمر دولي قريب لدعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته.

هذه المسألة تحديداً باتت تشكل أحد أكثر الملفات حساسية؛ فلبنان لا يريد أن ينتقل الجنوب من مظلة دولية إلى فراغ أمني، ولذلك أكد رئيس الحكومة نواف سلام، خلال لقائه نظيره الإسباني بيدرو سانشيز في نيويورك، ضرورة إيجاد صيغة تضمن استمرار الوجود الدولي في مهام المراقبة والتواصل ودعم الجيش اللبناني في بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. وثمّن سلام مساهمة إسبانيا في «اليونيفيل» ودعمها للمؤسسة العسكرية، فيما جدّد سانشيز التزام بلاده دعم لبنان واستقراره، مشيداً بالإصلاحات التي قامت بها الحكومة اللبنانية.

وتقول مصادر سياسية إن الحراك اللبناني في نيويورك يكتسب أهمية إضافية مع محاولة رئيس الحكومة وضع الملف اللبناني على طاولة الإدارة الأميركية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى واشنطن باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على التأثير في المسار اللبناني ـ الإسرائيلي. وتحمل اتصالات سلام رسالة واضحة تتمثل في ضرورة وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتثبيت الانسحاب، ودعم الجيش، ومنع نشوء فراغ أمني في الجنوب بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل». ويأتي ذلك في مرحلة تسعى فيها بيروت إلى تحويل الدعم الدولي لسيادتها إلى خطوات عملية، ولا سيما عبر الضغط على «إسرائيل» للالتزام بالانسحاب، وتوفير مظلة دوليّة تساعد الجيش على بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.

وبينما تتكثف الاتصالات الدبلوماسية، يجري البحث، وفق مصادر دبلوماسية، في حل وسط يقوم على تمديد مهمة «اليونيفيل» ستة أشهر، بما يمنع حصول فراغ أمني ويمنح الأطراف وقتاً إضافياً للتوافق على الصيغة التي ستلي انتهاء المهمة الدولية، غير أن أية ترتيبات جديدة ستبقى مرتبطة مباشرة بالواقع الميداني، الذي لا يبدو متجهاً نحو التهدئة الكاملة.

ووفق معطيات اليونيفيل تنتشر قوات الاحتلال الإسرائيلية حالياً في نحو ثلاثين موقعاً عسكرياً في مناطق مختلفة من جنوب لبنان، بينها ثماني قواعد محصنة. وقالت المتحدثة باسم القوة، كانديس أرديل: إن الجيش الإسرائيلي كان قبل التصعيد موجوداً في خمسة مواقع محصنة قرب الخط الأزرق وشماله، قبل أن ترصد «اليونيفيل» خلال العام الحالي إنشاء ثلاثة مواقع محصنة جديدة شمال الخط الأزرق.

ولا تتوقف الصورة عند هذه المواقع، إذ تحدّثت «اليونيفيل» عن نحو عشرين موقعاً عسكرياً إسرائيلياً إضافياً أُنشئت بصورة مؤقتة داخل ما يُعرف بالمنطقة العازلة الأمنية، التي تمتد وفق المعطيات المتداولة إلى مسافة تصل إلى عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية؛ وهو تطوّر يضيف تعقيداً جديداً إلى أي نقاش حول الانسحاب وترتيبات الحدود.

وفي المقابل، جاء موقف وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس ليغلق الباب أمام توقعات الانسحاب القريب، إذ أعلن عدم الانسحاب من «الخط الأصفر»، مؤكداً استمرار تمركز القوات الإسرائيلية في المناطق الأمنية في غزة ولبنان وسوريا. وبذلك لا تبدو المسألة مجرد ترتيبات تقنية مرتبطة بمستقبل «اليونيفيل»، بل تتصل مباشرة بواقع عسكري إسرائيلي يحاول تثبيت وجوده في الجنوب وتحويله إلى عنصر دائم في أي معادلة مقبلة.

أمام هذه الصورة، يكتسب الكلام الداخلي أهمية موازية. فرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون شدد على ضرورة تحصين الوحدة الوطنية في مواجهة التحديات، مؤكداً أن التسويات لا يجوز أن تأتي على حساب لبنان ومصالحه الوطنية. ودعا إلى وقف الاستقواء بالخارج في مواجهة الداخل، والتعويل بدلاً من ذلك على التماسك الداخلي في مواجهة الضغوط الخارجية.

وأكد عون أن بناء لبنان لا يمكن أن يتم من خلال فئة أو طائفة أو حزب واحد، داعياً إلى تجاوز الانقسامات وتعزيز الحوار والتواصل باعتبارهما مدخلاً لاستعادة الثقة وتثبيت الاستقرار.

لكن المشهد لا يكتمل من دون قراءة الموقف الإيراني؛ فقد جدّد مجلس خبراء القيادة في إيران التأكيد أن دعم «المقاومة» و«حزب الله» في لبنان و«أنصار الله» في اليمن يمثل سياسة استراتيجية لطهران.

وتقول أوساط سياسية إن المشكلة لم تعد في تحديد الموقف من مبدأ سيادة لبنان، فهذا المبدأ يحظى بتأكيد دولي وعربي واضح، وإنما في كيفية تحويل هذا التأييد السياسي إلى وقائع على الأرض؛ فاستمرار الاحتلال، وغياب صيغة واضحة للمرحلة التي ستلي «اليونيفيل»، وتعدد الرؤى حول دور الجيش وآليات المراقبة، كلها ملفات تحتاج إلى معالجة متزامنة لا إلى تسويات مجتزأة.

وتشير إلى أن الأشهر المقبلة تبدو حاسمة في تحديد شكل الجنوب، فإما أن تتحول المواقف الدولية الداعمة للبنان إلى ترتيبات عملية تعزز سلطة الدولة وتمنع الفراغ، وإما أن تستمر الوقائع العسكرية في فرض نفسها وتتحول تدريجياً إلى أمر واقع يصعب تغييره.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *