كتبت صحيفة “الجمهورية”: كل الأنظار مشدودة إلى نيويورك، حيث افتُتحت أمس اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ويشارك فيها لبنان بوفد برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، الذي كانت له أمس مروحة لقاءات مع رؤساء عرب وأجانب ومسؤولين دوليين، تركّز البحث فيها على الوضع في جنوب لبنان في ضوء “صيغة الإطار” الموقّعة بين لبنان وإسرائيل التي تواجه تعقيدات إسرائيلية، وتلافي الفراغ بقوة دولية بديلة تحلّ مكان قوات “اليونيفيل” التي تنتهي مهماتها في نهاية السنة الجارية. فضلاً عن البحث في دعم لبنان في مختلف المجالات، ولا سيما منها ملفات الانسحاب الإسرائيلي وعودة النازحين وإعادة الإعمار، فضلاً عن الملفات الاقتصادية والاستثمارية والمالية. وهي كلها ملفات تناولها “الإطار” الذي ترعاه الولايات المتحدة الأميركية.
تتقاطع التحركات الديبلوماسية المكثفة التي يقودها رئيس الحكومة نواف سلام في أروقة الأمم المتحدة، مع واقع ميداني يتسارع بضراوة على الأرض، حيث تواصل إسرائيل فرض استراتيجية التمدّد بالنار لتكريس “الخط الأصفر” كأمر واقع، مستبقة أي صيغ دولية مرتقبة لإدارة المرحلة الأمنية المقبلة، فيما تردّد من مصادر ديبلوماسية، أنّ العمل جارٍ على حل وسط، يقضي بالتمديد لقوات “اليونيفيل” 6 أشهر تفادياً للفراغ الأمني، وإفساحاً في المجال للاتفاق على بديل.
ويركّز سلام في اجتماعاته على ضرورة الحفاظ على مظلة دولية في الجنوب، تجنّباً لخطورة الفراغ الأمني مع قرب انتهاء مهمّات “اليونيفيل” في نهاية السنة الجارية، وسط نقاشات معقّدة حول تشكيل قوة أوروبية أو آلية دولية بديلة. ويحاول سلام تعزيز موقف لبنان التفاوضي، بتكرار التزامات حكومته أمام المجتمع الدولي ببسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. وإذ تحاول الحكومة عبر منبر نيويورك صوغ خروج ديبلوماسي آمن يضمن استمرار الحماية الدولية ومنع القفز فوق القرار 1701، تُعجّل الآلة العسكرية الإسرائيلية حسم الأمور على الأرض وتثبيت “الخط الأصفر”. وإذا لم تفلح الاتصالات الدولية المكثفة في فرملة التمدّد الميداني الإسرائيلي، فإنّ أي صيغة مقبلة للترتيبات الأمنية في الجنوب ستكون محكومة بسقف الشروط التي تفرضها إسرائيل بالصواريخ والدبابات.
تجديد أو تمديد موقف
في هذه الأثناء، قالت مصادر رسمية لـ”الجمهورية”، إنّ الجولة الثامنة من المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة التي ترعاها واشنطن مقرّرة الشهر المقبل، ولكن لبنان لم يتبلّغ موعدها بالتحديد ولا دعوة من الراعي الأميركي اليها بعد.
اما بالنسبة إلى موضوع قوات “اليونيفيل”، فقالت المصادر نفسها، إنّ لبنان طرح تجديد انتدابها، وإذا تعذّر ذلك أن يتمّ تمديد مهمتها لـ6 اشهر إضافية، يُصار بعدها البتّ بمصيرها استمراراً او تبديلا بقوة دولية جديدة، وذلك بعد أن تكون الولايات المتحدة وإسرائيل قد فرغتا من انتخاباتهما، وكذلك بعد أن يكون قد انقشع مصير المنطقة ومستقبل النزاع الدائر بين الولايات المتحدة الأميركة وإيران.
ولاحظت المصادر، بروز بعض الإشارات الإيجابية عن واشنطن وطهران، على هامش اجتماعات المنظمة الدولية في نيويورك، تبعث على التفاؤل باحتمال عودة الجانبين إلى المفاوضات لإنهاء الحرب بينهما. مشيرة إلى ترحيب أكثر من جهة إيرانية مسؤولة بالعودة إلى المفاوضات. فيما قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، إنّ “الولايات المتحدة منفتحة على عقد لقاء مع مسؤولين إيرانيين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة”، مشيراً إلى أنّه “لم يُحدَّد حتى الآن موعد لهذا اللقاء”.
أمير قطر
ولفت في هذا المجال، ما قاله أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في كلمته أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة أمس، من أنّ “إسرائيل تعلن على الملأ عدم الالتزام بالاتفاق مع لبنان، وتصرّ على التعامل معه بمنطق الوصاية. ونحن ندعم مؤسسات الدولة وسيادتها على كامل الأراضي اللبنانية”. وحذّر من انّ “منطقتنا تمرّ في إحدى أخطر مراحلها”، معتبراً “أنّ الأزمة نتاج لسنوات من التأجيل والحلول غير الواقعية، أما السبيل إلى حل الخلافات فهو الحوار والتفاوض”.
لقاءات ومواقف
وكان سلام التقى أمس في نيويورك، على التوالي، كلاً من الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو غوتيريش، والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ورئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، ووزير الخارجية البحريني الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني، والسيناتور الأميركية جين شاهين، ونائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي في الجمهورية اليمنية عبدالله العليمي.
وقال سلام عبر منصة “إكس”: “حملت في هذه اللقاءات أولويات لبنان: ضرورة التزام إسرائيل الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها، وتعزيز قدرات الجيش، والعمل على استمرار وجود دولي في الجنوب بعد انتهاء مهمّة “اليونيفيل”، والمضي في بسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيدها. كما بحثت في حشد الدعم لمسار العودة والتعافي وإعادة الإعمار، ومواصلة الإصلاحات التي بدأتها الحكومة، وتوسيع فرص الاستثمار والتعاون، ولا سيما في مجالات الطاقة والنقل ومشاريع الربط الإقليمي. لبنان ماضٍ في القيام بمسؤولياته، وفي بناء دولة قادرة تستعيد سيادتها، وتعيد أهلها إلى أرضهم، وتفتح أمامهم فرص التعافي والنهوض”.
وخلال لقائه مع الجالية اللبنانية في القنصلية العامة في نيويورك، أعلن سلام انّ “في موضوع السلاح، اتخذنا قرارات مهمّة ومصيرية، ونحن ماضون في تنفيذها مهما كانت الصعوبات. هدفنا واضح: أن تكون الدولة وحدها صاحبة السلطة على كامل أراضيها، وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة وحدها، وأن يكون الجيش والقوى الشرعية وحدهما مسؤولين عن أمن اللبنانيين. فلا دولة بجيشين، ولا دولة بقرارين. وهذا ليس شعاراً. إنّه شرط أساسي لقيام الدولة ولاستعادة الثقة بها؛ ثقة اللبنانيين في الداخل والخارج، أي ثقتكم أنتم أيضاً. ونعمل، بالتوازي، على تحقيق الانسحاب الإسرائيلي، وتثبيت عودة أهلنا إلى الجنوب، وإطلاق مسار التعافي وإعادة الإعمار. لأنّه لا اقتصاد من دون استقرار، ولا استثمار من دون دولة. وفي الإصلاح أيضاً، لم نكتفِ بإعلان رؤيتنا”.
وتوجّه سلام إلى الحاضرين قائلاً: “نحن نريد أن نقلب هذه المعادلة: أنتم تستثمرون في لبنان، وواجبنا نحن أن نبني الدولة التي تحمي استثماراتكم. لن أقول لكم إنّ الطريق قصير، وإنّ كل المشكلات قد حُلّت. لكن يمكنني أن أقول لكم إننا لم نيأس، ولم نتراجع، ونحن مستمرون في بناء دولة أقوى، وفي بسط سلطتها على كل أراضيها، وفي الإصلاح واستعادة الثقة، وفي إعادة لبنان إلى محيطه العربي وإلى العالم. وأنتم لستم خارج هذا المشروع، أنتم جزء أساسي منه”.
المر لمساندة عون
وفي غضون ذلك، استقبل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمس، النائب ميشال المر، وعرض معه التطورات. وبعد اللقاء أدلى المر بالتصريح الآتي:
“تشرّفت بلقاء فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، واطّلعت منه على آخر المستجدات، وبحثت معه الأوضاع الوطنية والمعيشية، وملفات منطقة المتن.
إنّ خطورة المرحلة التي يمرّ فيها لبنان والمنطقة تستدعي أوسع تضامن داخلي، ومساندة جهود الرئيس لوقف حرب الاستنزاف المدمّرة، وحماية الجنوب وأهله، واستعادة سيادة الدولة على كامل أراضيها. كما تستوجب دعم الجيش، وإبعاده عن التجاذبات السياسية، وتوفير الإمكانات اللازمة لقيامه بمهماته.
وبحثت مع فخامته، الذي لا يألو جهداً لمعالجة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تثقل كاهل اللبنانيين، ضرورة أن تبادر الحكومة إلى إجراءات طارئة، تحمي الأسر الأكثر تضرّراً، وتؤمّن استمرار الخدمات الأساسية، وتساند المؤسسات في الحفاظ على فرص العمل. وكان لملفات المتن الإنمائية والبلدية حيّز أساسي من اللقاء، ولا سيما تحسين الخدمات وصيانة الطرق، ومعالجة المشكلات البيئية، وتأمين مستحقات البلديات لتمكينها من القيام بواجباتها تجاه المواطنين. وسأتابع هذه المطالب مع الوزارات والإدارات المعنية، بالتعاون مع البلديات، للدفع نحو تحديد أولويات التنفيذ ومهله. فأبناء المتن ينتظرون حلولاً ملموسة، ومسؤوليتنا أن نتابع مطالبهم حتى تتحقّق”.
تصعيد إسرائيلي
جنوباً، واصلت إسرائيل تصعيدها السياسي والعسكري. ففي مراسم إحياء ذكرى قتلى حرب تشرين 1973، قال وزير الدفاع الاسرائيلي يسرائيل كاتس، إنّ “الجيش الإسرائيلي ينتشر حاليًا في لبنان وسوريا وغزة في مناطق أمنية مشدّدة، ولن ننسحب من الخط الأصفر في غزة إلى خطوط انتشار جديدة داخلها ما لم يتمّ إنهاء حكم “حماس” وتطهير غزة من الأسلحة والأنفاق”.
وفي الميدان، تواصلت الاعتداءات الإسرائيلية، إذ تعرّضت بلدة برعشيت في قضاء بنت جبيل لقصف مدفعي بالتزامن مع تحليق للطيران المسيّر في الأجواء. وطاول القصف أطراف بلدات حداثا والخيام ويحمر الشقيف. وتمركزت آلية إسرائيلية عند المدخل الشمالي لبلدة الخيام، من جهة الحمّام، بالتزامن مع حملة تمشيط واسعة داخل البلدة بالأسلحة الرشاشة الثقيلة والمتوسطة. فيما تصاعدت أعمدة الدخان من عدد من المنازل في المنطقة، إثر إضرام النيران فيها. وسُجّلت تفجيرات في وادي السلوقي، وسُمع دوي انفجارات في الجنوب وصلت أصداؤها إلى مدينة صيدا وشرقها.
“اليونيفيل”
في الأثناء، قال رئيس بعثة “اليونيفيل” وقائدها العام اللواء ديوداتو أبانيارا، في كلمة مقتضبة في اليوم الدولي للسلام، انّ “اليوم، لا يزال السلام في جنوب لبنان متعذّراً، لكن الأمل في تحقيقه لا يزال قائماً. وهذا هو التطلّع الذي يؤكّد عليه حفظة السلام في اليوم الدولي للسلام، فالسلام الدائم يتطلّب التزامات وحلولاً سياسية من الأطراف أنفسهم. يمكن لقوات حفظ السلام المساعدة في استعادة الاستقرار وتجنّب سوء الفهم والحدّ من مخاطر التصعيد، لكنها لا تستطيع أن تحلّ محلّ الإرادة السياسية والقرارات اللازمة لإنهاء النزاع بشكل دائم”. وأضاف: “إنّ مسؤولية التوصّل إلى حلّ سياسي تقع على عاتق الأطراف، وستواصل “اليونيفيل” القيام بدورها من خلال إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، والحدّ من مخاطر التصعيد، ودعم الجهود الديبلوماسية”.
وزيرالخارجية
وفي معرض حديثه عن قرار مجلس الأمن الدولي 1701، قال اللواء أبانيارا إنّ “التنفيذ الكامل لهذا القرار يظلّ الهدف والأساس لتحقيق السلام والاستقرار الدائمين في جنوب لبنان”. كما أشار إلى أنّ استمرار التعاون بين القوات المسلحة اللبنانية وقوات حفظ السلام يظلّ أمراً جوهرياً للحفاظ على الاستقرار ودعم بسط سلطة الدولة في الجنوب.
إحالة إلى النيابة المالية
من جهة ثانية، وفي خطوة تجمع بين تشديد مكافحة التهرّب الضريبي وتعزيز الامتثال من جهة، وتخفيف الأعباء عن المكلّفين الراغبين في تسوية أوضاعهم من جهة ثانية، أحال وزير المال ياسين جابر إلى النيابة العامة المالية عبر وزارة العدل، كتاباً يتضمن لائحة بأسماء أكثر من 100 مؤسسة من المكلّفين الكبار، تخلّفت أو امتنعت عن تسديد الضرائب المتوجبة عليها، رغم إنذارها ومطالبتها بالتسديد ضمن المهل المحددة، طالباً اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقها وفقاً للأصول.
وفي موازاة هذا التشدّد في ملاحقة حالات عدم الامتثال، أصدر جابر قرارين يتعلقان بتسوية وتخفيض الغرامات الضريبية، بما يتيح للمكلفين الراغبين في الالتزام وتسوية أوضاعهم الاستفادة من تخفيضات على الغرامات ضمن الشروط والمهل المحددة، في مقاربة تقوم على عدم التساهل مع التهرّب، مقابل تسهيل عودة المكلّف الملتزم إلى الانتظام الضريبي.
وجاءت الإحالة إلى النيابة العامة المالية، بعد متابعة قامت بها الإدارة الضريبية لملفات المؤسسات المعنية وتوجيه الإنذارات إليها لتسوية أوضاعها وتسديد المستحقات المترتبة عليها. إلّا أنّ استمرار عدد منها في التخلّف أو الامتناع عن الدفع، استدعى الانتقال من مرحلة المطالبة الإدارية إلى الملاحقة أمام النيابة العامة المالية.
وتكتسب الملاحقات المرتبطة بالضريبة على القيمة المضافة أهمية خاصة، باعتبار أنّ المبالغ التي يتقاضاها المكلّف من المستهلك تحت هذا العنوان لا تشكّل إيراداً عائداً له، بل أموالاً يحصّلها لحساب الخزينة العامة ويتوجب عليه التصريح عنها وتسديدها. وبالتالي، فإنّ عدم توريدها يعني إبقاء مبالغ جرى تحصيلها أصلاً لصالح الدولة لدى المكلّف بدلاً من تحويلها إلى الخزينة.
وزارة الإعلام اللبنانية