الرئيسية / صحف ومقالات / الأخبار: أميركا وتداعيات الحرب: الإقرار بالفشل… أو كارثة اقتصادية
الاخبار

الأخبار: أميركا وتداعيات الحرب: الإقرار بالفشل… أو كارثة اقتصادية

كتبت صحيفة “الأخبار”: فيما تطوي الحرب على إيران شهرها السابع، وسط تفاقم تداعياتها، تقترب انتخابات التجديد النصفي الأميركية، المقرّرة في الثالث من تشرين الثاني المقبل، لتضيف بُعداً انتخابياً إلى حسابات واشنطن. وهو بعدٌ من شأنه ربّما تقليل فرص التوصّل إلى اتفاق سلام لا تريده الأخيرة حالياً، لما قد يعنيه من إقرار بنتيجة الحرب. في الوقت نفسه، تبدو الولايات المتحدة عاجزة عن استئناف الهجوم العسكري، وذلك لأسباب متعدّدة، أبرزها عدم جدوى أيّ هجوم جديد، فضلاً عن تداعياته السلبية المتوقعة على الوضع الانتخابي للحزب «الجمهوري».

وفي ظلّ تحوّل الحرب على إيران إلى عنوان انتخابي أساسي، باتت ثلاثة ملفّات رئيسة مرتبطة بتداعياتها تتصدّر المشهد الانتخابي، وفق ما يذهب إليه الباحث الاقتصادي والوزير السوري السابق، حسين القاضي، المقيم منذ عدّة سنوات في الولايات المتحدة. ويتمثّل أوّل هذه الملفات، بحسب ما يبيّنه القاضي في حديثه إلى «الأخبار»، في أسعار النفط والغاز، التي تأثرت بشدة بالوضع الراهن في مضيق هرمز والحصار المفروض على إيران، وكذلك بوضع مضيق باب المندب الذي بات تحت سيطرة «أنصار الله». وكما هو معلوم، فإن ارتفاع تلك الأسعار ينعكس سلباً على تكاليف النقل، سواء للآليات العاملة على البنزين أو الديزل، ويؤثر أيضاً في صناعة الأسمدة والمنتجات البتروكيماوية. وهذا كلّه يؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار المواد الأولية ومختلف أنواع السلع النهائية، أي إلى زيادة معدلات التضخّم، التي بدورها ستتسبّب في زيادة أسعار الفائدة، وبالتالي ارتفاع معدّلات الفائدة على القروض العقارية وغيرها. أمّا الملف الثاني، فيتمثّل، وفق القاضي، في ارتفاع المديونية المرتبطة بسندات الخزينة الأميركية، وما يستتبعه ذلك من حاجة «الكونغرس» إلى رفع سقف الدين، وبالتالي إيقاع تأثيرات سلبية على الاقتصاد الأميركي خصوصاً والاقتصاد العالمي عموماً. ويأتي ثالثاً انخفاض أسعار الأسهم وتراجع كتلة الاستثمارات في أسواق المال، في الولايات المتحدة والعالم.

ويؤكد القاضي أن هذه التداعيات ستنعكس على موقف الناخب الأميركي، متوقّعاً تراجع نسبة التصويت لـ«الجمهوريين» لمصلحة «الديمقراطيين». وفي ما يتعلّق بتصريحات الرئيس دونالد ترامب الأخيرة حول انخفاض أسعار النفط بعد الانتخابات، يرى القاضي أنها «لا تتجاوز محاولة لطمأنة الرأي العام، أكثر من كونها تعبيراً عن مسار محسوم للأحداث»؛ خصوصاً أن ترامب يهدّد إيران تارة، ويفتح باب التفاوض معها تارة أخرى. وعليه، تهدف تلك التصريحات إلى محاولة الحدّ -أقلّه راهناً- من ارتفاع أسعار النفط والغاز وانعكاساته على الاقتصاد، والأهمّ على مواقف الناخبين الأميركيين.

وإذ تشير نتائج استطلاعات الرأي إلى أن هناك تراجعاً تدريجياً في شعبية ترامب و«الجمهوري»، بما يهدّد الأخير بخسارته الأغلبية في مجلسَي النواب والشيوخ، ويعقّد، في الوقت نفسه، تمرير الكثير من التشريعات والقرارات لصالح إدارة ترامب، يربط القاضي ذلك بسياسات الرئيس القائمة على «الصفقات الفردية» -التي تتمّ تحت شعار «أميركا أولاً»-، والتي يرى أنها مثّلت خروجاً عن المبادئ العامة للعلاقات الدولية وأحدثت خللاً فيها.

على أن نتيجة الحرب على إيران ليست خسارة صافية، بل ثمّة مستفيدون كثر منها، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، بحسب ما يذهب إليه القاضي. فعلى الصعيد السياسي، بات العالم يدرك ماهية الأهداف التي سعت كلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحقيقها من هذه الحرب، إلا أن تلك الأهداف لم تتحقّق إلى الآن، وهذا ما يُعزى إلى الصمود الإيراني. أمّا اقتصادياً، فإن التأثيرات يمكن أن تتوزّع على فئتين: الأولى، تتضمن النتائج السلبية والخسائر، وهي الأوسع من حيث حجمها وعدد المتأثّرين بها على مستوى الولايات المتحدة والعالم، أفراداً ومؤسسات وشركات وغيرها، فيما تشمل الفئة الثانية المكاسب والأرباح، وهذه كانت حكراً على فاعليات محدّدة، وفقاً للقاضي.

وفي الداخل الأميركي، يقول الخبير الاقتصادي إن الجانب السلبي للحرب تَمثل خصوصاً في ارتفاع أسعار حوامل الطاقة، وزيادة التضخّم ومستويات الأسعار، بما جعل غالبية المواطنين يتحمّلون كلفة ذلك في معيشتهم ومصادر دخلهم. وفي المقابل، حقّقت شركات النفط الأميركية أرباحاً كبيرة من ارتفاع أسعار النفط والغاز، ولا سيما مع زيادة صادرات الولايات المتحدة من المادّتَين المذكورتَين لتعويض جزء من النقص في الأسواق العالمية. أيضاً، استفادت شركات السلاح والذخيرة ومصانعهما من الطلب المتزايد، وذلك بعدما استُنزفت خلال الحرب مخزونات الأسلحة، وخصوصاً الصواريخ الاعتراضية الباهظة الثمن المستخدمة في مواجهة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية. بمعنى آخر، ربحت الشركات، بينما خسرت الحكومة.

لطالما ارتبطت الحروب، في الأدبيات الاقتصادية، بانتعاش قطاعات محدّدة في اقتصادات الدول الكبرى، تحديداً عبر بيع السلاح والسيطرة على منابع النفط والثروات وغيرها. وفي هذا الإطار، يرى القاضي أن القاعدة التقليدية في اقتصادات الحرب تشير إلى ترابط قطاعَين أساسيّين، هما «الصناعات العسكرية» الذي يزداد الطلب على منتجاته في أثناء الحروب، و«النفط والغاز» الذي تتسبّب المخاوف وعرقلة سلاسل التوريد في رفع أسعار منتجاته عالمياً؛ وبذلك تحقّق شركات النفط أرباحاً كبيرة على حساب قطاعات الاقتصاد الأخرى.

وفي حال الحرب على إيران، يرى القاضي أن ارتفاع أسعار الطاقة لم يكن أمراً مرغوباً فيه، خاصة بعد فشل حرب الأربعين يوماً. إلا أن سيطرة إيران على «هرمز» أدّت إلى «تغيير شامل لقواعد اللعبة، فأصبحت أولوية إنهاء الحرب هي فتح المضيق، بغية خفض أسعار النفط والغاز عمّا هي عليه الآن». وهذا، بحسبه، «يظلّ مرهوناً بفتح طهران للمضيق، وهي لن تفعل ذلك إلا إذا تمّ رفع الحصار المفروض عليها». وهنا، تجد واشنطن نفسها أمام امتحان صعب؛ فهي إن رفعت الحصار، «تكون قد أقرّت بفشلها في هذه الحرب، وإن لم تفعل، فإنها تجعل استمرار الوضع الراهن كارثياً على الاقتصاد العالمي، لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء وتراجع مخزونات النفط الاحتياطية العالمية إلى أدنى مستوى لها».

وحتى في حال فتح «هرمز»، فإن ذلك «لا يعني عودة صادرات الخليج من النفط والغاز فوراً إلى مستويات ما قبل 28 شباط الماضي. فالضربات الإيرانية وما خلّفته من أضرار فنية في حقول النفط والغاز ومنشآتهما تحتاج إلى وقت لإصلاحها وتجاوز تداعياتها»، وذلك بحسب القاضي، الذي يشير أيضاً إلى أن المخاوف من عودة الحرب وارتفاع مستوى المخاطر «تدفع شركات النقل والشحن والتأمين إلى الإبقاء على أسعار مرتفعة لخدماتها».

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *