كتبت صحيفة “الأخبار”: كيف تعاملت الدول مع ارتفاع الأسعار الناتج من صدمة النفط؟ استجابتها لم تقتصر على التعامل مع العوارض، بل أطلقت نقاشاً يتعلق بقدرة الاقتصاد على التكيّف مع مستويات أسعار نفط مرتفعة لفترة طويلة. فالإجراءات التي ستُتخذ لفترة قصيرة نسبياً، ستصبح عديمة الجدوى ببقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة. وهذا ما يفرض ضغوطاً وأعباء كبرى على صانعي السياسات الذين بدأوا يفاضلون بين تمرير الأسعار إلى الداخل، وتحميل الحكومة كلفة الدعم. هي المفاضلة بين الدفاع عن القدرة الشرائية للمستهلك، والقدرة الشرائية للحكومة. هذا ما تفعله وصفة صندوق النقد الدولي الجاهزة.
نهاية «الاستراحة» القصيرة
في آذار الماضي، افترض البنك المركزي الأوروبي، كسيناريو أساسي، أن يبلغ متوسط سعر النفط ذروته 90 دولاراً للبرميل في الربع الثاني من عام 2026 ثم ينخفض سريعاً في الفصول اللاحقة. وفي حزيران، بدا للحظة أن أسعار النفط بدأت تتراجع فيما كانت الأسواق تمتصّ نقص الإمدادات بوسائل لا يمكن استخدامها بلا حدود، سواء عبر تحويل جزء من الصادرات إلى مسارات بديلة، وزيادة الإمدادات من خارج دول الخليج، وسحب النفط من المخزونات الاستراتيجية.
لكن لم يطل الأمر حتى سقط الافتراض. ففي أيلول صرّح عضو المجلس التنفيذي في البنك المركزي الأوروبي فيليب لين بأن ما حصل هو اندلاع «موجة ثانية» من ارتفاع أسعار النفط والغاز مع استمرار الحرب، وصار مُرجّحاً أن تستمرّ الصدمة لفترة أطول.
فقد أشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى انخفاض المخزونات النفطية العالمية بين شباط وآب بنحو 507 ملايين برميل، أي 6%، وأن الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأميركي صار عند أدنى مستوى منذ عام 1982، فيما انخفض مخزون الغاز الأوروبي إلى أدنى مستوى موسمي منذ أكثر من 15 سنة. وبحلول أيلول عاد برميل النفط إلى أكثر من 100 دولار بعد تسجيله 70 دولاراً في مطلع تموز. ولم يقتصر الأمر على المستوى السعري، بل إن طبيعة الأزمة داخل سوق النفط تغيّرت مع تجاوز أسعار الديزل في الولايات المتحدة مستوى الـ 200 دولار للبرميل، أي أعلى بنحو 94% من مستواها قبل الحرب، وفق وكالة الطاقة الدولية، وذلك إثر تقلّص صادرات المُنتجات المُكرّرة من الخليج بالتوازي مع اضطراب قطاع التكرير الروسي.
هذا يعني أن كلفة النقل والإنتاج يمكن أن ترتفع أكثر مما توحي به حركة سعر الخام وحده. لذلك عدّلت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قراءتها أيضاً، مشيرة إلى أن الواقع تجاوز أكثر السيناريوات السابقة سوءاً. وهذا يعني أيضاً أن إجراءات الدعم التي كانت مُصمّمة لثلاثة أشهر أو لفترة قصيرة نسبياً، لن تعود فاعلة بمقدار ما ستصبح عبئاً متواصلاً على الموازنات؛ تجميد سعر المحروقات الذي يسمح للأسرة بتجاوز ارتفاع مؤقّت، سيتحوّل إلى التزام دائم على الخزينة، كما أن السحب من المخزون الاستراتيجي، يشتري بعضاً من الوقت ولا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية، أمّا الشركات والأسر التي تستطيع استخدام مخزونها أو مدّخراتها لعدة أشهر، فتبدأ هي الأخرى باستنفاد هوامشها كلّما طال أمد الأزمة.
أي «دعم» أثناء الأزمات؟
في الأسابيع الأولى، تركّزت استجابة الحكومات على منع الصدمة من الوصول بسرعة إلى المستهلك. بحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في نيسان، لجأت دول عدّة إلى إجراءات تخفض السعر مباشرة؛ خُفّضت ضرائب الوقود، ووضعت سقوف للأسعار، ودُعمت شركات الطاقة والمحروقات. هذه أدوات تتميّز بسرعة تطبيقها، إذ تخفّض الدولة الضريبة على ليتر البنزين فينخفض السعر للجميع في اليوم التالي. لكن ما كان يصلح في ظروف مؤقتة، لا يصلح بالضرورة ليكون سياسات بنيوية. فكل شهر إضافي من الحرب يزيد كلفة تثبيت السعر على الخزينة، بينما يستفيد من الدعم من يستهلك الكثير من الطاقة، كما يستفيد منه من لا يستطيع تحمّل سعرها. والأهم أن إبقاء الطاقة رخيصة اصطناعياً يلغي جزءاً من الحافز إلى خفض استهلاكها في الوقت نفسه الذي يعاني فيه العالم من نقص في المعروض.
هكذا، تحوّل الشعار لدى صندوق النقد إلى التركيز على «الحماية الموجّهة» بدلاً من التركيز على خفض الأسعار. ففي ورقة بشأن التعامل مع صدمة الغذاء والطاقة نشرها الصندوق في أيار، كانت التوصية الأساسية أن تعكس الأسعار المحلية قدر الإمكان الكلفة العالمية، وأن تستخدم الدولة، التحويلات الموجّهة لحماية الأسر الأكثر ضعفاً. وبالنسبة إلى المؤسّسات، تُعطى الأولوية للسيولة للمؤسّسات القابلة للاستمرار والمتضرّرة بشدة، بدلاً من تثبيت أسعار المدخلات للجميع.
باختصار، أطلق صندوق النقد الدولي، صافرة الدفاع عن قدرة الحكومات، والتخلّي عن الدفاع عن قدرة الأفراد. وفي مطلع تشرين الأول 2026 رصد باحثون في صندوق النقد الدولي، الإجراءات المُتخذة منذ نهاية شباط وحتى منتصف أيلول، وتبيّن لهم أن تركيبة الاستجابة الحكومية تغيّرت بمرور الوقت، وطرأ عليها انتقال تدريجي بعيداً عن تحميل الخزينة كلفة منع الأسعار من الارتفاع، نحو زيادة تمرير الأسعار العالمية إلى السوق والمستهلك، بالتوازي مع إجراءات إدارة الطلب والتضخم. وأصبحت الإجراءات الجديدة أكثر ميلاً لتحديد المستفيدين منها، بدلاً من تقديم الدعم للجميع. أيضاً قال الباحثون إن البلدان الأكثر مديونية، تصبح كلّما كان تعرّضها للصدمة أكبر، أكثر ميلاً إلى تمرير ارتفاع السعر للمستهلك، وأقل ميلاً لامتصاصه عبر الموازنة. بمعنى آخر، تختار الحكومات بين الدعم ورفع السعر.
أمّا مدى قدرة الدولة على توجيه الدعم بدقّة، فيرتبط أكثر بقدرتها المؤسّساتية وبوجود قواعد بيانات وشبكات حماية قادرة على الوصول إلى الناس. وهذه النقطة أساسية. فالدولة التي لا تستطيع تحديد المتضررين بسرعة، تضطر في بداية الأزمة، إلى دعم الجميع. أمّا امتلاك سجلّ اجتماعي ونظام تحويلات جاهز فلا يعني فقط سياسة اجتماعية أفضل، فهو يعطي الدولة حرية أكبر في عدم تثبيت أسعار الطاقة من دون ترك الفئات الأضعف تواجه الصدمة وحدها.
خيارات توزيع الكلفة
لم تكن الاستجابة واحدة في كل الدول. الأردن، مثلاً، اتجه تدريجياً إلى تمرير ارتفاع الأسعار العالمية إلى الداخل بدلاً من إبقائها في حساب الخزينة. رُفعت أسعار المشتقات على مراحل في نيسان وأيار، بالتوازي مع استخدام المخزون الاستراتيجي لتأمين الإمدادات وتقديم مساعدات مؤقتة إلى الفئات والقطاعات الأكثر تعرّضاً. وبحسب المراجعة الخامسة لبرنامج الأردن التي نشرها صندوق النقد، التزمت الحكومة بمواصلة تعديل الأسعار عند الحاجة بما يضمن ألّا تتحوّل الصدمة إلى كلفة صافية دائمة على الموازنة، أي إن المخزون يُستخدم فقط لمنع فقدان المادة من السوق، لا لمنع ظهور سعرها الحقيقي.
وذهبت مصر أبعد في الاتجاه نفسه. لم تستخدم الموازنة لعزل الاقتصاد عن الصدمة، بل وزّعت الكلفة بين سعر الصرف، وأسعار الطاقة والسياسة المالية. بحسب صندوق النقد، سمحت السلطات بمرونة أكبر في سعر الصرف، وعدّلت أسعار الوقود، وضبطت بعض الإنفاق، بالتوازي مع تقديم دعم موجّه، فيما أبقت السياسة النقدية مشدّدة لاحتواء انتقال الصدمة إلى التضخّم.
لكنّ السلوك الأوروبي كان مختلفاً. تشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقرير عن الاستجابة لأزمة الطاقة في عام 2026، إلى أن فرنسا وهولندا وبريطانيا ونيوزيلندا اختارت عدم العودة إلى نموذج الدعم الشامل الذي استُخدم بكثافة بعد اندلاع حرب أوكرانيا في عام 2022. ففي فرنسا مثلاً، تركّز التدخل على قطاعات تتعرّض مباشرة لارتفاع الوقود، مثل الزراعة والنقل والصيد، بدلاً من خفض السعر لكل المستهلكين. في المقابل، اختارت إسبانيا خفض ضريبة القيمة المضافة على الوقود من 21% إلى 10% إلى جانب خفوضات ضريبية أخرى أدّت جميعها إلى خفّض سعر ليتر المحروقات إلى ما بين 30 سنتاً و40 سنتاً. كذلك، خفّضت بولندا وسلوفينيا الرسوم إلى الحدود الدنيا التي تسمح بها القواعد الأوروبية. واتّبعت إسبانيا نموذجاً مختلطاً، جمع بين خفض السعر والتحويلات ودعم قطاعات متضرّرة.
وزارة الإعلام اللبنانية