الرئيسية / صحف ومقالات / الأخبار: نتنياهو الدجّال
الاخبار

الأخبار: نتنياهو الدجّال

كتبت صحيفة “الأخبار”: صباح السابع عشر من تشرين الأول عام 1984، انعقدت في الأمم المتحدة الجلسة العامة الثانية والثلاثون من دورتها التاسعة والثلاثين، وعلى جدول أعمالها، في البند الثالث (ب) المتعلق بتقرير لجنة وثائق التفويض، اقتراح تعديل مقدم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية على مشروع القرار الذي أوصت اللجنة باعتماده، يقضي بإضافة عبارة واحدة: «باستثناء ما يتعلق بوثائق تفويض إسرائيل». الاقتراح، الذي استهدف وثائق تفويض الوفد الإسرائيلي، أُرفق برسالة وقّعها ممثلو 48 دولة وانضمت إليها أربع دول أخرى، وسُجّلت في الأمم المتحدة تحت الرقم A/39/584 وAdd.1، جاء فيها: «نحن، ممثلو الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الموقّعون أدناه، نودّ أن ننقل إليكم تحفظاتنا بشأن وثائق تفويض وفد إسرائيل إلى الدورة التاسعة والثلاثين للجمعية العامة. وتستند تحفظاتنا، في جملة أمور، إلى استمرار إسرائيل في انتهاكها الصارخ والمتواصل لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، وإلى تحدّيها، من دون عقاب، قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بقضية فلسطين والحال في الشرق الأوسط. ونطلب تعميم هذه الرسالة بوصفها وثيقة رسمية من وثائق الجمعية العامة في إطار البند الـ3 من جدول الأعمال».

افتتحت الجلسة في تمام الساعة 10:55 بتوقيت نيويورك، وتضمنت سلسلة من الكلمات تعاقب عليها ممثلو الهند وإيران وليبيا وسوريا، قبل أن يُطرح اقتراح إجرائي بعدم اتخاذ إجراء بشأن التعديل الإيراني، اعتُمد بأغلبية 80 صوتاً مقابل 41، وامتناع 22 دولة عن التصويت، ليسقط بذلك مقترح التعديل الإيراني ويُعتمد لاحقاً قرار لجنة وثائق التفويض كما هو. تلت التصويت مداخلات عدة، قبل أن يصعد إلى المنصة المندوب الجديد للكيان الإسرائيلي في الأمم المتحدة. شاب على بعد أربعة أيام من إتمام عامه الخامس والثلاثين. قال: «كنت أظن أنني في أول كلمة لي أمام هذه الهيئة سأدافع عن بلدي، ولكني لم أتوقّع أن أجد نفسي مضطراً بهذه السرعة للدفاع عن الأمم المتحدة ذاتها. إن ما شهدناه لتوّنا من محاولة إنكار وثائق تفويض إسرائيل لم يكن هجوماً آخر على إسرائيل، بل محاولة استهدفت بقاء هذه الهيئة».

هذا الشاب كان بنيامين نتنياهو، وكانت هذه أولى محطات «دعايته الأممية». وهو الذي وقف منذ أيام، بعد نحو 42 عاماً، على المنبر نفسه في الدورة الـ81 للأمم المتحدة، بصفته رئيساً لوزراء كيانه، ليقدّم عرضاً مسرحياً جديداً، مرافعاً فيه عن جريمة ممتدة قارب عمرها الثمانين عاماً، ويعدد انتصاراته على سبع جبهات، معلناً أنه يخوض الآن حرباً في «الجبهة الثامنة: الحرب من أجل الحقيقة».

الجبهة الثامنة التي تحدث عنها نتنياهو ليست تعبيراً مجازياً، بل هي جبهة متقدمة وسابقة لغيرها من الجبهات التي قاتل ويقاتل فيها الكيان. وتكاد تكون صفة ملازمة للمشروع الصهيوني منذ مؤتمره الأول إلى تأسيس دولته، وصولاً إلى يومنا هذا. وهي كذبة تكاد تُقرأ من عنوانها الذي اختاره نتنياهو. هي في الواقع، أكثر حروب التاريخ الحديث ضد الحقيقة، لا من أجلها. وهنا تحديداً، تكمن الخدعة الصهيونية التي تمارس منذ 129 عاماً، وربما لن تجد في هذه الأعوام من يمثّلها بكفاءة أعلى من بنيامين نتنياهو نفسه.

من المفيد العودة جيلاً أو جيلين إلى الوراء لاستطلاع الجذر الجيني لسيرة نتنياهو. كان ناثان ميليكوفسكي، جدّ نتنياهو لأبيه، «ماغيداً»، أي واعظاً وراوياً شعبياً، ومن الجيل المبكر للدعاة الصهاينة الذين حملوا الفكرة من قاعات الحركة إلى التجمعات اليهودية. ولد عام 1879 في الإمبراطورية الروسية، وتلقى تعليماً دينياً في يشيفا فولوزين، قبل أن يبدأ، وهو في نحو العشرين من عمره، جولاته الخطابية داعياً للصهيونية في روسيا وسيبيريا، ثم في مدن وبلدات بولندا، حيث استقر في لودز «ماغيداً» في كنيس صهيوني. كان يخطب بالعبرية واليديشية، ويكتب في الصحافة، ويوظف النص الديني والتاريخ اليهودي في خطاب تعبوي قومي، قبل أن يهاجر مع عائلته إلى فلسطين عام 1920، ويواصل نشاطه الدعائي وجولاته في أوروبا والولايات المتحدة. وفي بعض مقالاته في الصحافة العبرية، وقّع ناثان باسم آخر سيحمله أبناؤه وأحفاده من بعده: «نتنياهو»، أي «الله أعطى»، قبل أن يصبح الاسم لقباً رسمياً للعائلة. وربما كانت تلك أولى الكذبات التي لم يحتجْ بنيامين إلى اختراعها. بل ولد حاملاً إياها، ثم أحبّها بشدّة.

في الحلقة العاشرة من برنامج «أسرار فن الحكم»، يطرح المؤرخ البريطاني أندرو روبرتس سؤالاً على نتنياهو عن أثر والده في شخصيته السياسية، فيجيب: «هائل! لقد نشأت، بطبيعة الحال، في مكتبة. لقد نشأت في مكتبة مؤرخ. أولاً، كنا محاطين بالكتب، وكنت محاطاً بوالدي». فبنتسيون نتنياهو، الذي ولد في وارسو عام 1910 وتوفي في القدس عام 2012 عن مئة وعامين، لم يكن مؤرخاً وحسب. فهو نشط منذ شبابه في الحركة الصهيونية التصحيحية، وعمل سكرتيراً لزئيف جابوتنسكي، ثم انصرف إلى البحث والتأريخ الذي سيقضي فيه القسم الأكبر من حياته. واشتهر بأبحاثه في تاريخ يهود إسبانيا ومحاكم التفتيش، وخاض على مدى عقود اشتباكاً مع روايات تاريخية مستقرة أثار سجالاً واسعاً بين المؤرخين. وفي منهجه حديث يطول، لكن إحدى أبرز سماته تظهر في اشتباكه مع تاريخ محاكم التفتيش. لم يبدأ بالبحث عن جواب جديد للسؤال القديم، بل عاد إلى السؤال نفسه وقلبه بين يديه. هل كانت الفرضية التي بُني عليها صحيحة أصلاً. ومن هناك أعاد ترتيب المصادر والوقائع، ليبني إجابته وروايته من جديد.

في 3 كانون الأول 2020، نظم معهد هدسون فاعلية بعنوان «حوار مع رئيس الوزراء الإسرائيلي»، أدارها مايكل دوران. روى فيها بنيامين أنه عثر، بعد سنوات، على دفاتر التاريخ التي كان يكتبها طفلاً، وتذكّر كيف كان والده يدرّبه على الكتابة والتحرير. وحين طلب منه ذات مرة أن يحرر له ما كتب، أجابه بنتسيون: «لا، لا. أنت تكتب وأنت تحرر. أول شيء عليك أن تحدده هو: ما الذي تريد قوله؟ ثم قله».

خنادق حرب الهاسباراه

الصدفة التي أدخلت نتنياهو سنة 1967 إلى وحدة «سايرت متكال» في جيش الاحتلال، لم تكن ما أخرجه منها إلى حربه التي امتهنها لاحقاً، أي «الهاسباراه». وبعد سنوات، حين أراد قائد الوحدة عوزي يائيري إرساله إلى دورة الضباط ليعود قائداً لفريق، لم يتحمس «بيبي» للعرض. وحين ناقش الأمر مع شقيقه الأكبر يوني، اقترح الأخير أن يذهب مكانه. دخل يوني «سايرت متكال»، وبقي فيها حتى أصبح قائدها، قبل أن تقتله رصاصة في عملية تحرير رهائن عنتيبي عام 1976. أما «بيبي»، فخرج من خمس سنوات في الوحدة بجرح طفيف أصاب ذراعه اليسرى بنيران صديقة خلال عملية تحرير رهائن طائرة سابينا.

دراسة حياة نتنياهو توضح الكثير من شخصية هذا الرجل الذي اشتد عود روايته على التضليل والخداع. يقول ماركو أشكنازي، مقاتل «سايرت متكال» الذي خرجت الرصاصة من مسدسه بالخطأ: «استخدمنا مسدسات بيريتا، وهي مسدسات ضعيفة، حتى لا نصيب الركاب. كانت الإصابة بالكاد خدشاً. بقيت يد «بيبي» مضمدة ربما أسبوعاً. دعينا نقول إن نتنياهو وأنا استفدنا من الحادثة». وحين طلبت منه محاورته أن يشرح، أجاب: «رئيس وزرائنا حظي بهالة من شارك في عملية إنقاذ هائلة وأصيب خلالها. أن تكون جريحاً في المعركة، فهذا اسم كبير. وأنا، بعدما أصبت ضابطاً شاباً أصبح لاحقاً رئيساً للوزراء، أصبحت مشهوراً».

في كتابه «بيبي، قصتي»، يخصص نتنياهو فصلاً كاملاً بعنوان «هاسباراه، 1973-1976»، يؤرخ فيه بنفسه لبداية حربه الأخرى. كان ذلك في تشرين الثاني 1973، بعد عودته إلى بوسطن من حرب تشرين. على درجات المبنى الرئيسي لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، شاهد طلاباً عرباً يوزعون مناشير مناهضة لإسرائيل، وفي مواجهتهم مجموعة صغيرة من الطلاب الإسرائيليين توزع مواد دعائية مضادة. اقترب منهم وعرض المساعدة، وهناك التقى عوزي لنداو. بعد نحو نصف قرن، يستعيد نتنياهو تلك اللحظة قائلاً: «في ذلك اليوم، على درجات MIT، أدخلني عوزي إلى خنادق حرب الهاسباراه». وهي حرب يعرّفها بنفسه بأنها «معركة العلاقات العامة الإسرائيلية التي لا تنتهي ضد التشهير والافتراء».

«هاسباراه» تعني بالعبرية «الشرح» أو «التفسير»، لكنها تجاوزت معناها الحرفي باكراً لتصبح أحد أبرز المصطلحات التي رافقت الحركة الصهيونية إلى الدولة، وباتت اسماً إسرائيلياً لمنظومة الدعاية الموجهة إلى الخارج. وكان الصحافي والناشط الصهيوني ناحوم سوكولوف أول من أدخل المصطلح إلى القاموس السياسي للحركة الصهيونية في بدايات القرن العشرين، في محاولة لإضفاء طابع إيجابي ودبلوماسي على النشاط الإعلامي والدعائي، بدلاً من الحمولة التضليلية المرتبطة بمفهوم «البروباغندا» الذي استخدمه ثيودور هرتزل في المؤتمرات الصهيونية الأولى. وتلا ذلك، على المستوى المؤسسي، إنشاء عشرات الأجهزة الموكلة بهذا العمل، بأسماء وأشكال مختلفة، كان أولها «قسم الهاسباراه» الذي أُنشئ رسمياً ضمن الهيكل التنظيمي للمنظمة الصهيونية العالمية عام 1920، بهدف توحيد الخطاب الدعائي الصهيوني في أوروبا والولايات المتحدة ودعم أنشطة الصندوق القومي اليهودي «كيرن كايمث»، وصندوق التأسيس «كيرين هايسود». وفي لقاء مع مندوبي هايسود في القدس عام 1934، قال سوكولوف عن الدعاية: «إنها علم علينا أن نتعلمه». وفي المقابل، لا يمكن لأحد خوض هذه الجبهة بفاعلية من دون بذل جهد حقيقي في فهم «الهاسباراه»، مفاهيمياً ومؤسسياً، في العقل الصهيوني.

هكذا بدأ نتنياهو رحلته، من توزيع المواد الدعائية مع منظمة الطلاب الإسرائيليين في بوسطن، إلى إلقاء المحاضرات في المعابد والتجمعات اليهودية والجامعات. وكانت محاضرته الأولى، كما يروي، أمام نحو عشرة رجال مسنين في كنيس ببلدة هال في ماساتشوستس. لكن الدائرة سرعان ما اتسعت. وفي مطلع عام 1975، التقطت القنصلية الإسرائيلية في بوسطن قدرته على مخاطبة الجمهور الأميركي. كانت كوليت أفيتال، الدبلوماسية المسؤولة عن العمل الإعلامي في القنصلية، تبحث عن متحدثين قادرين على الدفاع عن إسرائيل بالإنكليزية أمام الجمهور المحلي، فوجدت في نتنياهو الشاب ما تبحث عنه. بدأت ترتب له المحاضرات والظهور في محطات التلفزة المحلية ممثلاً للموقف الإسرائيلي، مقابل 25 دولاراً للمحاضرة. وهكذا، خلال أقل من عامين، انتقل نشاطه في «الهاسباراه» من توزيع المواد على درجات الجامعة إلى مخاطبة الجمهور الأميركي تحت مظلة القنصلية الإسرائيلية. ثم عمل بين 1976 و1978 مستشاراً في مجموعة بوسطن الاستشارية، حيث العمل على تحليل المنافسة وتفكيك المشكلات وصياغة الحلول. وبعد معهد يوناتان، انتقل عام 1980 إلى إدارة التسويق في شركة «ريم للصناعات» في القدس.

لكن مقتل شقيقه يوني عام 1976 سيمنح مسار بنيامين زخماً اتصالياً ودعائياً جديداً. حمل قميص شقيقه ليستثمر معهداً تولى إدارته، ثم يبدأ في بناء شبكة من السياسيين والدبلوماسيين والباحثين والشخصيات الأمنية حول قضية ستصبح إحدى ركائز خطابه لعقود. وفي تموز 1979، نظم المعهد في القدس «مؤتمر يوناتان حول الإرهاب الدولي»، جامعاً شخصيات إسرائيلية وأميركية ودولية حول أطروحة تتجاوز التنظيمات المسلحة نفسها إلى الدول التي تدعمها وترعاها. وبعد عام، حرر نتنياهو أعمال المؤتمر في كتاب «الإرهاب الدولي، التحدي والرد». وفي سنوات قليلة، كانت استثمارات نتنياهو تنتقل من الدفاع عن الرواية الإسرائيلية في قاعات الجامعات والمعابد وشاشات التلفزة المحلية، إلى المشاركة في إنتاج رواية سياسية متكاملة وتسويقها أمام جمهور دولي.

نتنياهو .. عقيدة الخداع

هذا التراكم الذي بناه نتنياهو، لم يكن ليمرّ من دون أن يلفت أنظار مؤسسة القرار الإسرائيلية. إذ إن المحاضر الشاب الذي خبر الجمهور الأميركي، وتمرّس أمام كاميراته، ثم أدار معهداً ونظم مؤتمراً دولياً حول الإرهاب، بدا مقاتلاً مناسباً لجبهة أخرى، هي الدبلوماسية. وكان موشيه أرينز، سفير إسرائيل في واشنطن، من عرض في العام 1982، على نتنياهو الانتقال من ممارسة «الهاسباراه» على هامش المؤسسة إلى ممارستها من داخلها.

تكشف وثيقة في أرشيف وزارة الخارجية الإسرائيلية، تحمل الرمز 6998/6 وكُشف عنها عام 2022، شيئاً من تفاصيل هذا الانتقال. ففي 30 حزيران 1982، كتب نتنياهو إلى المدير العام لوزارة الخارجية ديفيد كيمحي، قبل أيام من بدء مهمته، موضحاً أن انتقاله من القطاع الخاص إلى عقد مؤقت مع الوزارة سيعني انخفاضاً حاداً في دخله، وطالب بالحفاظ على الحقوق الاجتماعية التي راكمها في عمله السابق. وفي اليوم نفسه، أحال كيمحي الطلب إلى الجهة المتخصصة، موصياً بالموافقة عليه.

ومن هنا انطلق نتنياهو، وهو في الثانية والثلاثين من عمره، في مسار بات معروفاً ومدوّناً في سيرته الرسمية، نائباً لرئيس البعثة الإسرائيلية في واشنطن، ثم سفيراً لدى الأمم المتحدة، فعضواً في الكنيست، ونائباً لوزير الخارجية، ثم نائباً للوزير في مكتب رئيس الحكومة، فرئيساً لليكود والمعارضة، وصولاً إلى رئاسة الحكومة للمرة الأولى عام 1996. خرج منها عام 1999 إلى ثلاث سنوات في الاستشارات والتسويق لشركات التكنولوجيا والمحاضرات الدولية، قبل أن يعود وزيراً للخارجية ثم للمالية، فرئيساً للمعارضة، ومنذ عام 2009 رئيساً للحكومة في معظم السنوات التي تلت.

الخيط الذي لم ينقطع بين كل هذه المناصب، هو الذي يشرح كيف أن نتنياهو لم يكن يمارس «الهاسباراه» فحسب، بل سيكون شريكاً في تنظيمها، وتحديد وظيفتها، والتنظير لموقعها داخل مختلف الأدوات الإسرائيلية، حتى أصبح اليوم متماهياً معها بشكل يصعب للمتابع تمييز أكاذيب نتنياهو المغلّفة بقشور الحقائق. وهذه المادة غنية جداً، ليس في كتب ومواد نتنياهو المنشورة وحسب، بل بما بات متاحاً من وثائق يجب أن تفتح شهية أقلام المهتمين في هذا الشأن للكتابة عنها.

ويمكن الاستعانة بنتنياهو نفسه لشرح جانب أساسي من أسلوبه الدعائي. ففي كتابه «بيبي، قصتي»، يورد نصين يكادان يكفيان لتلخيص فلسفته في هذا المجال. وفي كليهما يحضر جابوتنسكي، مثاله السياسي الأعلى، وتحضر «نظرية الضغط العام» التي ينسب نتنياهو وضعها إلى جابوتنسكي في مقال عام 1929، والتي يمكن تتبع أثرها في جانب كبير من ممارسته الدعائية والسياسية.

في النص الأول، يروي نتنياهو ما يمكن أن نسميه «ثلاثية النصر» في فلسفته الدعائية: «كانت محادثاتي مع والدي تفتح عينيّ. فقد طرح فرضية صارمة: في عالم اليوم، لا يمكنك الدفاع عن نصر عسكري من دون نصر سياسي، ولا يمكنك الدفاع عن نصر سياسي من دون نصر في الرأي العام، ولا يمكنك كسب الرأي العام من دون الاحتكام إلى العدالة. وإذا نجح خصومك في تصوير قضيتك على أنها غير عادلة، فسوف ينخرون موقفك تدريجياً. ولا يهم إن كانت قضيتك أخلاقية حقاً إذا لم تقدمها على هذا النحو».

وفي النص الثاني، يعيد المعادلة إلى جابوتنسكي ويلخصها في سطرين: «لقد كان والدي الممارس النموذجي لمعادلة جابوتنسكي: التأثير في الحكومات عبر الرأي العام، والتأثير في الرأي العام بالاحتكام إلى العدالة، والتأثير في القادة بالاحتكام إلى المصالح».

الحقيقة .. من البحر إلى النهر

بهذا المعنى، يتحول نتنياهو إلى النموذج الأوضح لمفهوم الدعاية الإسرائيلية، ويمكن استخدام خطابه الأخير في الأمم المتحدة نموذجاً تطبيقياً لأسلوبه المخادع. نحو أربعين دقيقة تكاد تختصر المنهج كله. ينتقي مجموعة من الوقائع والبيانات الصحيحة من بين عدد هائل من الوقائع والبيانات الأخرى، يعزلها عن سياقها، ثم يعيد ترتيبها داخل قالب أُعد سلفاً ليقود إلى النتيجة المطلوبة. لا تقوم الحيلة هنا بالضرورة على اختراع كل واقعة، بل على اختيار الوقائع التي تُروى، وتلك التي تُحذف، وأي سؤال يُطرح، وأي سؤال يُستبعد. وهنا يعود درس بنتسيون القديم، قبل البحث عن الأجوبة، أعد النظر في السؤال نفسه.

لذلك لا يبدأ تفنيد رواية نتنياهو بالبحث عن كذبة صريحة في كل جملة. يبدأ بتقشير الرواية من البيانات التي اختيرت بعناية لتثبيتها، ثم إعادة البيانات التي أُسقطت منها إلى المشهد. عندها لا تختفي الحقائق الجزئية التي استخدمها، بل يتغير معناها حين تعود إلى سياقها، لتظهر هشاشة السردية الإسرائيلية، وهنا تحديداً تكمن نقطة ضعفها. لكن هزيمتها غير ممكنة من دون المبادرة إلى الهجوم. هذا ما يجب على خصوم نتنياهو القيام به باختصار، المبادرة إلى الهجوم.

في خطابه الأخير، يسخر نتنياهو من الأصوات البريطانية والفرنسية التي تتحدث عن الاستعمار. يصف حديثهم بالعبث. وفي مورد آخر يمنّ عليهم بالقول إنه قاتل من أجلهم، وقتل من «الإرهابيين» ممن تورط بدمائهم. ثم يمنّ على الأمم بأسرها بأنه يقاتل من أجل عالم أفضل. لن يذكر نتنياهو في خطابه حجم الدماء التي أوغلت فيها عصاباته منذ عشرينيات القرن الماضي، ليس من العرب وحسب، بل من كل من شكّل عثرة بسيطة أمام مشروعهم. حتى إن البريطانيين، الذين كانوا «أولياء وعدهم» لسنين، نزفوا فور تحرير كتابهم الأبيض القاضي بدولتين. لن يذكر نتنياهو في خطابه أمراً عن مشروع إسرائيل النووي الذي يرفض رقابة أقرب أصدقائه، والذي ربما كان الرئيس الأميركي كينيدي أحد ضحاياه. وبالتأكيد لن يذكر نتنياهو شيئاً عن عشرات الأقلام التي تم تحييدها لمجرد انحيازها للحقيقة.

نتنياهو يطوّر أكاذيب أسلافه ببراعة، ويتقمّص دور الضحية والبطل ليخوض حربه على وعي العالم. حتى بات مجرد القراءة والكتابة عن أكبر جريمة موصوفة في العصر الحديث جرماً باسم معاداة السامية. أعذار القاعدين عن القتال في الجبهات السبعة التي عدّدها نتنياهو محفوظة ومعلومة وغير مبررة، لكن ما هي أعذار المتخلفين عن معارك هذه الجبهة في هذا المفصل التاريخي من ليل الصراع؟

نتنياهو يعرف جيداً، أن النصر العسكري وحده لا يكفي، وأنه يحتاج إلى نصر سياسي، وأن الأخير يحتاج بدوره إلى نصر في الرأي العام. لذلك، فإن «الجبهة الثامنة» ليست زائدة في الحرب، بل هي الجبهة التي يريد عبرها الحسم الموهوم. وهنا تحديداً يمكن قلب معادلته عليه. فالحروب العسكرية سجال، أما المعضلة التي تواجه هذا الدجّال وروايته فأعمق، مشروع قام منذ بداياته في مواجهة الحقيقة. حقيقة فلسطينية سابقة عليه، ولا تستطيع «أطنان الكذب» محو آثارها من البحر إلى النهر.

البايجر الذي لم ينفجر بعد

لم تكن القاعة سوى العالم بريشة مجرميه. على خشبة أقيمت فوق أنقاض هيروشيما وناغازاكي، اجتمع المجلس الذي كُتب ميثاقه بأوزان صواريخ الدول بدلاً من أقلام شعوبها، في دورته الواحدة والثمانين. إلى المنبر، صعد رئيس حكومة أقبح جريمة في العصر الحديث يحاضر بالعفّة والبطولة.

«قبل أن أبدأ، لديّ إعلان سريع، إذا كان لا يزال في هذه القاعة أيّ من الجبناء أخلاقياً الذين لم يغادروها بعد، فتفضّلوا بالمغادرة الآن. شكراً جزيلاً».

قالها مخاطباً أقل من ثلثي المندوبين، بعد انسحاب عدد كبير من ممثّلي الدول التي ملّت فصول مسرحيات هذا الرجل المريض. كالعادة، أتقن نتنياهو الدور، وتنقّل بين أضاليله بسلاسة، حتى الدقيقة الثالثة عشرة، حين أخرج بخفّة السّحرة جهاز النداء المعروف بالبايجر، وقال: «أتذكرون أجهزة البايجر؟ حسناً، يمكنني أن أؤكد لكم شيئاً واحدًا… حزب الله يتذكّرها بالتأكيد».

هنا، أكتب نيابة عن أصابع مبتورة، كرمى لعيون جرحى البايجر، مقالة صغيرة لا أتوسّع فيها بالتفاصيل الهوليوودية للعملية، إنما أستشرف فيه كيف سيذكر الصهاينة تفجير البايجر كإحدى أغبى وأسوأ عملياتهم. فإذا كان هناك أيّ من «الجبناء أخلاقياً» المستسلمين أمام الدعاية الصهيونية، فلا حاجة لهم إلى إكمال المقال. شكراً جزيلاً.

على مدى عامين ونيّف مزدحمة بالأحداث الدولية والإقليمية، استحضر نتنياهو في خطاباته عملية البايجر نحو سبع عشرة مرة، عدا المقابلات والتصريحات الجانبية. ولحقه جيش من المؤسسات والإعلاميين، وفتحت شهية الأقلام والأفلام لحصان طروادة جديد. حتى إن أغلب من تناول الموضوع في المقلب المقابل لنتنياهو، عن حسن أو سوء نية، وقع في فخ الدعاية فاشتبهت عليه الأسئلة، ودفعه جوع السبق إلى وجبات أجوبة سريعة لا تُسمِن ولا تُغني من حقيقة.

من الطبيعي أن يستنفر الكيان وأجهزته، ونتنياهو خصوصاً، لتقديم البايجر كدرة تاج عملياته الأمنية، في محاولة لإطالة العمر العملياتي لآثارها التكتيكية إلى أثر استراتيجي، وترسيخ عقيدة وعقدة التفوّق الحاكمة في العقل الصهيوني. لكن ليس صحياً أن يستسلم البعض لدعاية الدجّال فيصبح إحدى «سلاسل التوريد» لها. وهذا لا يعني تسخيف التخطيط والتنفيذ، بل إعادة ترتيب الأسئلة عن الفرادة والابتكار، ونقاط القوة والإنجاز، والضعف والإخفاق.

في العلوم العسكرية، يكاد التمييز بين المستويات التكتيكية والعملياتية والاستراتيجية من بداهات التخطيط، والتحذير من الخلط في أثرها من أبجدياته. بعيداً عن سحر الحيلة، ماذا بعد 17 أيلول 2024؟ ماذا بعد عملية استغرقت سنوات وتشابكت فيها الاستخبارات والتكنولوجيا والتصنيع والخداع، ثم انفجرت مُحقِّقة، في أفضل قراءة لنتائجها، إنجازاً تكتيكياً؟ ربما كانت من العمليات النادرة التي يبلغ فيها النجاح التكتيكي ذروته قبل أن ينقلب على أصحابه. فالحيلة لم ينته عمرها بانفجار آلاف الأجهزة، بل بدأ لها عمر آخر، لا يقاس بعدد العيون التي أطفأتها والأصابع التي بترتها، بل بما فتحته من أبواب لم يملك مخطّطوها مفاتيح إغلاقها.

عام 1948، قبل إعلان قيام إسرائيل بأحد عشر يوماً، قتلت منظمة «ليحي» الصهيونية الشاب البريطاني فرانسيس ريكس فاران، بعدما فتح طرداً مُفخّخاً أُرسل لاستهداف شقيقه الضابط روي فاران. أخطأ الطرد هدفه فقتل الشقيق الأصغر، في واحد من عشرات الطرود المُفخّخة التي استهدفت بها العصابات الصهيونية البريطانيين وغيرهم.

الحديث في الأثر القانوني لهذا النوع من الجرائم «سالب بانتفاء القانون»، ولن تغصّ «إسرائيل» بجريمة أخرى تضاف إلى سجلّها. لكنّ الكيان برّر تفجير آلاف أجهزة النداء في بيئات مدنية، بأنها تخصّ مقاتلين أو منضوين في حزب الله، حتى إن «المعهد الإسرائيلي للديمقراطية» اعتبر العملية «متناسبة في مجملها بالنظر إلى الميزة العسكرية الاستثنائية التي حقّقتها». وبات المحيط المتضرّر من نساء وأطفال خسائر جانبية لا يُعتدّ بها في ميزانها القانوني. حسنًا، لا بأس. سأفترض أن كل من حمل البايجر أو وقف بقربه فاعل في عمل المقاومة. فهل ستتوقف «إسرائيل» عن البكاء في المحافل الدولية والقانونية حين يطبّق أطفال البايجر الحكم نفسه عليها؟

في شرح رسمي لقانون خدمة الأمن الإسرائيلي لسنة 1986، الساري بتعديلاته، تقول وزارة الخارجية الإسرائيلية: «يقع واجب الخدمة النظامية على كل رجل لائق للخدمة، يُراوِح عمره بين 18 و29 عاماً، وعلى كل سيدة يُراوِح عمرها بين 18 و26 عاماً، عدا الأطباء… يسري القانون على مواطني إسرائيل في البلاد وخارجها، حتى حاملي جنسية إضافية والمقيمين بصورة دائمة في الخارج». هكذا ينتهي الاقتباس، ويترك الباقي لميزان «الميزة العسكرية الاستثنائية».

خلال إحياء ذكرى زئيف جابوتنسكي في 14 تموز 2026، استحضر نتنياهو عقيدة «الجدار الحديدي»، متوعّداً: «كل من يسيء تقدير تصميمنا سيدفع ثمناً باهظاً جداً».

حسناً، وفق بيانات شعبة إعادة التأهيل في وزارة الدفاع الإسرائيلية الصادرة سنة 2026، استقبلت الشعبة نحو 30 ألف مُصاب من جنود الجيش والأجهزة الأمنية منذ تشرين الأول 2023، يعاني 63% منهم من آثار نفسية. فيما سجّل الجيش الإسرائيلي سنة 2025 وحدها 22 حالة انتحار، وكشف تقرير للكنيست عن 279 محاولة انتحار بين كانون الثاني 2024 وتموز 2025. في المقابل، ربما كان أوّل من قدّم سردية رسمية للبايجر في المقاومة هو أصابع مبتورة تعانق زنادها في أولي البأس، وأخرى تغازل محلّقاتها في العصف المأكول، كردّ تكتيكي أولي.

في فلسفة الحرب يحدّثنا التاريخ أن كل جيش يغفل دقائق منطقة عملياته مصيره الهزيمة. بواقعية، اجتهد بنو صهيون في إحصاء أنفاس العالم، خصوصاً أعداءهم، أفراداً وتنظيمات ودولاً، وأبدعوا في علم البيانات كما لم يسبقهم إليه أحد. إلا دمنا، على قلوبهم أكنّة أن يفقهوه. ودمنا إن كتب بليغ، لن يفقه الصهاينة عقيدته قبل البايجر وبعده. دم حسيني لا نكبة فيه ولا نكسة. لقد أخطأ الصهاينة، كعادتهم، الأثر. سؤال الأطفال عن سر عيون آبائهم المُطفأة، ومجتمع بأمّه وأبيه يتذكر البايجر بالتأكيد، كما يتذكر بطله العباس منذ نحو أربعة عشر قرناً. كان البحث في إمكانية النسيان وارداً ربما بلا أثر حي. أمّا اليوم، وبعد حماقة البايجر، فلا يمكن لهذا المجتمع أن ينسى. بل هو من يريد أن يتذكر بالتأكيد. لكنّ السؤال الذي أغفله نتنياهو، وهو يلوح بجهازه منتشياً، هو كيف ستتذكرها «إسرائيل» بعد أن ينطفئ بريق العرض وتوضع العملية على ميزان نتائجها؟

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *