كتبت صحيفة “النهار”: إذا كانت الساعات الثماني والأربعين الأخيرة جعلت لبنان الرسمي والسياسي والشعبي ينشد أسوة ببلدان المنطقة، إلى متابعة ورصد نتائج الانتخابات الإسرائيلية تحسّباً لانعكاساتها على لبنان وملف الحرب والاحتلال والمفاوضات والسلاح الذي يشكّل أولوية الأولويات اللبنانية، فإن حال الترقّب الشاملة هذه لم تحل دون عودة تحرّك بعض جوانب المشهد الداخلي من حيث توقفت عنده أو جرى ترحيلها موقتاً استعداداً لإعادة المضي فيها.
ولكن ما تجدر الإشارة إليه في الترددات وردود الفعل اللبنانية حيال النتائج المعلنة حتى ليل أمس للانتخابات الإسرائيلية، هو أن الترقّب الصامت ظل السمة الغالبة على الأوساط الرسمية والسياسية، في انتظار ثبات مسار النتائج في مرحلة فرزها النهائية. وهو الامر الذي بدأ يرسم أمام لبنان احتساب الاحتمال المرجّح لعودة أو بقاء بنيامين نتنياهو على رأس الحكومة المقبلة إذا اقترنت النتائج الصادرة أمس بإمكان تكليفه بتشكيل الحكومة الأسبوع المقبل، مع كل ما يرتّبه هذا التطور من حسابات لبنانية حيال النقطة التي بلغتها المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المتعثرة، في ظل تعقيدات الاحتلال الإسرائيلي لـ”المنطقة الأمنية” في الجنوب وربط إنهائه بنزع سلاح “حزب الله”، كما حيال احتمالات تجدّد الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.
وثمة أوساط ديبلوماسية تشدّد على أن احتمال تكليف منافس نتنياهو، غادي آيزنكوت، بتشكيل الحكومة، ولو أن هذا الاحتمال تراجع، لن يبدّل فعلاً الكثير في حسابات لبنان، لأن آيزنكوت سيبدأ متشدداً في المسارات الأمنية المتّصلة بـ”أمن إسرائيل”، ولو أنه قد يبدي تمايزاً في أسلوب التعامل مع المفاوضات هنا وهناك.
الملفات الداخلية
في أي حال، فإن “الإجازة” السريعة التي أبعدت نسبياً الملفات الداخلية عن صدارة المشهد الداخلي، بدت كأنها انقضت وعادت مع الملف الأكثر سخونة وهو ملف إحالة المتفجرات العائدة لـ”حزب الله” التي ضبطت في ضهر البيدر، وتلك التي ضبطت أيضاً في منطقة القصر عند الحدود اللبنانية السورية على المجلس العدلي. ذلك إن الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء كانت أرجأت الإحالة بتوافق الرئاسات الثلاث، الأمر الذي دفع بوزراء “القوات اللبنانية” إلى الانسحاب من الجلسة في قصر بعبدا. ولكن تعليق المشكلة لم يطوها، إذ اتّخذ وزراء القوات الأربعة قراراً بالامتناع عن حضور جلسة لمجلس الوزراء بعد ظهر اليوم في السرايا الحكومية برئاسة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام مخصصة حصراً بملف معالجة النفايات.
وبرّر وزراء “القوات” عدم مشاركتهم في جلسة مجلس الوزراء اليوم بسبب اعتبارهم، أن موضوع النفايات، على أهميته، إنما جرى وضعه فجأة وجرى تالياً اختصار جدول الأعمال به، الأمر الذي يشكّل بحسب موقفهم هروباً من عقد جلسة للبحث في إحالة ملف المتفجرات التابعة لـ”حزب الله” على المجلس العدلي. ويشار في هذا السياق إلى أن رئيس الجمهورية جوزف عون التقى أمس وزير العدل عادل نصّار، وأفيد أنه عرض معه الواقع القضائي في البلاد، وعمل المؤسسات القضائية والمحاكم.
أما في صورة المواقف من الواقع اللبناني، فشدّد الرئيس عون على أنه “لا يمكن حلّ مشاكل لبنان إلا عبر اعتماد لغة التروّي والحوار، بعيداً عن التصادم”. كما أكد خلال لقائه خمسة نواب فرنسيين من مجموعة دراسات مسيحيّي الشرق، أن “لبنان متمسّك ببقاء قوات “اليونيفيل” في الجنوب، أو بإحلال قوات أوروبية مكانها، تكون نواة لقوات من دول صديقة ترغب في مساعدة لبنان والمساهمة في تحقيق الأمن والاستقرار في الجنوب”. وأكد “أن لا حلول آمنة ومستدامة من خلال الحرب، بل من خلال التفاوض الديبلوماسي، لأنّ الحروب لا يمكن أن تحقّق أيّ نتيجة عملية، بل تدمّر وتشرّد وتخلّف قتلى وجرحى، ولا تنهي الصراعات”. وقال: “وحده التفاوض الديبلوماسي يمكن أن يحقّق الأمان للدول والشعوب”. وأكد أن “الدولة ساهرة على سلامة أبناء القرى الجنوبية الحدودية الصامدين في منازلهم وممتلكاتهم، وتعمل مع المنظمات الإنسانية و”اليونيفيل” والجيش اللبناني على تأمين كلّ مقوّمات الصمود الصحية والتربوية والغذائية لهم، إلى حين زوال الاحتلال الإسرائيلي”.
من جهته، أكد رئيس الحكومة نواف سلام خلال افتتاح النسخة الثانية من معرض الصناعة الوطنية 2026، “أن لا استقرار مستداماً من دون أمن مستدام. فالأساس لذلك كان ويبقى قيام الدولة ببسط سلطتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصراً. وهو ما اتفقنا عليه جميعاً عندما جددنا عقدنا الوطني في اتفاق الطائف. ونحن نبقى ملتزمين بذلك، ولن نتراجع عن هذا الهدف لأنه الشرط الضروري لاستعادة الدولة لدورها، بل لوجودها. وهذا مهما صعبت التحديات. ولن نستسلم طبعاً أمام العقبات التي تواجهنا أيّاً كان مصدرها”.
واطلع وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي الوفد النيابي الفرنسي على الجهود الديبلوماسية المبذولة لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية. وشدّد على “أهمية القرارات الجريئة التي اتخذتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها”، مؤكداً أنّ “هذه القرارات لا تأتي إرضاءً لأي جهة، بل تعبّر عن خيار وطني ببناء الدولة وتكريس حقها الحصري في امتلاك السلاح واحتكار قرار الحرب والسلم. وتناول اللقاء أوضاع القرى المسيحية في الجنوب والتحديات التي تواجه أبناءها، ودعا رجي إلى دعم هذه القرى لتمكين أهلها من الصمود والبقاء في أرضهم، وأكد أنّ استمرار حضورهم فيها ركيزة أساسية للحفاظ على التعددية والتنوّع اللذين يتميّز بهما لبنان”.
في المقابل، أصدر الأمين العام لـ”حزب الله” الشيخ نعيم قاسم بياناً كرر فيه مواقف الحزب التصعيدية من “استمرار المقاومة بشرعية حق المقاومة وما كفله دستور الطائف”، وأكد أنها ستواجه العدوان عليها وعلى لبنان ولا محل للنقاش حول سحب سلاحها ما دام الاحتلال موجوداً وعدوانه مستمرا”. واعتبر أن “لا شرعية لاتفاق الإطار لمخالفته الدستور والطائف والقوانين وخطاب القسم وبيان الحكومة”، مشدداً على “أننا نهتم باتفاق إيران أميركا لأنه مصدر القوة الوحيد المتاح إلى جانب صمود المقاومة وشعبنا”. وقال: “لا يعنينا من يحكم الكيان الإسرائيلي الغاصب، لكن فليعلم أنه لن يتمكن من الاستمرار في احتلاله وعليه أن يخرج من أرضنا”.
وزارة الإعلام اللبنانية