كتبت صحيفة “الجمهورية”: فيما تنشط التحضيرات لاجتماعات «المسار الأمني» المقرّر في البنتاغون في 29 من الجاري، وفي ظل الحديث عن تحضير «إعلان نيات» بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، ظلّت أمس الهدنة الممدّدة، قيد الاختراق الإسرائيلي قصفاً وقتلاً وتدميراً في جنوب الليطاني وشماله، من دون أن يلوح في الأفق أي مؤشر إلى تدخّل أميركي للجم إسرائيل، فيما تصاعدت المخاوف من تدهور الوضع في حال حصول أي تصعيد على الجبهة الأميركية ـ الإيرانية، التي تتأرجح بين هبّة باردة وأخرى ساخنة، نتيجة تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتناقضة، وما سُرّب من أنّ اتصاله الأخير برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بسبب خلاف بينهما حول إيران.
كشف مصدر ديبلوماسي مطّلع لـ«الجمهورية»، أنّ مسودة يجري تداولها في الكواليس السياسية والديبلوماسية، تتضمّن ما يشبه «إعلان نيات» بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية مباشرة وبدفع من إدارة الرئيس دونالد ترامب، في إطار مسار يُفترض أن يقود إلى اتفاق شامل ينهي حالة النزاع القائم بين البلدَين.
وبحسب المصدر، فإنّ «المسودة تنطلق من تثبيت مبدأ التزام الحكومتَين اللبنانية والإسرائيلية، العمل على التوصّل إلى تفاهم شامل يؤسّس لعلاقات مستقرة وسلمية، بالتوازي مع إعادة تثبيت السيادة اللبنانية الكاملة على كل الأراضي اللبنانية، ضمن مقاربة تعتبر أنّ أي تسوية مستقبلية يجب أن تضمن حق كل من لبنان وإسرائيل بالعيش بأمن وسلام ضمن الحدود المعترف بها دولياً».
وأشار المصدر إلى «أنّ النص المقترح يتضمّن بنداً تعتبره الجهات الراعية أساسياً، ويتمثل في تأكيد إسرائيل احترامها الكامل لسيادة لبنان ووحدة أراضيه، مع التزام واضح بالانسحاب من جميع الأراضي اللبنانية، والتخلّي عن أي مشاريع أو طموحات ذات طابع توسعي. وفي المقابل، يشدّد الجانب اللبناني، وفق المسودة، على التزام الدولة اللبنانية استعادة وممارسة سلطتها الكاملة على أراضيها، وتكريس احتكار الدولة للسلاح واستخدام القوّة، فتتولّى القوات المسلحة اللبنانية وحدها المسؤوليات الأمنية والعسكرية، من دون أي دور عسكري أو أمني لأي مجموعات مسلحة غير حكومية على الأراضي اللبنانية».
ولفت المصدر، إلى أنّ إحدى أبرز النقاط الواردة في المشروع تتعلّق بالترتيبات الميدانية في الجنوب، إذ تنصّ المسودة على تسليم الجيش الإسرائيلي الأراضي اللبنانية التي لا تزال محتلة إلى الجيش اللبناني، الذي سيتولّى المسؤولية الأمنية الكاملة بالتزامن مع إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة، تسمح بعودة النازحين اللبنانيّين إلى قراهم ومناطقهم الجنوبية ضمن بيئة آمنة وخاضعة كلياً لسلطة الدولة اللبنانية، على أن يُتفق، برعاية أميركية، على الآليات التنفيذية والجداول الزمنية الخاصة بهذه العملية.
وفي السياق نفسه، أوضح المصدر أنّ «الولايات المتحدة وشركاءها الدوليّين سيتولّون دعم برنامج واسع لتدريب وتجهيز الجيش اللبناني».
وفي ما خصّ قوات الطوارئ الدولية (اليونيفيل)، كشف المصدر أنّ المسودة تتعامل مع انتهاء ولاية «اليونيفيل» في 31 كانون الأول 2026 باعتباره أمراً محسوماً وفق قرار مجلس الأمن الدولي، من دون أي توجّه إلى التمديد أو التجديد، على أن تدرس بداية من الأول من حزيران خيارات بديلة للمساعدة الأمنية وآليات المراقبة بعد انسحاب القوة الدولية، وهنا يأتي اقتراح القوات الأوروبية ـ العربية (مصر وفرنسا وألمانيا وإيطاليا أبدت استعدادها).
كما تتضمّن الورقة، بحسب المصدر نفسه، شقاً اقتصادياً ومالياً واسعاً، إذ تنص على جمع الولايات المتحدة للشركاء الدوليين لدعم الحكومة اللبنانية في مشاريع إعادة الإعمار وإصلاح البنية التحتية وإنعاش الاقتصاد اللبناني، بالإضافة إلى إطلاق برامج استثمارية ومساعدات إنسانية وخطط للتعافي الاقتصادي، بما يسمح بإخراج لبنان من تداعيات سنوات الحرب والأزمات المتراكمة.
وأكّد المصدر، أنّ المسودة تنص بوضوح على إجراء مفاوضات مباشرة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية بوساطة وتسهيل أميركي، على أن تستمر هذه المفاوضات «بحسن نية» إلى حين التوصّل إلى اتفاق سلام شامل، يؤمّن الأمن والاستقرار والازدهار للطرفَين.
استعادة الثقة
وفي هذه الأجواء، شدّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال استقباله أمس أعضاء الهيئة العامة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، على ضرورة استعادة الثقة بلبنان كما على أهمية الإصلاح «الذي يبدأ من الداخل لا من الخارج»، معرباً عن الامل في أن تنتهي الأزمة الراهنة وتنتهي معها معاناة اللبنانيين، ولا سيما أهلنا في الجنوب، لإعادة وضع لبنان على السكة الصحيحة». وقال: «الإصلاح يبدأ من الداخل لا من الخارج، ولبنان غني بطاقاته البشرية في الداخل والخارج على حدّ سواء، ومن الأهمية بمكان تفعيل هذه الطاقات وإعطاؤها الفرص المناسبة»، معتبراً انّ الأزمة القائمة لا يمكن تلخيصها بأنّها أزمة اقتصادية فحسب، بل هي أزمة ثقة بين الدولة والشعب، وبين لبنان والخارج». وقال: «لا خوف على لبنان الغني بقدراته وثروته البشرية والفكرية التي لا تنضب، فاللبناني خلاّق ولا ينحني. وإذا ما انحنى قليلاً فهو لا ينكسر بل يعود ليقف من جديد». وإذ شدّد على أهمية وجود إرادة سليمة، فإنّه اعتبر «انّه لو وُجدت كل ثروات العالم في أرضنا ولم تكن هناك إرادة سليمة فإنّه سيكون من المستحيل الاستثمار في هذه الثروات. إذ ليس هناك من بلد مفلس او غني او فقير، بل هناك بلد أساءت الدولة إدارة مقدّراته، وهذا هو الواقع اللبناني». واكّد مواصلة جهوده من أجل إعادة فتح الأسواق العربية ولا سيما الخليجية، امام المنتجات اللبنانية، موضحاً، في هذا الإطار، «اننا نعمل من اجل استعادة الثقة التي تعرّضت للاهتزاز بسبب عدة عوامل في الفترة الماضية».
مذكرة
ومن جهة أخرى، توجّهت كتلة «الوفاء للمقاومة» النيابية بمذكرة حول العدوان الإسرائيلي على لبنان إلى الحكومات العربية والأجنبية عبر سفاراتها في لبنان، شرحت فيها كيف انّ إسرائيل لم تلتزم اتفاق وقف النار المعلن في 27 تشرين الثاني 2024. وقالت «إنَّ ما تعرَّض له بلدنا من قتل وتدمير من قبل جيش الاحتلال هو جرائم مخطَّط لها مسبقًا، تهدف إلى الاستيلاء على جزء من أراضيه مع دعوات من بعض مسؤوليه إلى إقامة مستوطنات عليها، وقيام جماعات استيطانيَّة بخرق الحدود (…) وجميع هذه الأفعال الجرمية تتمّ بإعلانات رسميَّة صدرت عن نتنياهو، ووزير ماليته ووزير حربه، وتضمَّنت الآتي:
ـ إقامة منطقة عازلة جنوب الليطاني.
ـ جعل حدود «دولة إسرائيل» على نهر الليطاني.
ـ تدمير القرى الحدودية وتجريفها بالكامل.
ـ طرد السكان المدنيين ومنعهم من العودة إلى بيوتهم». وأضافت: «مطلبنا كلبنانيين ومطلب كلِّ حريص على سيادة بلده واستقلاله وحرِّيته، هو وقف كلِّ أشكال الاعتداء على سيادتنا الوطنيّة في الجو والبر والبحر، وايقاف الأعمال العدائية بما فيها:
ـ عمليات اغتيال المواطنين واستهداف البنى المدنيّة من مساكن ومؤسَّسات عامَّة وخاصَّة.
ـ انسحاب جيش العدو الإسرائيلي من أرضنا حتّى الحدود المعترف بها دوليًّا.
ـ عودة السكان إلى قراهم وإعادة إعمارها.
ـ اطلاق سراح المعتقلين من سجون الاحتلال».
بريطانيا
وفي المواقف الدولية، أكّدت المتحدثة باسم الحكومة البريطانية لـ«التلفزيون العربي»، أنّ لندن تواصل جهودها الديبلوماسية لإحلال السلام في لبنان، معتبرة أنّ «هدم البنى المدنية في جنوب لبنان يقوّض جهود السلام» ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي. ووصفت الوضع في لبنان بـ«المأسوي»، مشيرة إلى أنّ المفاوضات الجارية مع إسرائيل تُعدّ «تاريخية»، في ظل المساعي الدولية لاحتواء التصعيد ومنع توسّع الحرب.
تأجيل قانون العفو
من جهة ثانية، وعلى صعيد مشروع قانون العفو العام، أرجأ رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة النيابية العامة التي كانت مقرّرة اليوم، بسبب التحريض الطائفي والمذهبي الذي أعقب إقرار هذا المشروع في اللجان النيابية المشتركة أمس الاول.
وقال المكتب الإعلامي لبري في بيان أصدره أمس، الآتي: «لما كان القصد لاقتراح قانون العفو، وتخفيض بعض العقوبات بشكل إستثنائي يرمي لإعادة الاعتبار لمبدأ العدالة بوصفه ركناً من اركان الدولة القانونية وضمانة حرّية الأفراد، سيما أنّ الوضع في السجون اتسم بتأخير مزمن في إصدار الأحكام الجزائية، وبالرغم من الجهود التي قامت بها دوائر المجلس النيابي واللجان المشتركة للتوصل إلى توافق وطني يكون علامة جمع، في وطن أحوج ما يكون به للتضامن والتوافق، غير أنّ الذي جرى وشوهد في أكثر من منطقة مترافق مع تحريض، ويا للأسف طائفي ومذهبي، تقرّر تأجيل جلسة الغد إلى موعد آخر شعاره التوافق».
وفي هذا الإطار، قال مصدر نيابي لـ«الجمهورية»، إنّ ملف العفو العام كان بمثابة «بازار سياسي وطائفي للمزايدات والمقايضات، ربما بتأجيل جلسة إقراره سيكون من الصواب إعادة النظر فيه كاملاً، إذ يتضمّن أكثر من 100 اسم من أخطر المجرمين الذين مرّوا على تاريخ لبنان، ممّا يهدّد الاستقرار لو خرجوا أو لم يخرجوا. فقد جرت محاولات نيابية للالتفاف على المادة الثانية باقتراح القانون المتضمّنة الاستثناءات التي لن يشملها، عبر التلاعب بالمادة الثالثة بخفض السنوات السجنية واستبدال الأحكام بأخرى مخفّفة قياساً على مصلحة فئات معيّنة. فهل من المنطقي في بلد ينوي إعادة بناء دولته ومؤسساته وبسط سيادة قواه الأمنية الشرعية على كل أراضيه، أن يشرّع الإفلات من العقاب تحت حجج غير منطقية؟».
واضاف المصدر: «ممّا لا شك فيه أنّ بعض الموقوفين مظلومون أو ربما يستحقون تخفيف عقوباتهم وحتى تحريرهم، نتيجة اكتظاظ السجون وتأخّر القضاء في المحاكمات، وإنّ بعضها غير عادل، إلّا أنّه لا يجدر تعريض الأمن القومي اللبناني لخطر تحرير مَن خطّطوا وموَّلوا وفجَّروا وقتلوا الجيش اللبناني واللبنانيّين، إن كانوا لبنانيّين أو أجانب». معدّداً سلاسل من التفجيرات التي هزّت لبنان، تزامناً مع أحداث الضنية ومعركتي نهر البارد وعرسال وحتى في معركة عبرا. ولفت المصدر إلى ضرورة عدم إيقاف استثناء مَن هم متهمون بالإرهاب ومحكومون بهذه الجرائم من الخروج، بل يجب ألّا يخرج تجار المخدرات والمصنّعون الكبار، فهؤلاء لا يمكن أن «نساويهم بالمزارعين والمتهم بإطلاق نار عادي والجرائم الصغرى. كما أنّه لا يمكن التساهل في ما يتعلّق بتهم العمالة، وهنا يمكن اللجوء إلى القانون 194/2011 (الذي وافق عليه «حزب الله» وحركة «أمل») لإصدار مراسيمه التطبيقية، لأننا حتى لو عقدنا اتفاق سلام مع إسرائيل وأُلغي قانون مقاطعة إسرائيل، فإنّنا لا يمكن التهاون في مسألة تقديم معلومات أمنية وعسكرية لأي دولة»، مشيراً إلى ضرورة التمييز بين مَن لجأ إلى إسرائيل من صغار وعائلات، ومَن قدّم معلومات وساهم في قتل لبنانيّين».
وأكّد المصدر النيابي نفسه، أنّ «البعض يقارن بين المساجين في لبنان وبين الذين سلّمتهم الدولة اللبنانية إلى سوريا، محاولين الإيحاء بأنّ هؤلاء أصبحوا أحراراً طليقين، لكنّ الواقع ليس كذلك، لأنّ المساجين المسلّمين إلى سوريا سيقضون عقوباتهم في السجون السورية بموجب الاتفاقية بين الدولتَين». واشار إلى ضرورة النظر في إفادة مَن هم مظلومون حقاً وهم «العسكريون في الجيش والمتقاعدون والجامعة اللبنانية والمدارس والثانويات الرسمية، الذين ينتظرون جلسة تشريعية تفتح إعتمادات ليتقاضوا حقوقهم التي وعدوا بها منذ ما قبل الحرب الأخيرة. وهم الآلاف من الشعب اللبناني من كل الطوائف والمناطق اللبنانية، خصوصاً من الشمال والجنوب والبقاع. لذا، فإنّ الأولوية لإنصاف وتحصين مؤسساتنا الرسمية والقضائية أولاً، ودعم العاملين فيها ليثبتوا وجود الدولة القادرة والعادلة».
وزارة الإعلام اللبنانية