كتبت الدكتورة مخزوم مقالا على الموقع الالكتروني لوزارة الاعلام، تحت عنوان “سيادة البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي: لماذا أصبحت البيانات قضية سيادة وطنية وليست مجرد مورد رقمي؟”، واعتبرت فيه ان معركة الدول في القرن الحادي والعشرين لم تعد تدور فقط حول من يمتلك النفط أو الغاز أو المعادن النادرة، بل أصبحت تدور حول من يمتلك البيانات، ومن يستطيع تحويلها إلى معرفة وقوة وتأثير. فبينما كانت الحدود الجغرافية لعقود طويلة عنوانًا أساسيًا لمفهوم السيادة، بدأت الحدود الرقمية تفرض نفسها باعتبارها مساحة جديدة تُختبر فيها قدرة الدول على حماية قرارها السياسي والاقتصادي والمعرفي ، وجاء في المقال:

لم تعد معركة الدول في القرن الحادي والعشرين تدور فقط حول من يمتلك النفط أو الغاز أو المعادن النادرة، بل أصبحت تدور حول من يمتلك البيانات، ومن يستطيع تحويلها إلى معرفة وقوة وتأثير. فبينما كانت الحدود الجغرافية لعقود طويلة عنوانًا أساسيًا لمفهوم السيادة، بدأت الحدود الرقمية تفرض نفسها باعتبارها مساحة جديدة تُختبر فيها قدرة الدول على حماية قرارها السياسي والاقتصادي والمعرفي.
لقد جاء الذكاء الاصطناعي ليُسرّع هذا التحول بصورة غير مسبوقة. فهو لم يقدم أدوات تقنية أكثر تطورًا فحسب، بل أعاد تعريف مصادر القوة ذاتها. فالقوة في العصر الرقمي لم تعد مرتبطة فقط بحجم الاقتصاد أو امتلاك الموارد الطبيعية، وإنما بقدرة الدولة على إنتاج المعرفة، وإدارة المعلومات، والتحكم في البيانات التي أصبحت المادة الخام التي تقوم عليها الخوارزميات الحديثة.
ولهذا، فإن وصف البيانات بأنها “النفط الجديد” قد يكون صحيحًا من زاوية معينة، لكنه لا يعكس حقيقتها كاملة. فالنفط مورد طبيعي يخضع لمنطق الاستخراج والاستهلاك، أما البيانات فهي مورد يتضاعف أثره كلما جرى تنظيمه وتحليله وربطه ببيانات أخرى. إنها ليست مجرد أرقام محفوظة في خوادم إلكترونية، بل هي صورة متكاملة عن المجتمعات والأفراد والاقتصادات والأنماط السلوكية، وهي بذلك أصبحت عنصرًا استراتيجيًا يدخل في صميم الأمن القومي والتنمية وصناعة القرار.
من هنا يبرز مفهوم سيادة البيانات باعتباره أحد المفاهيم الأكثر أهمية في النقاش العالمي حول مستقبل الدولة الرقمية. والمقصود به قدرة الدولة على إدارة البيانات التي تُنتج داخل نطاقها، ووضع الأطر القانونية والتنظيمية التي تحدد كيفية جمعها وتخزينها ومعالجتها واستخدامها، بما يضمن حماية مصالحها الوطنية وحقوق مواطنيها.
ولا ينبغي الخلط بين سيادة البيانات ومفاهيم أخرى قريبة منها. فحماية البيانات ترتبط بالجانب الأمني والتقني، أي منع الاختراق أو سوء الاستخدام، بينما تركز الخصوصية على حق الفرد في التحكم بمعلوماته الشخصية. أما السيادة الرقمية فهي مفهوم أوسع يتعلق بقدرة الدولة على امتلاك أدواتها وبنيتها التكنولوجية المستقلة. وفي هذا الإطار، تمثل سيادة البيانات أحد أهم أعمدة السيادة الرقمية، لأنها تتعلق بالمورد الذي يغذي الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي معًا.
لقد تغيرت طبيعة الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة. فلم تعد القيمة الاقتصادية تُقاس فقط بحجم الإنتاج الصناعي أو امتلاك الموارد الطبيعية، بل بامتلاك القدرة على جمع البيانات وتحليلها وتحويلها إلى قرارات وخدمات وابتكارات. فكل عملية بحث إلكتروني، وكل معاملة مالية، وكل استخدام لمنصة رقمية، وكل تفاعل عبر الهاتف الذكي، ينتج بيانات يمكن أن تتحول إلى معرفة ذات قيمة اقتصادية وسياسية.
لكن القيمة الحقيقية للبيانات لا تكمن في حجمها فقط، بل في القدرة على فهمها واستثمارها. فالمعلومة غير المحللة تبقى مجرد سجل، أما عندما تُدمج مع تقنيات الذكاء الاصطناعي فإنها تصبح أداة للتنبؤ وصناعة القرار. ولهذا السبب، فإن المنافسة العالمية اليوم ليست فقط بين من يطور أفضل الخوارزميات، بل بين من يمتلك البيانات الأكثر جودة وتنوعًا وقدرة على استخدامها بصورة استراتيجية.
وهنا تظهر العلاقة الجوهرية بين البيانات والذكاء الاصطناعي. فالأنظمة الذكية، مهما بلغت درجة تطورها، لا تستطيع تقديم نتائج موثوقة إذا اعتمدت على بيانات ناقصة أو منحازة أو محدودة. فالذكاء الاصطناعي لا يعمل في الفراغ، بل يتعلم من البيانات التي تُغذيه. ولذلك، فإن الدول التي تمتلك قواعد بيانات قوية، وبنية رقمية متقدمة، وقدرات بشرية متخصصة، تمتلك فرصة أكبر في قيادة التحولات القادمة، بينما قد تجد الدول التي تستهلك التكنولوجيا فقط نفسها في موقع المتلقي بدلًا من موقع المنتج والمبتكر.
إن الخطأ الذي تقع فيه بعض الدول هو التعامل مع البيانات باعتبارها نتيجة جانبية للتحول الرقمي، بينما تنظر إليها القوى العالمية باعتبارها أصلًا سياديًا لا يقل أهمية عن الموارد التقليدية. فالبيانات اليوم أصبحت جزءًا من القدرة على فهم المجتمع، وإدارة الاقتصاد، وتطوير الخدمات، والتنبؤ بالأزمات، وحتى تعزيز الأمن الوطني.
ولهذا السبب تحديدًا، أصبحت سيادة البيانات قضية أمن قومي. فالبيانات المرتبطة بالبنية التحتية، والقطاع الصحي، والمؤسسات المالية، والطاقة، والتعليم، والاتصالات، تكشف الكثير عن طبيعة الدولة وقدراتها وتحدياتها. وإذا أصبحت هذه البيانات خاضعة بالكامل لجهات خارجية، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمسألة تقنية، بل بقدرة الدولة على حماية معلوماتها الاستراتيجية وضمان استقلال قرارها.
لقد انتقلت الصراعات الحديثة إلى فضاء جديد لا تُستخدم فيه الجيوش فقط، بل تستخدم فيه المعلومات والخوارزميات والقدرة على التأثير الرقمي. ولذلك فإن حماية البيانات لم تعد قضية تخص خبراء التكنولوجيا وحدهم، بل أصبحت قضية سياسية واستراتيجية تمس مستقبل الدول.
ولا يقتصر أثر سيادة البيانات على الأمن، بل يمتد إلى الاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة العامة. فالدول التي تمتلك منظومات بيانات متقدمة تستطيع تطوير خدمات صحية أكثر دقة، وبناء أنظمة تعليمية تستجيب لحاجات المتعلمين، وتحسين إدارة المدن، واتخاذ قرارات حكومية قائمة على الأدلة بدلًا من التقديرات العامة.
وفي المقابل، يفرض الاعتماد المتزايد على الشركات التقنية العالمية تحديات جديدة أمام مفهوم السيادة الوطنية. فالكثير من البيانات الحكومية والتجارية وحتى الشخصية تُخزن في مراكز بيانات تقع خارج الحدود الوطنية، وتخضع أحيانًا لتشريعات دول أخرى أو لسياسات شركات عابرة للقارات. وهذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا: من يمتلك البيانات فعليًا؟ ومن يملك حق التحكم في استخدامها؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تصبح هذه البيانات جزءًا من صراع اقتصادي أو سياسي؟
لا يعني ذلك أن الانفتاح على الشركات العالمية يمثل خطرًا بحد ذاته، فالتكنولوجيا الحديثة قائمة على التعاون والتبادل، لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الاعتماد إلى تبعية، وعندما تصبح الدولة عاجزة عن إدارة بياناتها أو ضمان أمنها أو تطوير بدائل وطنية. فالاستقلال الرقمي لا يعني الانغلاق، بل يعني امتلاك القدرة على الاختيار.
وقد أدركت العديد من الدول هذه الحقيقة مبكرًا. ففي الاتحاد الأوروبي، لم تعد قضية البيانات مجرد ملف تقني، بل أصبحت جزءًا من مشروع أوسع يتعلق بالسيادة الرقمية وحماية الحقوق الفردية وبناء اقتصاد رقمي قادر على المنافسة. لذلك اتجه إلى تطوير منظومة تشريعية متقدمة تنظم استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي، بهدف تحقيق توازن بين الابتكار وحماية المجتمع.
أما الصين، فقد تعاملت مع البيانات باعتبارها موردًا استراتيجيًا مرتبطًا بالأمن والتنمية، ووضعت سياسات صارمة لتنظيم تدفق البيانات داخل وخارج حدودها. ورغم اختلاف النموذج الصيني عن النموذج الأوروبي، فإن القاسم المشترك بينهما هو إدراك أن السيطرة على البيانات أصبحت جزءًا من قوة الدولة.
وفي المنطقة العربية، بدأت بعض الدول خطوات متقدمة في هذا المجال. فقد جعلت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية الذكاء الاصطناعي والبيانات محورًا أساسيًا في استراتيجيات التحول الوطني، من خلال الاستثمار في البنية التحتية الرقمية، ومراكز البيانات، وتطوير الكفاءات البشرية، وبناء منظومات حكومية تعتمد على البيانات في اتخاذ القرار. كما قدمت سنغافورة نموذجًا مهمًا في الجمع بين التشريعات المرنة، والثقة الرقمية، والاستثمار في الابتكار.
أما في لبنان والعالم العربي، فما زالت الفجوة بين الطموح والواقع واضحة. فالمشكلة لا تكمن في غياب الكفاءات، فالعقول العربية واللبنانية أثبتت حضورها في كبرى المؤسسات التكنولوجية العالمية، بل في غياب مشروع وطني متكامل ينظر إلى البيانات باعتبارها أصلًا استراتيجيًا.
ولا تزال العديد من الدول العربية تواجه تحديات متعددة، منها ضعف التشريعات الخاصة بالبيانات، وتشتت البنية الرقمية، ومحدودية الاستثمار في البحث والتطوير، وهجرة الكفاءات المتخصصة، والاعتماد الكبير على المنصات الأجنبية في تقديم الخدمات الرقمية. وهذه التحديات لا يمكن معالجتها بحلول تقنية منفصلة، بل تحتاج إلى رؤية سياسية واقتصادية وتعليمية متكاملة.
في لبنان تحديدًا، يمكن أن تشكل الجامعات نقطة انطلاق أساسية لبناء هذه الرؤية. فالجامعات لا تملك فقط القدرة على تخريج المتخصصين في علوم البيانات والذكاء الاصطناعي، بل تستطيع أيضًا أن تكون مراكز لإنتاج المعرفة والسياسات الرقمية. إن ربط البحث العلمي بحاجات الدولة والاقتصاد، وتعزيز الشراكة بين الجامعات والقطاع الخاص والمؤسسات العامة، يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو بناء منظومة وطنية للبيانات.
إن بناء سيادة بيانات وطنية لا يتحقق بقانون واحد أو مشروع تقني منفرد، بل يحتاج إلى استراتيجية طويلة الأمد تقوم على تحديث التشريعات، وإنشاء بنية تحتية رقمية آمنة، وتطوير مراكز بيانات وطنية، وتعزيز الأمن السيبراني، والاستثمار في الحوسبة السحابية، وتنمية رأس المال البشري، وتشجيع الابتكار في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات.
إن القضية في جوهرها ليست أين تُخزن البيانات فقط، بل من يملك القدرة على فهمها وتحويلها إلى قيمة. فالدولة التي لا تملك بياناتها، ولا تتحكم في تدفقها، ولا تستثمرها بطريقة مسؤولة، ستجد نفسها مع مرور الوقت أقل قدرة على المنافسة وأكثر اعتمادًا على الآخرين في صناعة قراراتها.
لقد أعاد الذكاء الاصطناعي تعريف مفهوم القوة، وسيعيد خلال السنوات المقبلة تعريف مفهوم السيادة أيضًا. ففي القرن العشرين كانت السيطرة على الموارد الطبيعية أحد عناصر القوة الأساسية، أما في القرن الحادي والعشرين فستصبح القدرة على إنتاج البيانات وحمايتها وتحليلها وتحويلها إلى معرفة وابتكار معيارًا جديدًا لقياس قوة الدول.
وربما يكون السؤال الأهم الذي سيحدد مكانة الدول في المستقبل ليس: من يمتلك التكنولوجيا؟ بل: من يمتلك البيانات التي تصنع هذه التكنولوجيا؟
فالسيادة الوطنية لم تعد تُرسم فقط على الخرائط، بل تُبنى أيضًا داخل مراكز البيانات، وفي الخوارزميات، وفي القدرة على اتخاذ القرار المستند إلى المعرفة. والدول التي تدرك هذه الحقيقة اليوم لن تكون فقط أكثر استعدادًا لعصر الذكاء الاصطناعي، بل ستكون الأكثر قدرة على المشاركة في صياغة قواعده، بدل الاكتفاء بالتكيف معها.
وزارة الإعلام اللبنانية