كتبت صحيفة “الجمهورية”: وسّعت الإعتداءات الإسرائيلية على المناطق الجنوبية التي تكثفت بشكل ملحوظ منذ بداية الشهر الجاري، مساحة الاحتمالات الحربية، وتتقاطع تقديرات المتابعين والمحللين وترجيحاتهم على رسم صورة قاتمة وقلقة، مما تختزنه المرحلة المقبلة من تطورات، ولاسيما أنّ هذا التوتير يتزامن مع المساعي الجارية لعقد جولة جديدة من المفاوضات المباشرة في روما، في وقت لاحق من الشهر الجاري. كما يتزامن مع الحديث المتزايد في الأوساط السياسية والديبلوماسية المحلية والخارجية، عن موجة تصعيد حربي، تحضّر لها حكومة بنيامين نتنياهو، بالتزامن مع السباق المحتدم داخل إسرائيل، عشية انتخابات الكنيست المقرّرة في 27 تشرين الاول المقبل.
عون: استهداف «الإطار»
إزاء ذلك، أكّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، «انّ ما تقوم به إسرائيل من اعتداءات متتالية وقتل أبرياء وأطفال ونساء وتدمير وحرق منازل وجرف ممتلكات، جرائم مدانة ومرفوضة وغير مبرّرة، وهي تستهدف مسار صيغة الإطار، وتقوّض كل الجهود المبذولة لوقف التصعيد في الجنوب والمنطقة ككل».
وشدّد خلال استقباله وزير العدل الفرنسي جيرار دارمانين (الذي زار ايضاً رئيس مجلس النواب نبيه بري) على «انّ لبنان مع التجديد للقوة الدولية في الجنوب. ونسعى مع الرئيس ماكرون من أجل تسهيل التجديد»، مرحّباً بـ«المبادرة الفرنسية والإيطالية لتشكيل قوة أوروبية تملأ الفراغ بعد انسحاب «اليونيفيل». وقال: «زيارتي الأسبوع المقبل إلى باريس للمشاركة إلى جانب الرئيس ماكرون، في افتتاح الاجتماع التحضيري للمؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الامن الداخلي، وبحث موضوع القوة الدولية في الجنوب».
المر في بعبدا
واستقبل رئيس الجمهورية أيضاً نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية والدفاع السابق الياس المر، حيث جرى عرض لأبرز المستجدات المحلية والإقليمية.
وقال الرئيس المر بعد اللقاء: «أكّدنا دعم مسار التفاوض الذي يقوده فخامة الرئيس عون، باعتباره الخيار الوحيد والأفضل المتاح أمام لبنان. فتموضع لبنان على طاولة المفاوضات هو استعداد للمرحلة المقبلة التي ستعيد رسم ملامح المنطقة بأكملها».
وانتقد المر «التخوين والشيطنة والانتقاد من دون تقديم بدائل»، معتبرًا «أنّ مَن يعترض على المسار القائم يستطيع أن يعلن عدم موافقته، لكن عليه أن يطرح بديلًا قادرًا على تحقيق نتائج للبلد. أما الانتقاد لمجرد الانتقاد والتخوين لمجرد التخوين، فيلحقان الضرر بأصحابهما وبالبلد».
وشدّد الرئيس المر على «أنّ خيار لبنان على الصعيد الخارجي هو الاستمرار في التواصل والتفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية وحلفائه في المنطقة»، موضحًا أنّ «التفاوض العسكري الجاري مع إسرائيل يشكّل ملفًا تقنيًا منفصلًا، ينبغي انتظار نتائجه، وإن لم يُثمر حتى الآن». معتبراً «أنّ هذا المسار قد لا يحقق نتائج، لكن أهميته، في هذه الحال، تصبح محدودة أمام أهمية حضور لبنان على الطاولة مع الولايات المتحدة والغرب ودول الخليج ومصر وتركيا وسائر الدول الفاعلة في المنطقة، مؤكّدًا أنّ هذا الحضور هو الأساس في الاستعداد للمرحلة المقبلة».
وكان الرئيس عون وفي اتصال مع رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد ال نهيان ، قد شكره على «الاهتمام الذي تبديه دولة الإمارات العربية المتحدة بحاجات لبنان على مختلف الأصعدة، وبالدعم الذي تقدّمه، للتخفيف من معاناة اللبنانيين في هذه الظروف الصعبة التي يمرّ فيها لبنان».
حالة حرب
جنوباً، حالة حرب حقيقية، تفرضها إسرائيل في المنطقة الجنوبية، بالغارات الجوية والقصف المدفعي والصاروخي والنسف المتواصل للقرى والبلدات الجنوبية وتدميرها بشكل كامل، والمجازر الفظيعة بحق المدنيين، على ما حصل فجر أمس في بلدة كفر رمان، حيث أُبيدت عائلة بكاملها جلّها من الأطفال. وأعلن مركز عمليّات طوارئ الصحة التابع لوزارة الصحة العامّة، في بيان، أنّ «اعتداءات العدو الإسرائيلي في الأيّام الثّلاثة الماضية، أدّت في حصيلة غير نهائيّة، إلى سقوط 27 شهيدًا و69 جريحًا، من بينهم أطفال وسيّدات ومسعفون؛ بينهم 12 شهيدًا و10 جرحى باستهداف أحد المنازل في كفر رمان، وأمس الاول الاحد 6 أيلول، 11 شهيدًا و26 جريحًا في قرى اقليم التفاح ولاسيما عربصاليم، و4 شهداء ليل الجمعة السبت.
الوتيرة الأعنف للاعتداءات التي تصفها إسرائيل كردّ على خرق «حزب الله» لوقف اطلاق النار، تتركّز على منطقة النبطية وصولاً إلى دير الزهراني وإقليم التفاح، والأكثر استهدافاً في الساعات الأخيرة كانت النبطية الفوقا، بسلسلة من غارات الطيران الحربي والمسيّر، وقصف مدفعي بصورة مكثفة. ودفع الوضع المتفجر إلى نزوح كثيف لأهالي المناطق المستهدفة باتجاه صيدا وبيروت.
واتهم الجيش الإسرائيلي «عناصر من «حزب الله» أطلقوا الليلة الماضية مسيّرتين مفخختين باتجاه قواته العاملة في منطقة مرتفعات علي الطاهر، وفور ذلك، وردًا على إطلاق المسيّرتين، هاجم الجيش الإسرائيلي عددًا من البنى التحتية التابعة لـ«حزب الله» في مناطق عدة في جنوب لبنان، من بينها مستودع لوسائل قتالية. بالإضافة إلى ذلك، هاجم جيش الدفاع عددًا من العناصر الذين رُصدوا وهم ينقلون وسائل قتالية في منطقة كفر رمان، بهدف إزالة التهديد عن قواتنا»؟.
وأضاف: «وقبل تنفيذ الغارات، اتُّخذت خطوات لتقليص المساس بغير المتورطين، بما في ذلك استخدام ذخائر دقيقة وعمليات استطلاع جوي. ويجري فحص الادعاء بأنّ عددًا من غير المتورطين أُصيبوا نتيجة الغارات، بالإضافة إلى ذلك، وفي أعقاب إطلاق المسيّرتين المفخختين أمس (الأحد)، هاجم جيش الدفاع في منطقة النبطية وقضى على عدد من عناصر حزب الله».
وفي سياق متصل، زعمت المتحدّثة باسم الجيش الإسرائيلي إيلا واوية، أنّه «في وقت سابق اليوم (الاثنين)، وخلال أعمال تمشيط نفّذتها قوّة من وحدة استطلاع غولاني في منطقة مرتفعات الشقيف في جنوب لبنان، أطلق عنصر من «حزب الله» كان داخل مبنى، النّار باتجاه القوّات، وردّت القوات فورًا بإطلاق النّار باتجاهه، ما أدّى إلى مقتله»، مشيرةً إلى أنّ «خلال الاشتباك، أُصيب مقاتلان من الجيش بجروح طفيفة، وتمّ نقلهما لتلقّي العلاج الطبّي في المستشفى، وقد تمّ إبلاغ عائلتيهما واضافة إلى ذلك، هاجم الجيش في المنطقة مستودعات قتاليّة ومقرّات وبنى تحتيّة إضافيّة تابعة لـ»حزب الله».
يتزامن ذلك، مع أخبار يروّجها الإعلام العبري نقلاً عن مصادر أمنية تتخوّف من أنّ «حزب الله» يواصل جمع المعلومات الاستخباراتية عن مقاتلي الجيش الإسرائيلي، ودراسة أساليب عملهم، ورسم خرائط لمواقعهم، وتحديد أساليب عملياتهم، استعداداً لسيناريو يستأنف فيه القتال على شكل عمليات تسلل وكمائن وإطلاق طائرات مسيّرة متفجّرة وزرع عبوات ناسفة».
قلق جدّي
على أنّ اللافت للانتباه في هذا السياق، ما كشفه ديبلوماسي اوروبي لـ«الجمهورية»، عن انّ التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان لم يكن مفاجئاً، بل كان متوقعاً في ظلّ العمليّات العسكريّة التي ظلّت متواصلة رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، ولم تتوقف برغم تأثيراتها السلبية المباشرة على مسار التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل بصورة عامة، وعلى الإتفاق الاطاري بصورة خاصة، حيث أدخلته في حال من الجمود السلبي».
ولكن ما لا يبعث على الاطمئنان، وفق تقدير الديبلوماسي عينه، هو عدم وجود ضوابط جدّية لهذا التصعيد، وهنا تصبح المخاوف مبررة من احتمالات مستقبلية صعبة، وربما تصعيد بوتيرة أكثر شدّة واتساعاً، مرتبط بصورة مباشرة بالانتخابات في إسرائيل، ما يرخي مخاوف حقيقية، ليس على الوضع في جنوب لبنان، بل على المشهد اللبناني بصورة عامة».
ورداً على سؤال قال: «واشنطن تسطيع أن تلجم التصعيد، حتى قبل حصوله. وكل دول الاتحاد الاوروبي، وفرنسا على وجه الخصوص، تدعو إلى تجنّب التصعيد والتزام جميع الأطراف باتفاق وقف إطلاق النار، وعدم الدفع بلبنان إلى الإنزلاق مجدداً نحو واقع شبيه بالمرحلة الشديدة الصعوبة والقساوة التي مرّ فيها بعد الثاني من آذار الماضي».
المفاوضات: لا تأكيد
إلى ذلك، كشف مصدر رسمي لـ«الجمهورية»، عن حركة اتصالات مكثفة جرت في الساعات الماضية عبر قنوات ديبلوماسية وأمنية، ولاسيما مع الجانب الأميركي، للجم عدوانية إسرائيل.
على انّ الاعتداءات التي تواصلت بصورة مكثفة أمس، توحي وكأنّ هذه الاتصالات لم تفض إلى إيجابيات حتى الآن. وكان لافتاً في هذا السياق، تأكيد المصدر الرسمي على دور فاعل للراعي الأميركي للمفاوضات غير المباشرة والاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، وقال: «إنّ لبنان ما زال يعوّل على مبادرة ضاغطة على إسرائيل من قبل الجانب الأميركي، لوقف هذا المنحى. فاستمرار التصعيد الإسرائيلي بالشكل الذي هو عليه من ارتكاب مجازر متنقلة بحقّ المدنيين، واستهداف القرى الجنوبية، وتدمير معظمها بصورة كاملة، يُخشى أن تتدحرج معه الامور إلى واقع خارج عن السيطرة، وشديد الصعوبة والتعقيد، خصوصاً في مسار المفاوضات المباشرة و»صيغة الإطار». وإذا كانت إسرائيل تحاول الخروج على هذا المسار والتنصل من التزاماتها، فإنّ لبنان سيبقي ماضياً في هذا المسار، ملتزماً بالكامل بمندرجات «صيغة الإطار»، ويصرّ على تسريع خطواتها التنفيذية».
يُشار في هذا السياق، انّ معلومات رسمية موثوقة تؤكّد أن لا جديد بالنسبة لجولة المفاوضات المباشرة المقبلة. حيث انّه رغم الأجواء التي تؤكّد انعقاد جولة قريبة في روما، إلّا انّ المعنيين في ملف المفاوضات لم يتبلّغوا حتى الآن حسماً جدّياً لانعقاد هذه الجولة، أو موعد انعقادها. واللافت في هذه المعلومات الموثوقة، انّها لا تستبعد أن تفرض الاعتداءات الأخيرة، وما رافقها من مجازر في عربصاليم وكفر رمان، نفسها، عاملاً مؤثراً في هذا المسار».
كل المنطقة تهتزّ
في سياق متصل، وفي قراءة سياسية لواقع المنطقة، أكّد مرجع سياسي لـ«الجمهورية»، انّ «كلّ المنطقة تهتز، من جنوب لبنان إلى اليمن والعراق وإيران، مروراً بالضفة الغربية، التي يبدو انّها تقف على حافة تطورات خطيرة، ومحاولة واضحة من قبل إسرائيل للإطباق عليها. وعامل الاهتزاز كامن في استحقاقين داهمين، يتجليان في الانتخابات الإسرائيلية أواخر الشهر المقبل، وبعدها بأسبوع الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة، وكلاهما يشكّلان فتيلي تفجير، ولبنان يقع في وسطهما، ومحطة مباشرة لتلقّي ما قد يتأتى عنهما من تداعيات وارتدادات مباشرة او غير مباشرة».
وفي رأي المرجع عينه «ما يجري على جبهة إيران لا يبدو معزولاً عن الانتخابات النصفية، ولكن على الرغم من كل الأجواء التي ترجح احتمالات التصعيد الواسع والمتفلت وغير المضبوط، الّا انّ المسار التصاعدي، التي يبدو انّ الامور تنحى إليه في هذه الفترة، قابل للسير في الاتجاه المعاكس لهذا التصعيد، والانتقال إلى مسار اكثر هدوءاً، ربطاً بمفاجآت دونالد ترامب التي اعتدنا عليها. فلو كانت ثمة إرادة بالتصعيد الكبير لكان الأمر قد وقع سريعاً، وفي هذه الفترة تحديداً. من هنا اعتقد أننا امام مرحلة موقتة من المواجهات المضبوطة لبضعة اسابيع، قبل أن ينتقل الجانبان إلى مسار أقل حدّة. هذا هو الاحتمال الأقوى، حيث لا أحد من الجانبين الأميركي والإيراني، برغم حدّة التصريحات والمواقف، لا يرغب بالعودة إلى الحرب الواسعة».
الّا انّ المقلق، وفق تقدير المرجع السياسي، يبقى من الجانب الإسرائيلي، حيث انّ التصعيد كما يُقال في إسرائيل وخارجها، يشكّل ذخيرة انتخابية لبنيامين نتنياهو. وتبعاً لذلك، فإنّ الـ50 يوماً الفاصلة عن انتخابات إسرائيل، غاية في الخطورة على جبهة لبنان تحديداً. فنتنياهو يخوض معركة وجودية، والانتخابات حاسمة بالنسبة اليه. وهذا ما يجمع عليه المعلّقون والمحللون في الإعلام الإسرائيلي، وتبعاً لذلك، يجب ان نتوقع اي شيء وكل شيء من نتنياهو»؟
واما ما حُكي عن منطقة رمادية يحضّر الإسرائيلي لإقامتها، فيقول المرجع السياسي: «هذا الامر لا يغيّر في واقع الحال، حيث لا فرق على الإطلاق بين حزام أمني، ومنطقة صفراء او منطقة خضراء او منطقة رمادية، فقد تعدّدت الألوان والاحتلال واحد».
وزارة الإعلام اللبنانية