الرئيسية / تقارير / فلحه لـ “الجزيرة نت”: بين الشك واليقين.. لماذا يعجز الإنسان عن امتلاك الحقيقة المطلقة؟
بلين الشك واليقين

فلحه لـ “الجزيرة نت”: بين الشك واليقين.. لماذا يعجز الإنسان عن امتلاك الحقيقة المطلقة؟

كتب مدير عام وزارة الاعلام الدكتور حسان فلحه على موقع “الجزيرة نت” مقالا بعنوان “بين الشك واليقين.. لماذا يعجز الإنسان عن امتلاك الحقيقة المطلقة؟”، جاء فيه:
‎الوصول إلى النشوة الفكرية، أو بلوغ سداد الفكرة، مكان مكشوف للانضباط الاجتماعي والانصياع الديني، متفلت القيد، يستوي فيه الفرد على الحافة الحاسمة بين الجرأة والجنون، بين التهور والعظمة.
‎هو نوع من التمرد على الإرادة الجماعية، أو هو مسافة متمددة نحوها، متقلصة نحو الذات الفردية.
‎يقابل ذلك الشعور الحاكم في التحول الملزم إلى السلوك البشري الذي يقسم الخيارات الإنسانية بين الشر والخير، وبين السر والعلن، وبين الأفقي والعمودي، ولكنه ليس حتما الجزم بين الاستواء والغلط.
الإنسان عندما يبلغ مرتبة الظن أنه تيقن في داخله بامتلاك القدرة على فهم الأشياء، ورسوخ عقله في تمييز الصواب عن الخطأ حصرا، عندها قد يصاب بداء التعصب وعوارضه شديدة التعقيد، وبالأخص عندما ينظر إليه أنه «المطلق»، أو على الأقل تحجر الأنا بالاعتقاد أن (التعصب)، عنده، «تأليه النسبي»، وأن «المطلق المعرفي» هو الحق، وما عداه باطل، غير مقيد بآخر أو محدد بشرط، وأنه قائم بحد ذاته ومنظور بذاته، إن لم يكن هو الجوهر الذي يوجد بذاته ويعرف به، كما يقول الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، من دون أن يسقط الاعتبار بأن «الرغبة، جوهر الإنسان».
‎معايير الدقة في أي اعتقاد «مطلق» أو صريح تتطلب الخلو من الأخطاء ومطابقة الوقائع، إذ هي أمور نسبية ذات شكوك يقينية مشروعة، لا تستقرئ الرأي الشخصي فحسب أو تستدل بالظن الفردي فقط.
هي السمة الإنسانية الأولى التي تفتقر إليها قدراته – ككائن حي – لبلوغ الغاية المعرفية، وإن اجتاز أهدافا مختلفة على طريق السعي إلى تحقيقها (الغاية).
‎أرسطو لم يزعم أبدا أن البرهان يكفي اعتماده الشك للوصول إلى النشوة اليقينية التي تتمظهر في الفكرة الاعتقادية، كما وصفها فريدريك نيتشه، “قيما إنسانية” أو “مبادئ أساسية”.
‎لكن في صيرورة الحياة والتغير المستمر، يستحيل التعامل مع الأشياء كأنها ثابتة، وبالتحديد الركون إلى الاعتقاد المطلق.
‎ومبعث ذلك أن المجتمعات البشرية القديمة أو الحديثة تتنازعها عمليات التجاذب بين الجمود والتجدد، وبين الخضوع والاختلاف، وبالتالي لا يستقر الحال على مآل محدد أو يهادن في الثبات على مواقف معينة.
‎قد تخبو الحركة الاجتماعية أو تتسارع في أنماط الحياة بين مجتمعات ذات نزعة عنيفة قاسية أو مجتمعات ذات نزعة سلمية هادئة، ما يجعل الاستقرار الاعتقادي متقلبا ومتذبذبا ومتفاوتا في التشابه والتجانس.
‎الثابت هو تغير طرق فهم الوقائع، واستمرار ريبة الوجود الإنساني في الأشياء كلها..
‎الثابت المستقر أن الإنسان مرهون بتلازم الحركة ووجودها، وإلا دخل مرحلة السكون النهائي والموات الأبدي، حيث ذكره -مثل تاريخ الأمة- يغدو تورية أو يصبح الآخر الذي لا يذكر بالاسم أو يشار إليه بعينه، بل هو صنف آخر، أو على الأقل من فئة أخرى مختلفة.
‎هنا يظهر تمدد مساحة الاعتقاد الفكري حوله أو تقلصها.
‎مواصفات الذكر والحضور أو التذكر فيه هي عناصر غير مكتملة الحقائق وغير متطابقة مع الوقائع كليا، بسبب التآكل المعرفي الذي ينحت به تواتر الزمان وتأثير المكان.
‎فتصاب الذاكرة الإنسانية بالوهن، ويصاب تسجيل الحوادث بعوز الدقة، إن لم يكن بطغيان الغرائز النفعية على سجلات التدوين، وعندها تعاني المجتمعات أمية الوجود في إدراك الحق وريازته عن الباطل.
‎الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي يميز بين الحق ومراتب وجوده وبين قدرة العقل على معرفة ذلك وإدراكه.
‎المطلق هو بذاته لا بغيره، هو الخلود والأبدية، غير أن السؤال الدائم يبقى: ما أصل الوجود؟ وهل هناك شيء لا يقوم على شيء ويعتمد عليه؟
‎الإنسان في عين الخالق هو الأكثر حيرة أو الأكثر إعجابا وتيها عندما يدور حول نفسه، ولا يدرك الإجابة المطلقة

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *