كتبت الدكتورة فيولا مخزوم على الموقع الالكتروني لوزارة الاعلام – مديرية الدراسات والمنشورات اللبنانية، مقالا تحت عنوان “الذكاء الاصطناعي… هل نحن أمام لحظة كوفيد تكنولوجية؟”، اجرت فيه مقارنة في ديناميكية التعامل مع ظاهرة سريعة التطور قبل أن تتضح جميع آثارها مع تنامي الوعي بالمخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي الذي يفرض واقعًا مختلفًا تمامًا في طبيعته، وجاء في المقال:

لم يكن العالم مستعدًا لجائحة كوفيد-19 عندما بدأت ملامحها الأولى بالظهور. لم تكن المشكلة في غياب العلم أو الخبرة، بل في سرعة تطور الحدث مقارنة بقدرة المؤسّسات على فهمه، وتقدير تداعياته، وبناء استجابة متكاملة له. احتاجت الحكومات والمجتمعات إلى وقت حتى تنتقل من مراقبة الظاهرة إلى التعامل معها بوصفها أزمة عالمية.
بعد سنوات، يفرض الذكاء الاصطناعي واقعًا مختلفًا تمامًا في طبيعته، لكنه يضع المؤسّسات أمام تحدٍّ قريب من حيث سرعة التحول واتساع نطاق التأثير والفجوة بين التطور والاستجابة.
ولهذا تكتسب ملاحظات عالم الذكاء الاصطناعي يوشوا بنجيو أهمية خاصة، حين يشير إلى أن تنامي الوعي بالمخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد يدفع الحكومات إلى مرحلة أكثر جدية في التنظيم، على نحو يذكّر، من حيث طبيعة الاستجابة الحكومية، بالتحول الذي شهدته السياسات العامة خلال جائحة كوفيد-19.
المقارنة هنا ليست بين فيروس وتكنولوجيا، ولا بين أزمة صحية وأزمة تقنية. إنها مقارنة في ديناميكية التعامل مع ظاهرة سريعة التطور قبل أن تتضح جميع آثارها.
ظاهرة تتجاوز التكنولوجيا
لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنية محصورة في المختبرات أو الشركات المتخصصة. خلال فترة قصيرة، أصبح جزءًا من الحياة اليومية ومن عمل المؤسّسات، ودخل إلى التعليم والبحث العلمي والإعلام والاقتصاد والإدارة وسوق العمل. هذه السرعة في الانتشار هي إحدى أهم خصائص المرحلة الراهنة.
فالذكاء الاصطناعي لا ينتشر بيولوجيًا، وإنما ينتشر عبر البنية الرقمية والاقتصادية والاجتماعية. ويمكن لنظام جديد أن ينتقل خلال فترة قصيرة من بيئة تجريبية إلى ملايين المستخدمين، وأن يؤثر في طريقة إنتاج المعلومات واتخاذ القرارات وتنفيذ الأعمال. وفي المقابل، تحتاج التشريعات إلى وقت حتى تتطور، وتحتاج المؤسّسات إلى وقت حتى تكيّف إجراءاتها، كما يحتاج المجتمع إلى وقت لفهم القدرات الجديدة وحدودها.
ومن هنا تتشكل فجوة تستحق الاهتمام: سرعة الابتكار التكنولوجي أصبحت في بعض المجالات أكبر من سرعة الاستجابة المؤسّسية والتنظيمية. وهذه ليست مشكلة تقنية فحسب، بل قضية تتصل بالحكم الرشيد والسياسات العامة والمصلحة المجتمعية.
من التكنولوجيا إلى الحوكمة
إن النقاش حول الذكاء الاصطناعي لم يعد ينبغي أن يقتصر على قدرته على الإنتاج أو التحليل أو الأتمتة. فكلما اتسعت استخداماته، أصبحت الحاجة أكبر إلى منظومة واضحة تحدد المسؤولية والشفافية والسلامة وآليات الرقابة. وتزداد أهمية ذلك لأن المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ليست من نوع واحد.
هناك مخاطر نشهدها بالفعل، تشمل التضليل والمحتوى الاصطناعي الخادع والاحتيال وبعض أشكال إساءة الاستخدام، إضافة إلى الأخطاء والتحيزات التي قد تنتج عن بعض الأنظمة، فضلًا عن التحولات التي يمكن أن تحدث في سوق العمل. وهناك مخاطر مرتبطة بتطور أنظمة أكثر قدرة على تنفيذ المهام بدرجات متزايدة من الاستقلالية.
كما توجد سيناريوهات مستقبلية شديدة الخطورة يناقشها الباحثون، لكنها لا تزال موضع اختلاف علمي في تقدير احتمالها وتوقيتها. ومن الضروري هنا التمييز بين هذه المستويات المختلفة، لأن التعامل مع جميع المخاطر باعتبارها حقيقة واحدة يقود إلى التخويف، بينما تجاهلها يقود إلى الاطمئنان الزائد. المطلوب هو إدارة المخاطر على أساس الأدلة والتقييم المستمر.
الفجوة بين سرعة التطور وسرعة القانون
أحد أكبر التحديات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي يتمثل في أن التشريع التقليدي قد يجد صعوبة في مواكبة تكنولوجيا تتغير باستمرار. فالقانون يحتاج إلى تحديد المسؤولية، بينما قد تكون المسؤولية موزعة بين مطور النظام ومزوده ومستخدمه والمؤسّسة التي تعتمد عليه.
ويحتاج القانون إلى تعريف الأضرار، بينما قد تظهر بعض الأضرار الجديدة فقط بعد انتشار التكنولوجيا على نطاق واسع. كما يحتاج إلى تحديد الحدود المقبولة للاستخدام، بينما تتغير قدرات الأنظمة نفسها بسرعة.
لهذا لا تكفي الاستجابة التشريعية التقليدية وحدها. ثمة حاجة إلى أطر حوكمة مرنة وقابلة للتحديث، وإلى معايير اختبار وتقييم، وإلى آليات رقابة قادرة على التطور بالتوازي مع التكنولوجيا. وهنا تظهر أهمية الانتقال من إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى إدارة المخاطر قبل اتساعها.
الدرس الأهم من تجربة كوفيد
لا تكمن أهمية تجربة كوفيد بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي في التشابه بين نوعي الخطر، وإنما في درس الاستعداد. فالأزمات الكبرى أظهرت أن التأخر في الاستجابة قد يرفع كلفة المعالجة، وأن بناء القدرة على التنبؤ والاستعداد والإنذار المبكر أكثر فاعلية من انتظار اللحظة التي يصبح فيها الخطر واضحًا للجميع.
ينطبق هذا المبدأ، بصورة مختلفة، على الذكاء الاصطناعي. فالاستعداد لا يعني إيقاف الابتكار أو فرض قيود شاملة على التكنولوجيا، وإنما يعني بناء منظومة تسمح بالابتكار ضمن قواعد واضحة، وتفرض مستويات أعلى من الرقابة كلما ارتفع مستوى المخاطر.
إن استخدام الذكاء الاصطناعي في مهمة بسيطة لا يملك التأثير نفسه لاستخدامه في قرار قد يؤثر في مستقبل إنسان أو حقوقه أو فرصه. ومن الطبيعي، بالتالي، أن تختلف مستويات الرقابة والتقييم باختلاف مستوى التأثير والمخاطر.
المسؤولية ليست مسؤولية التكنولوجيا وحدها
من الخطأ النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره كيانًا مستقلًا يتحمل وحده مسؤولية نتائجه. وراء كل نظام هناك مطورون وشركات ومؤسّسات ومستخدمون، وكل مرحلة من مراحل دورة حياة النظام تطرح مسؤوليات مختلفة.
تتحمل الشركات مسؤولية تطوير أنظمة أكثر أمانًا ووضوحًا، وتتحمل الحكومات مسؤولية وضع الأطر التنظيمية وحماية المصلحة العامة، وتتحمل المؤسّسات مسؤولية الاستخدام المسؤول، بينما تتحمل الجامعات مسؤولية إنتاج المعرفة وتأهيل الكفاءات القادرة على فهم التكنولوجيا ونقدها. أما المستخدم، فلا يمكن أن يتحول إلى طرف يتخلى عن مسؤوليته لمجرد أن القرار أو المحتوى صدر عن نظام ذكي. فالذكاء الاصطناعي قد يساعد في اتخاذ القرار، لكنه لا ينبغي أن يصبح ذريعة لإلغاء المسؤولية البشرية عن القرار.
الذكاء الاصطناعي واختبار الإنسان
ربما يكون الجانب الأكثر أهمية في هذه التحولات هو أنها لا تختبر التكنولوجيا فقط، بل تختبر الإنسان نفسه. فكلما ازدادت قدرة الآلة على إنتاج الإجابات، ازدادت الحاجة إلى التفكير النقدي. وكلما أصبح إنتاج المحتوى أكثر سهولة، ازدادت أهمية التحقق من المعلومات. وكلما أصبحت الأتمتة أكثر حضورًا، ازدادت الحاجة إلى تحديد ما ينبغي أن يبقى تحت الإشراف والحكم البشري. ولهذا فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يتعلق فقط بتطوير نماذج أكثر قدرة، وإنما بتطوير إنسان أكثر وعيًا بحدود التكنولوجيا وأكثر قدرة على استخدامها دون أن يفقد استقلاله الفكري والأخلاقي.
وهنا يصبح التعليم عنصرًا أساسيًا في منظومة السلامة. فالجامعة التي تدرّب الطالب على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي فقط تهيئه للتكنولوجيا الحالية. أما الجامعة التي تعلّمه التفكير النقدي والتحقق من المعلومات وفهم التحيزات والحدود الأخلاقية للتكنولوجيا، فإنها تهيئه لعالم لا تزال ملامحه تتشكل.
لبنان أمام فرصة ومسؤولية
لا ينبغي للبنان أن يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قضية مستقبلية بعيدة، لأن التكنولوجيا أصبحت بالفعل جزءًا من الحاضر. والاستفادة من الذكاء الاصطناعي في التعليم والبحث العلمي والإدارة والاقتصاد والإعلام يمكن أن تفتح مجالات مهمة أمام المؤسّسات اللبنانية، لكن الاستفادة المستدامة تحتاج إلى بيئة مؤسّسية وقانونية وتعليمية قادرة على مواكبة التحول.
ويشمل ذلك تطوير السياسات الوطنية، وتعزيز حماية البيانات، وتحديث المناهج، وتأهيل الموارد البشرية، ودعم البحث العلمي، ووضع معايير واضحة للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في المؤسّسات. كما أن لبنان يحتاج إلى المشاركة في النقاش الدولي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، لا أن يكتفي باستهلاك الأدوات التي تنتجها الدول والشركات الأخرى. فالمسألة في جوهرها ليست امتلاك التكنولوجيا فقط، بل امتلاك القدرة على فهمها وإدارتها وتوجيه استخدامها بما يخدم المجتمع.
من إدارة الأزمات إلى صناعة الاستعداد
إن تشبيه اللحظة الراهنة بلحظة كوفيد لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب تخويف أو إلى توقع بحدوث أزمة مماثلة. إنّ القيمة الحقيقية للتشبيه تكمن في مفهوم واحد: الاستعداد قبل الأزمة.
فالذكاء الاصطناعي يتقدم، واستخداماته تتوسع، وقدراته تتغير بسرعة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح بناء الحوكمة والسلامة والتقييم المستمر جزءًا من عملية الابتكار نفسها، وليس مرحلة لاحقة لها. لقد كان من السهل، في مراحل مبكرة من التحولات التكنولوجية، التعامل مع التنظيم باعتباره عائقًا أمام الابتكار. أما اليوم، فإن التحدي أصبح أكثر تعقيدًا: كيف نبني تنظيمًا يحمي المجتمع دون أن يخنق الابتكار؟ وهذه ليست معادلة بسيطة، لكنها ضرورة لا يمكن تأجيلها.
الإنسان يجب أن يبقى في مركز المعادلة
في نهاية المطاف، لا تكمن القضية في أن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة فحسب، بل في أن يوازي الإنسان هذا التطور بقدرة أكبر على الفهم والتنظيم والمسؤولية. قد تصبح الآلة أكثر قدرة على التحليل، وأكثر سرعة في إنتاج المعرفة، وأكثر كفاءة في تنفيذ عدد متزايد من المهام. لكن هذه القدرات لا تلغي الحاجة إلى الإنسان؛ بل تجعل دوره أكثر حساسية.
فالآلة تستطيع أن تنتج إجابة، لكن الإنسان يحدد قيمة هذه الإجابة. والآلة تستطيع أن تقترح قرارًا، لكن المسؤولية عن القرار يجب أن تبقى واضحة. والآلة تستطيع أن تنتج محتوى، لكن الإنسان يبقى مسؤولًا عن الحقيقة والأثر والقيمة الأخلاقية لما ينشر. لهذا فإن التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ليس أن نمنع التكنولوجيا من التقدم، وإنما أن نضمن ألا تتقدم التكنولوجيا على حساب قدرتنا على إدارتها.
قد ننجح في أن نجعل الآلة تفكّر مثل الإنسان، لكن انتصارنا الحقيقي لن يكون في أن نمنح الآلة ذكاءنا، بل في ألّا نسمح للإنسان أن يفقد إنسانيته ويتحوّل إلى آلة. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها النقاش الجاد حول مستقبل الذكاء الاصطناعي: التكنولوجيا تتطور، لكن مسؤوليتنا الإنسانية يجب أن تتطور معها.
وزارة الإعلام اللبنانية