كتبت صحيفة “الجمهورية”: تتّجه الأنظار إلى نتائج الانتخابات النصفية الأميركية وما ستفرزه من موازين قوى جديدة داخل الكونغرس، وانعكاساتها على إدارة الرئيس دونالد ترامب وسياساته في السنتين المتبقيتين من ولايته. وبينما تترقّب واشنطن طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، يراقب لبنان والمنطقة مسار التداعيات المحتملة، وخصوصاً على صعيد الضغوط الأميركية والعقوبات والملف الإيراني والعلاقة مع إسرائيل، فضلاً عن ملفات الحروب والتسويات. أما دولياً، فتّتجه التساؤلات إلى تأثير النتائج على التحالفات والاقتصاد والتجارة والعلاقات الدولية، في استحقاق تتجاوز أهميته حدود الداخل الأميركي.
فيما تترقّب واشنطن انعكاسات النتائج على العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، وعلى ملفات الاقتصاد والهجرة والتجارة والأمن، تتّجه الأنظار خارج الولايات المتحدة إلى ما يمكن أن تحمله التحولات في موازين القوى من تداعيات على السياسة الأميركية الدولية. فلبنانياً، تبرز تساؤلات حول انعكاساتها على الموقف الأميركي من الاستحقاقات الداخلية، والضغوط السياسية والاقتصادية، والعقوبات، والمساعدات، ومستقبل الدور الأميركي في دعم الاستقرار وترتيبات المرحلة المقبلة.
أما إقليمياً، فتتقدّم ملفات إيران وإسرائيل والحرب والتسويات والأمن في الشرق الأوسط إلى واجهة الاهتمام، وسط ترقّب لما إذا كانت نتائج الانتخابات ستؤثر في أولويات واشنطن وخياراتها حيال أزمات المنطقة، وفي مسارات التفاوض والتصعيد. ودولياً، تبرز المخاوف والتساؤلات بشأن مستقبل العلاقات الأميركية مع الحلفاء والخصوم، وانعكاسات أي تبدّل في التوازنات السياسية على الاقتصاد العالمي والتجارة والتحالفات الاستراتيجية.
وبين الحسابات الحزبية في الداخل الأميركي والرهانات الدولية في الخارج، تبدو هذه الانتخابات اختباراً يتجاوز حدود الصراع على مقاعد الكونغرس، ليطرح سؤالاً أساسياً: إلى أي مدى ستؤثر نتائجها في اتجاهات السياسة الأميركية، وهل تشهد المرحلة المقبلة تعديلاً في مقاربة واشنطن للملفات اللبنانية والإقليمية والدولية؟
سعي لخرق تفاوضي
إلى ذلك، توحي التقديرات الديبلوماسية أنّ إدارة ترامب تسعى جدّياً إلى تحقيق خرق تفاوضي مع طهران، عبر إدراج الملف النووي ضمن سلّة أوسع من التنازلات المتبادلة، متجنبةً جعله شرطاً مسبقاً حصرياً. لكن هذه الانفراجة المحتملة تصطدم بتشكيك إيراني، وأيضاً بـ«فيتو» إسرائيلي قاطع، إذ تربط تل أبيب موافقتها على أي تسوية إقليمية بتحقيق مجموعة أهداف رئيسية، بينها نزع سلاح «حزب الله» وتفكيك منظومته العسكرية كلياً. وهي تلوّح باللجوء إلى الحرب الشاملة لفرض شروطها إذا تعذّر انتزاعها بالسياسة.
ولذلك، فإنّ الخشية الكبرى في لبنان تكمن في نجاح حكومة بنيامين نتنياهو بتقويض التقارب الأميركي ـ الإيراني المحتمل، ودفع المنطقة نحو خيار الحرب المفتوحة لتكريس وقائع احتلال جديدة على الجبهات كافة، وخصوصاً في لبنان، حيث تهدّد باقتطاع الجنوب حتى نهر الأولي، بما في ذلك احتلال صور وصيدا والنبطية، وفرض حصار بحري على مرافئ بيروت وطرابلس. وفوق ذلك، يسيطر على أركان الحكم هاجس انخراط «حزب الله» مجدداً في الحرب، ما يجرّ لبنان إلى واقع احتلالي واسع، علماً أنّ إيران أكّدت مجدداً شمول لبنان بأي اتفاق مع واشنطن.
3 مسارات
وفي هذه الأثناء، قال مصدر ديبلوماسي لـ«الجمهورية» إنّ «المشهد لا يمكن اختزاله في رسالة إسرائيلية واحدة أو في تهديد عسكري عابر، بل ينبغي قراءته في ضوء تداخل ثلاثة مسارات: الاستعداد الإسرائيلي لاحتمال اتساع المواجهة الإقليمية، ومحاولة دفع الدولة اللبنانية إلى تعزيز حضورها الميداني والأمني، والتعقيدات التي لا تزال تعترض المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، وخصوصاً في ما يتعلّق بالسيادة وآليات التحقق من تنفيذ الترتيبات المتفق عليها».
وأضاف المصدر، أنّ «احتمال انضمام «حزب الله» إلى مواجهة جديدة مع إيران، تصدّر الاهتمام الإسرائيلي خلال الأيام الماضية، تزامناً مع تزايد حركة الوسطاء الديبلوماسيين الغربيين لنقل الرسائل الداعية إلى التهدئة، ووسط ضغط أميركي على الجيش اللبناني لاتخاذ إجراءات لانتشار قواته وإقامة حواجز على الطرق، في المناطق التي يوجد فيها عناصر الحزب، للحدّ من قدرته على الانخراط في القتال إذا تجدّدت الحرب مع إيران، وسط مخاوف إسرائيلية من أن يتعرّض لبنان لضغوط إيرانية تدفعه إلى فتح جبهة إضافية».
وأشار المصدر، إلى أنّ «هذه الرسالة تجمع بين مطلب أمني ميداني وإنذار سياسي وعسكري. فإسرائيل تطالب الدولة اللبنانية بإجراءات عملية على الأرض، وهذا يعني أنّ بيروت تواجه ضغطاً مزدوجاً: ضغط لمنع توسّع المواجهة، وضغط لتحويل حضور الجيش اللبناني عامل ضبط ميداني في مناطق تعتبرها إسرائيل ذات أهمية أمنية».
ولفت المصدر نفسه، إلى مساعٍ يجريها الرؤساء الثلاثة، للتثبُّت من عدم انخراط الحزب في أي مواجهة عسكرية جديدة مع إسرائيل، من دون أن يستبعدوا أي نكث بهذا الالتزام إن تمّ، على غرار ما حدث في آذار الماضي، ليبقى تصنيفه على أنّه رسائل تطمين وليس التزاماً نهائياً. وقال المصدر إنّ «هذه المعطيات تعكس جوهر المعضلة التي تواجه لبنان: كيف يمكن حماية الاستقرار الداخلي ومنع تحويل الأراضي اللبنانية ساحة إضافية للنزاع الإقليمي، في ظلّ تعذّر الاطمئنان الكامل إلى المسار الذي سيسلكه «حزب الله» إذا اتسعت المواجهة؟».
وعلى خط المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، وبعد انتخابات الكنيست، اكّد المصدر، أنّه لم يُحدَّد موعد جديد للاتصالات بين الجانبَين بعد، وأنّ الانتخابات النصفية الأميركية، إلى جانب عدم حسم تشكيل الحكومة الإسرائيلية، يعوقان إحراز تقدّم. لكنّ التعقيد، وفق المصدر نفسه، لا يقتصر على الظروف السياسية في واشنطن وإسرائيل، بل يشمل خلافاً عملياً حول الجهة التي ستتولّى التحقق من خلوّ المناطق المختارة للتجربة من السلاح، مع طروحات إسرائيلية بإسناد المهمّة إلى منظمات غير حكومية، وهو ما رفضه الجانب اللبناني، فيما رفضت إسرائيل اقتراح لبنان الاستعانة بقوة مراقبي الهدنة العاملة منذ عام 1949.
وأوضح المصدر الديبلوماسي نفسه، أنّ «الخلاف على آلية الرقابة ليس تفصيلاً تقنياً يمكن تجاوزه بسهولة. فالجهة التي ستتولّى التحقق من تنفيذ الترتيبات تحدّد، عملياً، طبيعة الإشراف على الأرض وحدود دور المؤسسات اللبنانية، ومدى احترام السيادة اللبنانية. ولذلك، فإنّ اختيار الآلية ليس أقل أهمية من الاتفاق على الترتيبات نفسها. من هنا، لا يجوز قراءة عدم تحديد موعد جديد للمفاوضات باعتباره دليلاً قاطعاً على انهيار المسار، كما لا يجوز التعامل مع استمرار الاتصالات على أنّه ضمان لتحقيق اختراق قريب». وربط الديبلوماسي نفسه طلبات إجراء تنسيق مباشر وميداني بين الجيشَين اللبناني والإسرائيلي بـ»قرار لبناني حاسم، يشترط انسحاباً كاملاً من جنوب لبنان، إنهاء كل أشكال الأعمال العدائية، ومنع قيام أي مسار تفاوضي موازٍ لمسار واشنطن، لكنّ الشرطَين الأولَين مرفوضان في تل أبيب.
لبنان والنزوح السوري
داخلياً، شرح رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون للمديرة العامة للمركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة سوزان راب التي التقاها أمس «ما عاناه لبنان ولا يزال من موجات النازحين الذين حلوا على أرضه، وآخرهم أولئك الذين نزحوا من سوريا واستضافهم لبنان منذ بداية الأحداث في العام 2011، والذين يعمل لبنان حالياً على إعادتهم إلى بلادهم، بعدما زالت أسباب نزوحهم، بعد التغييرات السياسية التي حصلت في سوريا». ولفت إلى «إنّ لبنان لم يعد قادراً على استيعاب مزيد من النازحين السوريين. وانّ التواصل قائم مع الدولة السورية لتنظيم عودتهم على مراحل. وعلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية التي تقدّم مساعدات لهؤلاء النازحين في لبنان، أن تقدّمها لهم في بلادهم لتشجيعهم على العودة». لافتاً إلى «أنّ الجيش والقوى الأمنية يعملون على عدم استعمال الأراضي اللبنانية ساحة للهجرة إلى الدول الأوروبية المجاورة». ورحّب عون بأي مساعدة تُقدّم للبنان لتحقيق هذا الهدف، مقدّراً الدور الذي يلعبه المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة ICMPD في هذا المجال.
وكانت السيدة راب التي التقت قائد الجيش لاحقاً، أكّدت للرئيس عون التزام المركز مساعدة لبنان وتعزيز مجالات التعاون وتقديم الخبرات اللازمة بما في ذلك التدريب. مركّزة على أهمية الشراكة مع لبنان الذي يتمتع بمكانة عالية، نظراً لدوره الاستراتيجي كشريك لأوروبا ومنطقة المتوسط. ولفتت إلى أنّ المركز ينفّذ مشاريع عدة في لبنان، لا سيما منها مشروع تعزيز الإدارة المتكاملة للحدود، بهدف تعزيز القدرات على المراقبة وتيسير الحركة والتجارة، إضافة إلى مشروع تطوير الاستراتيجية البحرية المتكاملة للبنان، وتطوير مدرسة تدريب أفواج الحدود البرية وتحويل لبنان إلى مركز تدريب إقليمي.
لقاءات هيكل
في غضون ذلك، استقبل قائد الجيش العماد رودولف هيكل في مكتبه – اليرزة أمس، الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط، وتناول البحث الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة. وشدّد جنبلاط على أهمية الدور الوطني الذي يضطلع به الجيش، كذلك شدّد على ضرورة تعزيز الوحدة الوطنية في هذه المرحلة الدقيقة، حفاظًا على المصلحة الوطنية العليا.
وكان العماد هيكل زار مملكة البحرين لثلاثة ايام بدعوة رسمية من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS، وشارك في المنتدى الثاني والعشرين للأمن الإقليمي «حوار المنامة 2026». وقد حضر الاحتفال الافتتاحي للمنتدى، في حضور ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، إضافة إلى شخصيات عربية ودولية.
وعقد العماد هيكل، على هامش المنتدى، لقاءات ثنائية مع كل من: رئيس أركان الدفاع الهولندي الجنرال Onno Eichelsheim، الأمين العام المساعد للأمم المتحدة، والمدير المساعد لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، عبد الله الدردري، أمين السر البرلماني لوزير الدفاع الألماني Nils Schmid، مستشار الأمن القومي ومدير المخابرات في جمهورية قبرص Tasos Tzionis، نائب مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون الشرق الأوسط Michael P. DiMino IV، مدير السياسة الدفاعية في وزارة الدفاع الوطني في جمهورية ليتوانيا، Vaidotas Urbelis، ممثل رئيس أركان الجيوش الفرنسية Rear Admiral Yannick Bossu. وخلال هذه اللقاءات، تمّ عرض آخر التطورات في لبنان والمنطقة، وسبل تعزيز التعاون ودعم المؤسسة العسكرية، وجرى التشديد على أهمية جهود الجيش للحفاظ على أمن لبنان واستقراره، وسط التحدّيات الكبيرة الراهنة. وفق بيان وزعته قيادة الجيش أمس.
اتهام سوري
من جهة ثانية، أعلن جهاز الاستخبارات العامة السوري، بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي، «إحباط مخطط إرهابي لخلية تابعة لحزب الله، كان يستهدف مصفاة حمص».
وذكرت وزارة الداخلية السورية، في بيان، «أنّ العملية جاءت بعد متابعة أمنية دقيقة، وأسفرت عن إلقاء القبض على أفراد الخلية المتورطة، وضبط عبوات ناسفة بحوزتهم، كانت معدّة لاستخدامها في استهداف المصفاة». وأضافت «أنّ العملية تأتي في إطار جهود الأجهزة الأمنية لملاحقة الخلايا الإرهابية وإحباط مخططاتها، وحماية المنشآت الحيوية والمقدرات الاقتصادية في البلاد».
في المقابل، نفت العلاقات الإعلامية في «حزب الله»، في بيان، «جملة وتفصيلاً الاتهامات الواردة في بيان قوى الأمن الداخلي السوري بشأن ارتباط خلية مزعومة بالحزب». وكرّرت التأكيد «أنّ حزب الله ليس لديه أي وجود أو ارتباطات في الأراضي السورية، ولا علاقة له بأي نشاط يخلّ بأمن سوريا واستقرارها».
وزارة الإعلام اللبنانية