الرئيسية / صحف ومقالات / الأنباء: توازنات جديدة في الإقليم ولبنان في قلب المعادلة
الانباء

الأنباء: توازنات جديدة في الإقليم ولبنان في قلب المعادلة

كتبت صحيفة “الأنباء” الالكترونية: في لحظةٍ إقليمية دقيقة تتقاطع فيها الضغوط الدولية مع احتمالات التسويات الكبرى، يستمر الملف الإيراني–الأميركي في واجهة الاهتمام عقب اللقاء الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب برئيس حكومة العدو الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض. لقاءٌ حمل في طياته رسائل تتجاوز الشكل البروتوكولي إلى عمق التوازنات الاستراتيجية في المنطقة، حيث يتداخل مسار التفاوض مع لغة التهديد، وتتجاور احتمالات الانفراج مع مخاطر التصعيد، لا سيما أن مواقف متناقضة صدرت عقب هذا اللقاء.

فالرئيس ترامب، الذي وصف اللقاء بأنه «جيد جداً»، وأكد استمرار «العلاقة الهائلة» بين الولايات المتحدة وإسرائيل، قال: «في حال أمكن التوصل إلى صفقة فسيكون ذلك الخيار المفضّل، أما إذا تعذّر ذلك فسنرى ما ستكون عليه النتيجة».

فيما جدّد نتنياهو شكوكه حيال إمكان نجاح المفاوضات، مؤكداً إصراره على أن يشمل أي اتفاق ما اعتبرها «العناصر بالغة الأهمية بالنسبة لإسرائيل». وأضاف أن «هذه العناصر تشمل البرنامج النووي لإيران، وصواريخها الباليستية، والجماعات التي تعمل بالوكالة عنها».

في سياقٍ متصل، نشر الرئيس وليد جنبلاط عبر صفحته على منصة «إكس» صورة كاريكاتورية للرئيس ترامب بزيه العسكري يبحث في درجٍ يضم ملفات لعدة مناطق ساخنة، ويظهر من خلفه نتنياهو هامساً في أذنه، في إشارة إلى الدور المؤثر لنتنياهو في مواقف ترامب وقراراته.

وبالتالي، فإن أي تطور في هذا الملف لا ينعكس على إيران وحدها، بل يمتد تأثيره إلى مجمل ساحات الشرق الأوسط، وفي مقدمها لبنان، الذي يبقى أسير تجاذبات الخارج بقدر ما هو معنيّ بترسيخ مناعته الداخلية. ومن هنا، فإن قراءة هذه التحولات لا تنفصل عن التأكيد الدائم على ضرورة تحييد لبنان عن صراعات المحاور، وحماية استقراره عبر تعزيز مؤسساته الشرعية وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية وتحصين الوحدة الوطنية.

وفي خضم هذه المتغيرات، تحضر ذكرى الرابع عشر من شباط 1984، ذكرى تحرير منطقة الشحار الغربي في عاليه، بما تمثّله من محطة مضيئة في مسيرة النضال الوطني. إنها ذكرى تؤكد أن إرادة الناس، حين تتوحّد حول خيار الحرية والسيادة، قادرة على كسر معادلات القهر والاحتلال. وقد شكّلت تلك المحطة دليلاً إضافياً على أن المقاومة الحقيقية تنبع من التمسك بالأرض والإنسان والعيش المشترك، لا من منطق الغلبة والانقسام.

إن استعادة هذه الذكرى اليوم، التي دعا إلى إحيائها الحزب التقدمي الاشتراكي في مقام الأمير السيد عبد الله التنوخي، ليست مجرد استحضار للتاريخ، بل تأكيد لثوابت سياسية وأخلاقية أعلنها الرئيس وليد جنبلاط مراراً، وقدّم الحزب من أجلها الكثير من التضحيات التي حققت حينها إنجازات وطنية وعربية تمثلت في إسقاط اتفاق 17 أيار وتثبيت عروبة لبنان. وبالتالي، فإن الاحتفال بهذه المناسبة المباركة اليوم يحمل رسائل عديدة للداخل اللبناني والخارج الإقليمي، ولا سيما لأبناء طائفة الموحدين المسلمين الدروز في سوريا وفلسطين، حول أهمية التمسك بالهوية العربية وبالانتماء الحضاري للإسلام المتسامح، وأن محاولة الانفصال التي يدعو إليها البعض ليست خروجاً عن التاريخ والقيم والثوابت المعروفية فحسب، بل انتحاراً سياسياً لن يقبل به الشرفاء في السويداء ولا في الجولان ولا في فلسطين.

أما في الشأن الداخلي، فقد أعاد تصريح رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون حول اكتظاظ السجون في لبنان تسليط الضوء على أزمة مزمنة تمس جوهر العدالة وحقوق الإنسان. فالسجون المكتظة ليست مجرد مشكلة إدارية، بل مؤشر على خلل بنيوي في منظومة العدالة وتأخر الإصلاحات التشريعية. ومن هنا، يلتقي موقف الرئاسة مع المواقف التي عبّر عنها الحزب التقدمي الاشتراكي مراراً، من خلال مطالبته بإقرار قوانين تسرّع المحاكمات، وتوسيع بدائل التوقيف الاحتياطي، وتحسين أوضاع السجون بما يحفظ كرامة الإنسان. كما يندرج في السياق نفسه الدور الذي اضطلعت به جمعية «نضال لأجل الإنسان» في متابعة هذا الملف، حاملةً قضية السجناء بوصفها قضية عدالة اجتماعية لا تقل أهمية عن أي ملف سياسي أو اقتصادي.

في موازاة ذلك، يبقى ملف المنازل المتصدعة في مدينة طرابلس جرحاً مفتوحاً في خاصرة الشمال، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع الإهمال المزمن للبنى التحتية. وعلى أمل أن يأخذ هذا الملف طريقه إلى المعالجة الجدية، بدأت أعمال تنفيذ مقررات مجلس الوزراء عبر تنفيذ المرحلة الأولى من إخلاء المباني المتصدعة، حيث جرى إخلاء 16 مبنى و161 عائلة، وتأمين مراكز إيواء موقتة لـ46 عائلة طلبت ذلك، وبدء أعمال تدعيم 7 أبنية قابلة للتدعيم وفق التقارير الفنية والهندسية.

كما تم إدراج جميع العائلات ضمن برنامجي «أمان» لدى وزارة الشؤون الاجتماعية وبرنامج التغطية الصحية لدى وزارة الصحة العامة، بما يضمن استمرارية الدعم الاجتماعي والصحي.

إن متابعة هذا الملف ليست عملاً خدماتياً عابراً، بل مسؤولية وطنية تتطلب خطة طوارئ واضحة وإجراءات تنفيذية عاجلة لحماية أرواح المواطنين. فالدولة التي تعجز عن تأمين السلامة السكنية لمواطنيها تفقد أحد أهم مرتكزات شرعيتها الاجتماعية.

بين تحولات الإقليم واستحقاقات الداخل، يتكرّس خيار واضح: التمسك بثوابت التحرير والسيادة، والعمل الدؤوب لبناء دولة عادلة قادرة تحمي حقوق مواطنيها وتصون كرامتهم. هكذا فقط يُصان لبنان من رياح العواصف، وهكذا تُترجم تضحيات الأمس إلى إصلاحات اليوم، في مسار يجمع بين الذاكرة الوطنية والمسؤولية المستقبلية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *