الرئيسية / إعلام المواطن / بين الدمار والأمل: قوة التعلم والتطوير في أوقات الحرب
A boy saves a few books from the rubble of his home, a six storey apartment building which was bombed by the Israeli air force. The building was in the middle of a densely populated area in the city of Tyre. Three casualties were reported.
A boy saves a few books from the rubble of his home, a six storey apartment building which was bombed by the Israeli air force. The building was in the middle of a densely populated area in the city of Tyre. Three casualties were reported.

بين الدمار والأمل: قوة التعلم والتطوير في أوقات الحرب

كتبت الباحثة و الخبيرة التربوية ليال غدار مقالا تحت عنوان “بين الدمار والأمل: قوة التعلم والتطوير في أوقات الحرب”، اعتبرت فيه ان زمن الحرب، تتغير الأولويات، وتتداخل المخاوف اليومية مع تفاصيل الحياة الأساسية. وجاء في المقال:

ليال غدار

في زمن الحرب، تتغير الأولويات، وتتداخل المخاوف اليومية مع تفاصيل الحياة الأساسية. قد يشعر الكثيرون أن الاستمرار في التعليم أو التطوير يبدو ثقيلاً في ظل ظروف النزاع، لكن في الواقع يُعد التعلم والتطوير أحد أقوى أدوات الصمود التي يمتلكها الإنسان والمجتمع.

الحرب تدفعنا إلى إعادة ترتيب حياتنا، لكن ذلك لا يعني أن نترك حياتنا تتوقف. بل على العكس، عندما يستمر الإنسان في التعلم وتطوير مهاراته ومعرفته، فإنه يحافظ على هويته، ويصنع مستقبلًا أكثر إشراقًا رغم الصعاب. التعليم لا يمنح المعرفة فحسب، بل يعطي الإنسان معنى وهدفًا في حياته. في زمن تتراجع فيه الكثير من الخدمات الأساسية ويكثر القلق حول المستقبل، يصبح التعلم من أقل ما يمكننا الحفاظ عليه لنحافظ على روحنا المعنوية وتركيزنا الذهني.

من جهة أخرى، أشارت دراسة صادرة عن اليونيسكو حول التعليم في حالات الطوارئ إلى أن استمرار التعلم خلال الأزمات لا يوفر فقط معرفة وآفاقًا مستقبلية، بل يقدم الاستقرار والحماية والدعم النفسي للمجتمعات المتأثرة بالحروب. فالتعليم خلال الأزمة يشكل “ملاذًا” يمنح الطلاب شعورًا بالاستمرارية والحياة الطبيعية قدر الإمكان، ويساهم في تقليل مشاعر القلق واليأس لديهم، ويعزز قدرة المجتمعات على التعافي وإعادة بناء السلام بعد انتهاء النزاع. كما أكدت اليونيسكو أن استمرار التعلم يمنح الشباب إحساسًا بالهدف والمعنى، ويزودهم بمهارات حياتية تساعدهم على التكيف مع الظروف الصعبة.

ولا يقتصر تأثير الحرب على الكبار فقط، بل يمتد بعمق إلى الأطفال، الذين يلتقطون مشاعر القلق والخوف من الكبار حتى وإن لم يفهموا تفاصيل الأحداث. ولهذا، ينصح الخبراء التربويون بحماية الأطفال من التعرض المفرط لأخبار الحرب، وفتح مساحات آمنة لهم للتعبير عن مشاعرهم من خلال الرسم والكتابة واللعب، وهو ما يشير إليه تقرير آخر من اليونيسف حول حماية الأطفال في مناطق النزاع، حيث تبين أن الأنشطة الإبداعية والتربوية تساعد الأطفال على التكيف النفسي وتخفف من آثار الصدمات.

الاستمرار في التعلم يمنح الناس مهارات عملية تساعدهم على مواجهة التحديات اليومية، سواء في العمل أو في تنظيم حياتهم أو حتى في دعم أسرهم، ويجعلهم قادرين على الابتكار وحل المشكلات والتكيف مع الظروف المتغيرة. كما يرتبط التعلم ارتباطًا وثيقًا بالاستقرار النفسي؛ فالعقل عندما يظل منشغلاً بالتعلم والتطوير، يحافظ على شعور بالاستقلالية والسيطرة على حياته، وهو أمر بالغ الأهمية في مواجهة مشاعر القلق والخوف التي ترافق الحروب.

في خضم هذه التحديات، يظهر مفهوم القيادة الإنسانية. فالقيادة في زمن الحرب لا تعني فقط اتخاذ القرارات، بل تعني القدرة على زرع الأمل في نفوس الآخرين. القائد الحقيقي هو من يذكّر الناس بأن الظروف مهما اشتدت، فهي ليست نهاية الطريق. فقد أثبت التاريخ أن المجتمعات التي استطاعت النهوض بعد الأزمات لم تكن تلك التي لم تعانِ، بل تلك التي امتلكت القدرة على الصمود والتعاون وإعادة بناء الأمل.

لذلك، ربما لا نستطيع إيقاف الحروب بأنفسنا، لكننا نستطيع أن نحافظ على أشياء بالغة الأهمية: أن نستمر في التعلم، وأن ندعم بعضنا البعض، وأن نزرع الطمأنينة في نفوس أبنائنا، وأن نؤمن بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل. فالتعليم والتطوير في زمن الحرب ليس رفاهية، بل سلاح ضد اليأس وركيزة لبناء المستقبل. الاستمرارية في التعلم والتطوير تثبت أن الحياة لا تتوقف، وأن الإنسان قادر على الصمود والبناء مهما اشتدت الظروف.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *