كتبت صحيفة “البناء”: شكّل الإعلان العُماني المفاجئ عن تأجيل الاجتماع الإيرانيّ الخليجيّ، الذي كان مقرراً اليوم الاثنين، تطوراً يتجاوز الأسباب البروتوكولية التي يمكن أن تحيط عادة بتأجيل اجتماع دبلوماسي. فالاجتماع كان يفترض أن يشكل أول ترجمة سياسية للتوازنات الجديدة التي فرضها إقفال مضيق هرمز، ثم انتقال «أنصار الله» إلى ساحل باب المندب، ووصول النار إلى خط أنابيب «الشرق – الغرب» السعودي. وكان يفترض أن يبحث وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مشروعاً إيرانياً عُمانياً مؤقتاً لتنظيم الملاحة في هرمز، يفتح الباب أمام مسار أوسع للتفاوض الأميركي الإيراني. لكن حجم المشاركة الخليجية بقي موضع شك، بعدما أعلنت البحرين رفضها الحضور، ولم تؤكد المشاركة سوى حكومة العراق، قبل أن يعلن وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي تأجيل الاجتماع من دون تحديد موعد جديد.
لا يبدو التأجيل إلغاءً للمسار، لأن الأسباب التي دفعت السعودية ودول الخليج إلى التفكير بالحوار مع إيران لم تتغير، بل ازدادت قوة. لكن عقد الاجتماع وفق الصيغة الإيرانية العُمانية كان يعني تسليماً سعودياً أميركياً بأن الضغط العسكري والاقتصادي على إيران انتهى إلى نتيجة معاكسة، وأن إيران نجحت في نقل النقاش من كيفية فتح هرمز بالقوة إلى كيفية التفاوض معها على شروط فتحه، ثم أضاف اليمن باب المندب وخط «الشرق – الغرب» إلى أوراق القوة الإيرانية. السعودية تحتاج إلى دخول إيراني لوقف التقدم اليمني وتخفيف الضربات على أراضيها ومنشآتها، بينما تخشى واشنطن أن يؤدي تفاهم سعودي إيراني منفصل إلى اتفاق يضغط عليها ولا يتم معها. لذلك جاء التأجيل تعبيراً عن الإحباط الأميركي السعودي ومحاولة لكسب الوقت وإعادة صناعة شيء من التوازن قبل العودة إلى الاجتماع، ما يفتح الباب أمام جولة مزدوجة من التصعيد، يمنية سعودية وأميركية إيرانية.
ميدانياً، ظهرت إشارات التسخين سريعاً على جبهتي الناقلات واليمن. فقد تعرضت سفينة شحن إيرانية لهجوم قرب جزيرة قشم في مضيق هرمز، أدّى وفق المصادر الإيرانية إلى سقوط شهيد وإصابة أربعة، واتهمت طهران «عدواً إرهابياً» بالوقوف وراء العملية من دون تسمية الجهة المنفذة. وجاء الهجوم بالتزامن مع حوادث استهداف سفن أخرى في محيط المضيق، بما يطرح سؤالاً حول خلط الأوراق قبل تحديد موعد جديد لاجتماع عُمان. فالضربات التي تستهدف السفن الإيرانية تقول إن جبهة الناقلات مفتوحة، وإن الذين عجزوا عن فرض الملاحة الطبيعية عبر هرمز قد يحاولون الانتقال مجدداً إلى معادلة ناقلة مقابل ناقلة، لكن الرد الإيراني المحتمل قد يوسّع نطاق المخاطر بدلاً من تعديل ميزان القوى.
على الجبهة اليمنية، تواصلت المعارك بعد التحول الكبير الذي أحدثه تقدم «أنصار الله» على الساحل الغربي ووصولهم إلى المخا ومواقع استراتيجيّة في باب المندب. وعلى جبهة مأرب، انتقلت المواجهات من حالة التصعيد المتقطع إلى استنزاف واسع على محاور الجوبة والعبدية جنوباً، وصرواح والكسارة غرباً، بالتوازي مع اشتباكات الجوف المتصلة بالمحور الشمالي الغربي للمدينة، وسط معلومات عن تقدّم «أنصار الله» نحو مأرب. وفتح الجبهة يحقق هدفاً عملياتياً مهماً، هو تشتيت القوات الموالية للسعودية ومنع نقل احتياطاتها إلى الساحل الغربي لاستعادة المخا وباب المندب. وهكذا لم تعُد السعودية تواجه جبهة ساحلية منفردة، بل قوساً عسكرياً يمتد من مأرب والجوف إلى تعز وباب المندب، بالتزامن مع الضربات داخل أراضيها. وهذا يجعل مأرب مؤشراً يجب رصده خلال الساعات المقبلة، لأن انتقال المعارك من التمهيد الناري إلى تقدّم برّي مثبت سيعني أن الجولة اليمنية التي سبقت تأجيل اجتماع عُمان بدأت تتوسع فعلياً. وبالتوازي مع الغارات السعودية المكثفة، أعلنت صنعاء استهداف قاعدة شرورة ومواقع داخل السعودية بالصواريخ والمسيّرات، بعدما أدى استهداف خط أنابيب «الشرق – الغرب» إلى إقفاله احترازياً. وهكذا باتت المنافذ الثلاثة التي يقوم عليها أمن الطاقة الخليجي تحت الضغط في وقت واحد: هرمز مقفل إلا ضمن الحدود التي تسمح بها إيران، وباب المندب دخل مرحلة جديدة مع التقدم اليمنيّ، وخط «الشرق – الغرب» الذي أنشئ لتجاوز هرمز خرج من الخدمة مؤقتاً. وإذا كان تأجيل اجتماع عُمان محاولة لتحسين شروط التفاوض، فإن الميدان سيكون المكان الذي يحاول فيه كل طرف جمع الأوراق اللازمة قبل الموعد البديل.
يبقى سعر البرميل الحكم الأكثر دقة على قراءة الأسواق لهذه التطورات. فقد أقفل خام برنت يوم الجمعة قرب 104.61 دولارات للبرميل، مستفيداً من التوقعات التي سبقت اجتماع عُمان ومن الاعتقاد بأن المسار الدبلوماسي قد يخفف المخاطر على الملاحة. لكن الأسواق كانت مقفلة عندما أُعلن تأجيل الاجتماع ووقعت ضربة السفينة الإيرانية وتصاعدت المواجهة اليمنية السعودية. ولذلك يكتسب افتتاح اليوم أهمية استثنائية، لأن اتجاه السعر سيكشف ما إذا كانت الأسواق ترى التأجيل محطة تقنية تسبق موعداً جديداً، أم بداية لجولة عسكرية تهدّد ما تبقى من تدفقات النفط. وأي عودة نحو 110 دولارات ستعني أن رسالة التصعيد كانت أقوى من التطمينات السياسية، وأن كلفة تأخير التسوية بدأت تنتقل مجدداً إلى الاقتصاد العالمي.
في لبنان، تبدو أزمة نتنياهو الانتخابية حاضرة بقوة في التناقض بين التصريحات الإسرائيلية حول المنطقة المحتلة وإعادة الانتشار. ففي وقت يعلن وزير الحرب يسرائيل كاتس أن الانسحاب غير وارد من تلة علي الطاهر وسواها، قبل نزع سلاح المقاومة وزوال ما يسميه التهديد، تتحدث هيئة البث الإسرائيلية عن بحث الجيش العودة إلى خط خلفي بعمق أربعة كيلومترات وتقليص حجم المنطقة الأمنية. وبين الحديث عن «السيطرة العملياتية» على علي الطاهر والقول إنّها لم تعد تشكل تهديداً، ثم الإشارة إلى الاكتفاء بمراقبتها لمنع عودة المقاومة إليها، تتزايد الأسئلة حول حقيقة الإنجاز الذي يعلنه نتنياهو، وحول قدرة جيش الاحتلال على تثبيت وجود طويل في منطقة واسعة.
وتنعكس الضبابية العسكرية على المسار التفاوضي اللبناني الإسرائيلي. فبعد الحديث عن جلسة ثم نفيها، انتهى الأمر إلى إعلان لقاء بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن، ووعد بجولة جديدة في روما خلال الشهر المقبل من دون موعد محدد. أما الأسئلة اللبنانية حول آلية التحقق ووقف النار وتسمية المناطق التجريبية وضمان الانسحاب وعودة السكان، فلا تزال بلا جواب. وتبدو الذريعة الإسرائيلية جاهزة، وهي انتظار الانتخابات، بينما يكتفي الأميركي بالحفاظ على صورة تفاوض شكلي كي لا يعلن موت اتفاق السادس والعشرين من حزيران. وهكذا تحول التفاوض إلى لعبة مواعيد، فيما يبقى الاحتلال قائماً والقصف مستمراً، وتدفع القرى الجنوبية والنازحون ثمن انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية.
تحاول «إسرائيل» تثبيت معادلة جديدة بالقوة؛ فخفض عديد قواتها لا يعني مغادرة الأرض، والابتعاد عن بعض المرتفعات لا يعني التخلي عن السيطرة عليها، فيما يبقى قرار الضرب والاستهداف بيدها. وهكذا تتحول مرتفعات «علي الطاهر» من موقع عسكري إلى نموذج لما تريده تل أبيب للجنوب.
ووفق قراءة عسكرية، فإن ما يجري ليس تفصيلاً عسكرياً مرتبطاً بانتهاء عملية، بل إعادة صياغة لقواعد الاشتباك. فكيان الاحتلال، الذي يتحدّث عن انسحاب تكتيكيّ من «علي الطاهر»، يعلن في الوقت نفسه أنه لن ينسحب من المنطقة الأمنية قبل نزع سلاح حزب الله، ويضع مناطق في الجنوب تحت عنوان «مناطق تدمير»، بما يعني عملياً أن تل أبيب تريد الاحتفاظ بحق تحديد مَن يقترب، ومَن يُستهدف، وأين تنتهي حدود حركتها العسكرية.
وبذلك، لا تبدو تل أبيب بصدد إخلاء الجنوب بقدر ما تسعى إلى الانتقال من احتلال عسكريّ مباشر وكثيف إلى سيطرة أمنية مفتوحة، مدعومة بالنار والاستخبارات والطائرات، مع إبقاء قواتها في نقاط تعتبرها أكثر ملاءمة للدفاع عنها. إنها صيغة تسمح لـ«إسرائيل» بتقليص حضورها العسكري من دون التنازل عن المكاسب التي حققتها بالقوة.
وقال وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس إنّ الجيش الإسرائيلي «لن ينسحب من المنطقة الأمنية إلى حين نزع سلاح حزب الله في جميع أنحاء لبنان».
وأضاف كاتس أنّ مرتفعات «علي الطاهر» تُعدّ، وفق التصنيف الإسرائيلي، «جزءاً من الخط الأصفر ومن المنطقة الأمنية لـ«إسرائيل» في لبنان».
وهدّد كاتس باستهداف كل من يقترب من المنطقة، قائلاً إنّ «كل من يقترب من مرتفعات علي الطاهر سيُقضى عليه».
وفيما تتكثّف الضغوط على لبنان لحصر النقاش في سلاح حزب الله، يأتي كلام الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي ليُعيد وضع الأزمة في إطارها الأوسع، مؤكداً أن المعضلة اللبنانية لا تُختزل في ملف السلاح، بل تتصل أيضاً باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية، وما يترتب عليه من اعتداءات ووقائع ميدانية تُبقي الجنوب في دائرة التوتر.
إلى ذلك، أعلنت السفارة الأميركية في بيروت أنّ سفيري لبنان و»إسرائيل» سيعقدان اجتماعاً في واشنطن الأسبوع المقبل، لبحث سبل مواصلة تنفيذ «الإطار الثلاثي» المعتمد بين الجانبين.
وأوضحت السفارة أنّ الجولة المقبلة من المحادثات الرسمية اللبنانية ـ الإسرائيلية ستُعقد في العاصمة الإيطالية روما خلال شهر تشرين الأول/أكتوبر المقبل، بعدما كان من المقرّر عقدها في وقت أبكر.
إلى ذلك، فإن الترقب سيد الموقف لمؤتمر باريس هذا الأسبوع، رغم عدم تعويل عدد من المسؤولين عليه. إلا أن المؤتمر ليس مجرد محطة إضافية في روزنامة الدعم الدولي للجيش، ولا مناسبة لتبادل المواقف والتقاط الصور، لا سيما أن الجنوب دخل مرحلة لم يعُد فيها الكلام عن دعم الجيش منفصلاً عن تساؤلات حول ما إذا كانت الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تريد جيشاً قادراً فعلاً على تثبيت حضور الدولة، أم مجرد مؤسسة يُطلب منها تحمّل مسؤوليات أكبر من قدراتها؟
وغداة انعقاد المؤتمر التحضيري، تقول مصادر سياسية إنّ العبرة لن تكون في مستوى التمثيل ولا في عدد المشاركين، بل في ما سيخرج به المؤتمر من التزامات فعلية. فالدعم المطلوب لا يحتمل المزيد من الوعود المؤجلة، فيما يبقى القرار الأميركي العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه المساعدات، إلى جانب استعداد الدول المشاركة للانتقال من التضامن السياسي إلى مساهمات ملموسة تعزز قدرات الجيش.
وفي هذا السياق، يتوجّه رئيس الجمهورية جوزاف عون، الخميس المقبل، إلى باريس. وكان الرئيس عون قد زار السبت النبطية، برفقة قائد الجيش العماد رودولف هيكل والقيادات الأمنية، معلناً أنّ «لا مفاوضات في الوقت الحالي»، ومشدداً على أنّ «جرح الجنوب يجب أن يُختَم مرةً لكلّ المرات».
وأشار الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى أن المفاوضات وصلت إلى «أفق مسدود»، معتبراً أن الاتصالات والوعود لم تعد تُفضي إلى أي نتيجة. ودعا إلى الانتقال من الرهان على المسارات التفاوضية إلى إعداد خطة عملية لمساعدة أهالي الجنوب، بالتوازي مع وضع خطة داخلية للصمود، قائلاً: «كفى أوهاماً».
وشدّد النائب حسن عز الدين على أن «المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يمثل تهديداً للجنوب وحده، بل خطراً وجودياً على لبنان بأكمله، وقد يمتد إلى البقاع وبيروت والشمال وكل منطقة يريد العدو الوصول إليها»، موضحاً أن «التفجير الإسرائيلي في جبل علي الطاهر يأتي في سياق سياسة الأرض المحروقة، بل يتجاوزها إلى سياسة الترميد وتحويل القرى إلى رماد»، مشيراً إلى «قرى أُعدمت فيها الحياة وتحولت إلى ركام»، ومعتبراً أن «ما يجري يؤكد أن العدو يرفض الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة بدعم من السلطة التي أغرته في مشروعه التوسعي».
وفي ما يتعلق بالسلطة السياسية، رأى عز الدين أنها «نتيجة إهمالها تجاه شعبها وعدم قيامها بوظيفتها ومسؤولياتها، تضع نفسها أمام المساءلة والمحاسبة»، مشيراً إلى أن «جلسة عامة لمساءلة الحكومة ستُعقد يومي الثلاثاء والأربعاء، وسيشارك فيها نواب في طرح الأسئلة حول ما قدّمته الحكومة وما التزمت به وفق البيان الوزاري الذي نالت على أساسه الثقة».
وكان رئيس مجلس النواب نبيه بري قد دعا إلى عقد جلسة عامة غداً وبعد غد لمناقشة الحكومة ومساءلتها، وتأتي الدعوة في ظل تصاعد الاعتداءات والتهديدات الإسرائيلية في الجنوب، وعودة ملف حصر السلاح وبسط سلطة الدولة إلى واجهة النقاش الداخلي والخارجي، فيما تتجه الأنظار إلى موقف الحكومة من الملفات المطروحة، ولا سيما ما يتصل بالجنوب، ومسؤوليات الدولة، وآليات مواجهة المرحلة المقبلة.
وقال البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي، في عظة قداس الأحد، إن ما يصيب الجنوب يصيب لبنان كله، مؤكداً أنه لا يجوز أن يتحوّل موت المواطنين إلى خبر معتاد.
وأضاف أن أهالي النبطية «أقرباؤنا ودمهم ليس أقل قيمة من دم أي لبناني»، مشدداً على أن حماية الجنوب لا تكون بالشعارات، بل بحماية الناس وصون حياتهم وكرامتهم.
وفي ما يتعلق بالمفاوضات، شدد الراعي على ضرورة أن تسير ضمن مسار محدد يحفظ السيادة اللبنانية ويمنع تكرار التصعيد، معتبراً أنها يجب أن تكون وسيلة للوصول إلى حل واضح يضع حداً لحالة عدم الاستقرار.
وزارة الإعلام اللبنانية