كتب الوزير السابق الدكتور جورج كلاس تحت عنوان ” السيادة الإعلامية وإستراتيجيات التفاوض مسؤولية إدارة الحقائق”:
تتوازى مسؤولية الاعلام في ادارة الحقائق في الظروف الساخنة والأزمنة المصيرية مع المسؤولية الوطنية للمرجعية السياسية التي تتولى أمور التفاوض حرصا على دقةً التعامل مع الحقائق . ففي الازمات المصيرية تتطور وظيفة الإعلام من الإخبار والتغطية إلى مواكبة الاحداث وتحصين المعرفة و يتحوّل إلى شريكٍ في صناعة القرار وحماية صحة الوقائع ويسهم ببناء الثقة القومية ونعزيز السيادة الوطنية. فالدول التي تتأهل للدخول إلى أجواء مفاوضات حسّاسة حول الحرب أو الحدود أو التوازنات الاستراتيجية تولي إدارة الكلمة أهمية تعادل في بعض نواحيها إدارة الميدان، وتهتم بصياغة خطاب إعلامي يحمي الموقف السياسي ، بمثل ما يعزّز الموقع التفاوضي و يكشف هشاشة البروتوكولات الكلامية والتحركات الدبلوماسية المرافقة لأي مبادرة تفاوضية ،مبنية على رغبة شخصية او تنطلق من تأسيس محصن دستوريا .
من هذا التشابك بالرؤية والصلاحيات تبدو أزمة المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل أكثر تعقيداً من بعدها الدبلوماسي المباشر، لأنّها تكشف أزمة الدولة اللبنانية نفسها من حيث أزمة المرجعية، وأزمة القرار، وأزمة الخطاب الوطني الجامع. فلبنان لا يفاوض فقط تحت ضغط التوازنات الإقليمية والدولية، بل يفاوض أيضاً وسط انقسام داخلي عميق، وعلى تماس قاس مع واقع مأساوي تدميري وإبادي ،وفي ظلّ مشهد إعلامي متشظٍّ يعكس واقع الانقسامات السياسية والطائفية ذاتها حول توقيت التفاوض وغايته وإستثماراته مستقبلاً .
لقد تحوّلت المفاوضات في المرحلة الأخيرة إلى مادة يومية للتسريبات والتأويلات والتجاذبات والتفسيرات ، وتعدّدت السرديات حول طبيعة الاتصالات التمهيدية ، ومستوى التمثيل، وحدود تدخل الدور الأميركي، والرسائل الإسرائيلية ميدانياً ، فيما بدا الرأي العام اللبناني أمام مشهد إعلامي مرتبك، تتداخل فيه الحقيقة بالإشاعة، والمعلومة بالتحريض، والتحليل بالموقف الأيديولوجي ، حيث تكثر التنبؤات وتشيع التوقعات ويتسع مجال الإرتقابات .
مع اللقاءات التمهيدية للتفاوض يبرز السؤال حول أي دور للإعلام اللبناني في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه ،وهل يستطيع أن يكون سنداً للدولة في لحظة تفاوضية مصيرية، أم انه تحوّل إلى امتدادٍ للانقسامات السياسية والمحاور الإقليمية الكثيرة التشابكات والمهددة بمزايدات . ففي التجارب الدولية الكبرى، غالباً ما تعتمد الدول التي تخوض مفاوضات حساسة منظومة إعلامية منضبطة تخضع لاستراتيجية وطنية واضحة بخلاف ما هو عليه الواقع الاعلامي في لبنان الذي يعيش حالة من ديمقراطية الفوضى . فثمة دول تدير ملفاتها التفاوضية عبر خطاب سياسي وإعلامي متكامل، فيما تعتمد دول أخرى تقاليد إعلامية تقوم على حماية المصلحة الوطنية في القضايا السيادية الكبرى وفقاً لما يتناسب مع مفاهيم الديمقراطية وقيمها وممارساتها السياسية .اما في لبنان، فإنّ الإعلام يعمل داخل بنية سياسية منقسمة، حيث تتحوّل بعض الوسائل الإعلامية إلى امتدادات مباشرة للمحاور السياسية والطائفية . وبذلك يعكس الإعلام اللبناني في كثير من الأحيان جزءاً من الاشتباك الداخلي حول المفاوضات، بدل ان يكون شريكاً في حماية الموقف الوطني الواجب تكوينه لتحصين مركزيات التفاوض . وظهرت خلال المرحلة الأخيرة من الكلام حول اجراء مفاوضات واشنطن اتجاهات إعلامية أساسية تتركز حول إعلام الدولة والسيادة ، وهو إعلام ينطلق من أولوية حماية الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية، ويؤكد أنّ أي تفاوض يجب أن يُدار حصراً عبر المرجعيات الرسمية، ضمن رؤية وطنية موحّدة تحفظ حق لبنان وسيادته وتعبر عن لبنان الدولة الدستورية بكل مؤسساتها وتركيباتها الكيانيّة ، وتعالج استراتيجيات إعلام النوعيات اللبنانيةِ والتصدي لمخططات العدو ومواجهة إعتداءاته، انطلاقاً من انه إعلام يحلل وضعيات أي تفاوض ضمن سياق الصراع الإقليمي الأشمل، ويخاف من أن تتحوّل العملية التفاوضية إلى مدخل لإعادة صياغة التوازنات السياسية الداخلية والإقليمية على حساب لبنان ، وصولاً الى فنون إعلام التعمية والتسريب وصناعة الجذب ،وهو النمط الاتصالي الأخطر، لأنّه يحوّل القضية الوطنية إلى مادة للسبق الإعلامي أو الاستثمار السياسي، ولو على حساب الدقة أو الأمن الوطني أو استقرار الرأي العام ، حيث تتجلّى إحدى أخطر أزمات الإعلام اللبناني التي تتظهر بغياب الحدود الفاصلة بين حرية الإعلام وبين الفوضى الإعلامية، وبين حق الوصول إلى المعلومات وبين تعميم التسريبات غير المنضبطة ،؟ومحاولة خلق إعلام تضليلي وإبتزازي يستدرج مؤيدي التفاوض ومعارضيه الى مواقف وتصريحات متعاكسة تولد إحتقانات وتشوش على جو المفاوضات .
ومع تنامي الشعور بالمأزقية حول حماية التفاوض يُطرح السؤال حول من يستثمر في تناقض المواقف في عمليات التفاهم والتلاقي والتشاور التي تقود الى مفاوضات مباشرة بعد إنضاج ظروفها ؟ ففي كل المفاوضات المعقدة ، لا تكون النزالات على طاولة التفاوض حصرا، بل انها تنسحب الى ادارة الخطاب وإستثمار الصورة وتوظيف العام. ولذلك، فإنّ تضارب المواقف والتصريحات لا يبقى مجرّد تفصيل إعلامي، بل يتحوّل إلى عنصرٍ يستثمر فيه الخصوم والوسطاء والقوى الدولية التي يهمها إفشال عمليات التفاوض من خلال الإكثار من وضع الشروط ورفض المقترحات والتصلب بالمواقف بما يؤسس لخطاب تناقضي ، يعاند بما يريد و لا يعرف ماذا يطرح من بدائل . وهذا الوضع يفسر التناقض الداخلي الخطاب اللبناني حيث يمنح المفاوِضين هامشاً أوسع للمناورة، ويكشف ضعف المرجعية الوطنية، ويحوّل الانقسام الداخلي إلى ورقة ضغط سياسية ودبلوماسية يستفيد منها أعداء لبنان في ساحات التفاوض . وهنا، تصبح إدارة إعلام المفاوضات جزءاً من إدارة الدولة نفسها بكل سياساتها ورؤيتها ومسارها . فالدبلوماسية الحديثة لا ترتكز على ترتيب اللقاءات المغلقة، بل تعتمد سياسة صناعة وتهيئة المناخ النفسي والسياسي والإعلامي المواكب لظروف المفاوضات .
وفي هذا السياق، يبرز السؤال عن نفعية ومغزى إستبدال الميدان الحربي بالميدان الدبلوماسي ، بالتوقيت و الأسباب والدوافع ؟
لقد أثبتت التحولات الدولية أنّ الحروب لم تعد تُحسم فقط بالقوة العسكرية، بل أيضاً بالقدرة على إدارة التفاوض وبإحترافية تحويل الإنجاز الميداني إلى مكسب سياسي ودبلوماسي ، محصّن بإعلام إستراتيجي صلب المصطلحات وقوي الدلالات ويكون داعماً لدبلوماسية التفاوض من دون التهاون بالجهر بإنتقاد مسارها والمبادرة بتقديم مشورات وإقتراحات يراها مفيدة لتزخيم آلية التفاوض، بحيث تصبح الدبلوماسية امتداداً لتظهير الخلافات وتعمل على تشخيص مشاريع الحلول تمهيداً لمناقشتها والتفاوض حول بنودها . وهذ ما يعطي الإعلام التفاوضي موقعا متقدما كأكثر أدوات المباحثات تأثيراً وفعالية ، مع التزام الإعلام الاحترافي مبدأ الكتمانية والحفاظ على شريك التداولات ، قبل الإعلان عنها رسميا من قبل الناطق الرسمي او المكلفين رسميا بالإفصاح عن مراحل الاجتماعات والتوافقات التي تم التوصل إليها، مرحليا. وتلك مهمة تنفيذية خاصة يتولاها الإعلام الخاص المرافق لجلسات الحوار والنقاش ، تماما مثل مايقوم به الإعلام الحربي المرافق للجيوش في الميدانيات، من حيث هو إعلام متخصص بقيادة خبراء متخصصين ، وهذا ما يضفي على الإعلام التفاوضي مسؤولية نوعية على مستويين متكاملين ، مستوى التغطية الخبرية ومستوى حماية المعلومات التي يستقيها من المصدر الرسمي ويعمل على نشرها وفق توقيت معين، يشكل جزءا من استراتيجي التفاوض .
وحول إمكانية وجود ثنائية تعارضية او تكاملية بين الاعلام ودبلوماسية التفاوض ، فإن الإعلام والدبلوماسية يقفان في موقع التعارض، لأنّ الدبلوماسية تحتاج إلى الهدوء والكتمان، فيما يقوم الإعلام الكلاسيكي على الكشف والنشر والتداول العلني وتحقيق السبق الخبري ، إلا أنّ الدراسات أثبتت أنّ العلاقة بينهما ليست علاقة تناقض، بل علاقة تكامل بالشكل وتعاون بالمضمون ،وهذا ما يؤكد موقع الاعلام ومركزيته في إجراءات التفاوض والتهيئة لها ، بالمباشر او بالتفويض . علماً بأن ثمةإلتباس تفسيري بين معنى التفاوض المباشر وغير المباشر .
فالإعلام يمكن أن يكون قوة دعم للدبلوماسية عندما يساهم في بناء الثقة الوطنية، وفي شرح المواقف الرسمية وحماية الرأي العام من أساليب التضليل والضغوط النفسية، إلا انه قد يتحوّل عبئاً على الدولة متى جنح الى التسريب والتحريض وتنمية الخلافات والمزايدات السياسية في مجتمع متنوع سياسياً وطائفيا مثل الحالة اللبنانية الراهنة .
الدبلوماسية تحتاج إلى إعلام مهني ومسؤول، والإعلام يحتاج إلى دولة تمتلك وضوحاً في الرؤية وشفافية في إدارة الأزمات. أما حين يفتقد البلد الى المرجعية السياسية الناطقة بإسمه ، فإنّ العلاقة بين الإعلام والدبلوماسية والسلطة تتحوّل إلى علاقة ارتباك وعدم ثقة ، لأنه في هذه ال وضعية يمسي الاعلام التفاوضي بديلاً عن القرار السياسي والتسريبات بديلاً عن البيانات الرسمية ذات الصلة .وتطرح ازمة غياب الاعلام الرسمي ،كمرجعية خبرية رسمية في مراحل المفاوضات ضعف دور الإعلام الرسمي اللبناني وتراجع تأثيره مستوى الثقة الواجب ان تمنحها السلطة السياسية للاعلام حتى يتمكن من تأدية المهام المفترض ان يقوم بها في أجواء مايزة من الحرية والحماية .
ففي المجتمعات الديمقراطية يشكل الإعلام الرسمي ، زمن الازمات والنزاعات المرجعية الخبرية الموثوقة ، إن من خلال الوكالات الرسمية أو المؤتمرات الصحافية الدورية أو البيانات الصادرة عن الناطقين الرسميين بعد كل جلسة تفاوض وهذا ما يجب ان يحصل في مواكبة اللقاءات المرتقبة في واشنطن، احتراماً لمقام وإستثنائية اللحظة ومنعاً لأي تفسير او تأويل قد يعرقل الامور ويعوق التقدم ، لأن الشياطين تكمن في التفاصيل . فالوكالة الوطنية للإعلام يجب ان تكون مصدرا معتمداً ووحيدا للأخبار الرسمية ، خصوصا في الظروف الدقيقة والمفاصل الوطنية الكبرى، مع الحفاظ على دور الناطق الرسمي للمفاوضات ،!اذا تقرر ذلك كمرجعية قادرة على مخاطبة اللبنانيين بصوت الدولة. ويشكل هذا التدبير اساس العمل الاعلامي الحمائي للمعلومات الصحيحة والناقل الدقيق للمعلومات التي يكون مسموحا بها حتى اللحظة . وهذا ما يوفر للبنانيين وغيرهم من ان يتابعوا أخبار المفاوضات من خلال اعلام لبناني رسمي ومرجعي بدل ملاحقتها عبر الإعلام الأجنبي أو التسريبات السياسية أو منصات التواصل ، وهذا ما يمنح المفاوضين فرصة لتشكيل منظومة معلومات وإستشارات متخصصة يمكن البناء عليها في استكمال عمليات التفاوض وما تستلزمه من إستراتيجيات في بناء قاعدة الشروط وحدود التنازلات وظروف التوافقات . وهذا ما يثبت ان أيَّ تعثر لتفاوض ليس نتيجة أزمة إعلام وتسريبات وتأويلات ونَسب أقوال ، بل هو أزمة سيادة سياسية لها رمزيتها في السلوكات اللبنانية . فالمواطنون يحتمون بالدولة القادرة والمبادرة ، ولا يثقون الدولة التي تفقد قدرتها على مخاطبة تفقد جزءاً من حضورها المعنوي ، وهذا الواقع ينعكس سلباً على الدور الوطني والسيادي للإعلام التفاوضي ، كإعلام متخصص له قواعده العلمية ومعاييره الوطنية وأخلاقياته المهنية . وهذا ما يطرح وجوبية تحديد ناطق رسمي بإسم لبنان مخول التصريح ونقل المعلومات التي يجب ان يعرفها الناس بعد كل جولة تفاوضية .
في الدول المستقرة، تخضع الأزمات السيادية لمنظومة اتصال تتكون من جهة رسمية واحدة ورسالة موحّدة تُدار بعناية، وتعتمد خطابا عقلانيا يوازن بين حق الناس في المعرفة ومتطلبات السيادة الوطنية . أما في لبنان، فإنّ تعدّد المرجعيات السياسية والدستورية جعل مسألة “الناطق الرسمي” ملتبسة ومفتوحة على الكثير من الاجتهادات.فهل رئيس الجمهورية بوصفه حارساً للدستور يتحدث بإسم لبنان ؟ ام ر رئيس الحكومة هو المسؤول التنفيذي ذو الصلاحية بالموافقة على بنود الاتفاق التفاوضي ؟ وأي دور لرئيس مجلس النواب بحكم دوره المحوري وموقعه الدستوري في ملفات التفاوض وإبرام الاتفاقيات والمعاهدات ؟ وما هي صلاحيات الوفد المفاوض وحدود تحركه ؟وأي مسؤولية تتحملها القوى السياسية المؤثرة في القرار الوطني والمصيري ؟
هذا التعدّد لا يعكس فقط تعقيدات النظام اللبناني، بل يكشف أيضاً غياب مركز القرار الإعلامي في الملفات والحقوق السيادية الكبرى. لذلك تتضارب التصريحات أحياناً، وتتفاوت الرسائل السياسية، فيما يبدو الرأي العام حائراً أمام تعددية الخطاب وكثرة الروايات وغياب المرجعية والناطق الرسمي .
فالحالة اللبنانية تعوزها في هذا الظرف إلى ناطق رسمي موحّد يمتلك الشرعية الدستورية والكفاءة الإعلامية، ويعمل ضمن استراتيجية وطنية واضحة، لأنّ الفوضى الكلامية قد تضرّ بالموقع التفاوضي للدولة أكثر ممّا تفعل الضغوط الخارجية نفسها.وهنا تطرح مسؤولية تحصين السيادة الإعلامية وحمايتها. بحيث لم تعد السيادة في العصر الحديث مرتبطة فقط بالحدود والجغرافيا والقوة العسكرية، بل تعدتها لأن تكون سيادة إعلامية ورقمية ذات قيمة معنوية . فالدولة التي تفقد قدرتها على إدارة خطابها العام تكون عرضة لضعف الوعي الوطني ولتفكك السردية العامة . وهذا ما يقتضي معرفة ان السيادة الإعلامية لا تكون ممارسات سلبية من خلال الرقابة أو قمع الحريات والتوجيه نحو صياغة خطاب واحد ، بل هي امتلاك الدولة مرجعية موثوقة قادرة على إنتاج المعلومة الدقيقة وخطاب وطني متماسك وصلب في معالجة القضايا المصيرية والتمكن من ادارة النوعية بجرأة ومسؤولية . ولبنان يعيش راهناً حالة إعلامية متشظية، بحيث بات لكل جماعة سياسية إعلامها الخاص ، ولكل محور روايته، ولكل طائفة خطابها الخاص. وهكذا تراجعت نوعية مخاطبة الرأي العام الوطني لمصلحة جماهير متقابلة تتعايش داخل مساحات إعلامية منفصلة وتتفاعل مع الأحداث كل من منظورها الخاص . والأخطر أنّ اللبناني نفسه أصبح ضحية هذا التشظّي الإعلامي. إذ يتلقى يومياً روايات متناقضة حول القضية الواحدة، وتحليلات متعارضة، وتسريبات غير مؤكدة تزيد من التعمية والتشويش ، ما يعوق عليه التمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المعلومة والحرب النفسية التي ترافق ظروف الأزمات والنزاعات .فلقد تحوّل المواطن، في كثير من الأحيان، إلى رهينة إعلامية للاستقطاب السياسي والطائفي، وفقد ثقته بالمصادر الإعلامية التي تحولت إلى منابر ذات إصطفافات مطيَّفة ومسيّسة وخارج نطاق الوعي وموثوقية الصدقية . وتلك إحدى أخطر نتائج الفوضى الإعلامية الناتجة عن ضعف الثقة العامة وزيادة منسوب الشك بالمرجعيات الإعلامية ، وتفكك المساحة الوطنية المشتركة.
إنّ أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان في هذه المرحلة من سياسة التفاوض ليس فقط الضغوط الخارجية، بل انهيار الثقة الداخلية. وهذا ما يلقي على الإعلام اللبناني وظيفة تتجاوز الدور الكلاسيكي من نقل الأخبار أو متابعة المواقف السياسية وتقديم الخبرات والاستشارات المساعدة لتعزيز دور المفاوض او المفوض بالتفاوض . وهذا ما يؤكد الحاجة إلى ترسيخ قواعد إعلام نوعي ، يوازن بين الحرية والمسؤولية، وبين حق الناس في المعرفة ومتطلبات الأمن الوطني ، و ينتقل من ادارة التوازنات إلى تحصين الاتزان . وبذلك يستطيع الإعلام اللبناني أن يخدم لبنان عبر حماية وحدة الخطاب الوطني في القضايا السيادية ،والتمييز بين وجوبية التحليل المهني والابتعاد عن سياسة التحريض وصياغة تنبؤات تسيء إلى جوهر الخطاب الديمقراطي، والامتناع عن ثقافة التسريبات وتوظيف التكهنات ، وتجهد لدعم حق المواطن في المعرفة الموثوقة ومواجهة الحروب النفسية والدعائية الخارجية وتعزيز صورة الدولة وتحصين موقعها أمام الرأي العام الدولي. مع الحرص على إعادة الاعتبار لفكرة المصلحة الوطنية العليا ، خصوصاً ان لبنان يعيش واحدة من أكثر المراحل دقة في تاريخه الوجداني والسياسي، لأنّ القضية لم تعد مرتبطة فقط بالتفاوض، بل بمصير الدولة نفسها، وبقدرتها على الحفاظ على تماسكها الرمزي والمعنوي وتركيز حضورها السيادي.
وفي هذه الحال لا يقتصر الموضوع على طبيعة المفاوضات أو نتائجها، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر عمقاً وخطورة حول من يواكب هذه المفاوضات فعلياً؟ هل هو الإعلام الأميركي الذي يصوغ الرواية الدولية؟ ام الإعلام الإسرائيلي الذي يدير معركة الصورة والخطاب؟ ام الإعلام العربي المنشغل بحسابات المحاور؟ام الإعلام الأجنبي الذي يقرأ وضع لبنان من زاوية المصالح الدولية؟ام الإعلام اللبناني المعني الاول بنتائج المفاوضات و الذي ينحو بالحرية التي يتصف بها إلى ممارسات فوضوية تكثر فيها الأصوات و تقل فيها المواطنة ؟ وهل يملك هذا الإعلام خطاباً موحّداً تجاه قضية بهذه الحساسية ؟ أم أنّه لا يزال أسير مآزق الانقسامات الداخلية وأخطار التجاذبات السياسية والطائفية؟ و تبرز المعضلة الأساسية حول زمة المرجعية الإعلامية للمفاوضات. فمن المكلف بالتكلم باسم لبنان؟ ومن يصوغ الرواية الوطنية؟ ومن يحمي الوعي العام من الفوضى والتضليل والتشظّي؟ و مَنْ ينقل الصوت الرسمي اللبناني، من دون إسقاطات وتأويلات وتفخيخات ؟
معركة لبنان اليوم ليست فقط على الحدود أو في السياسة، لكنها أيضاً في ميدان مرجعية الكلمة والصورة والرواية المواكبة للقاءات التفاوض غير المباشر . وفي زمن الإعلام المفتوح ، لا تخسر الدول موقعها حين تُهزم عسكرياً، بل حين تفقد قدرتها على امتلاك خطاب وطني جامع يعبّر عن سياستها أمام شعبها والعالم ، وإضافة إلى عدم قدرتها على امتلاك مرجعية إعلامية تنطق باسمها .
في مواكبة الاجتماعات التمهيدية للمفاوضات المرتقبة بين ممثلٍ عن رئيس الجمهورية اللبنانية وإسرائيل في واشنطن، يبرز سؤالٌ بالغ الحساسية حول طبيعة الأداء الإعلامي اللبناني، وهل ستتعامل بعض وسائل الإعلام مع هذا الحدث بوصفه مادةً للسبق والإثارة، أم باعتباره ملفاً سيادياً دقيقاً يحتاج إلى أعلى درجات المسؤولية الوطنية والاحترافية المهنية ؟ وهل سيدرك الإعلام خطورة التحوّل من نقل الوقائع إلى صناعة الانطباعات، ومن التغطية إلى حماية الكيانية السياسية للبنان ؟ ومَن يضمن ان لا تتحوّل الشاشات والمنصات إلى ساحاتٍ للتسريب المنظّم، أو إلى أدوات ضغط نفسي وسياسي تخدم أجندات خارجية أكثر مما تخدم المصلحة اللبنانية؟ وهل ستلتزم المؤسسات الإعلامية حدود التمييز بين حق الرأي العام في المعرفة، وواجب حماية المعطيات المرتبطة بالأمن القومي والموقف التفاوضي؟ أم أنّ المنافسة على تحقيق السبق الإعلامي ستؤدي إلى إرباك الوفد اللبناني، وإلى تعميم معلومات غير دقيقة أو تحليلات متسرّعة يمكن ان تُستثمر ضد لبنان؟ ثم ماذا عن استخدامات المصطلحات الإعلامية المتعلقة بالمرحلة و دقة دلالاتها ؟ وهل ستسقط بعض المنابر في فخّ التطبيع الرمزي عبر مفرداتٍ تُضعف الحساسية الوطنية والقومية، أم انها ستنجح في الحفاظ على خطابٍ عقلاني تسوده الواقعية ويكون قادراً على التمييز بين إدارة التفاوض كخيارٍ سياسي ظرفي، وبين إعادة تشكيل الوعي الجماعي تجاه الصراع الإسرائيلي اللبناني و الإسرائيلي العربي كخيار وطني ينسل من وجدان الوعي العام ؟ وهل ستبقى المرجعية الوطنية الإعلامية غائبة في لحظةٍ مفصلية كهذه، بحيث تتعدّد الروايات وتتضارب التفسيرات وتتنافس الولاءات السياسية على تفسير ما سيجري في واشنطن؟ أم أنّ الضرورة الوطنية ستفرض نوعاً من الانضباط المهني والأخلاقي، يمنع تحويل الإعلام إلى طرفٍ تفاوضي غير معلَن من خلال اعتماد ناطق رسمي له صلاحية قانونية مبنية على تخصص واحترافية وثقة رسمية ؟
إنّ أخطر ما قد يواجه الإعلام اللبناني في هذه المرحلة ليس فقط مواجهة تداعيات الانقسام السياسي، بل خطر الانزلاق إلى إدارة الانفعال بدل إدارة المعرفة، وإلى استثمار مجريات التفاوض إعلامياً بدل حماية موقع لبنان التفاوضي والسيادي.
وتتحدد حماية الإعلام لاجتماعات التفاوض بالتركيز على بناء منظومة أمن إعلامي تفاوضي يوازن بين حق الرأي العام بالمعرفة وحق الدولة بحماية مسارها التفاوضي وإبعاده عن الاستثمار السياسي والاستخباراتي والخضوع لمتطلبات اللحظة، حيث يتحول الإعلام في لحظات التفاوض الحسّاسة إلى شريكٍ في إدارة الاستقرار الوطني،ولا يكون منصّة لتفجير التناقضات و تعميم الانفعالات وتحويل الإختلافات إلى خلافات .
وفي الحالة اللبنانية، تتخذ هذه المعادلة حساسية مضاعفة بسبب طبيعة النظام السياسي القائم على التوازنات الطائفية وتوزيع القوى بين كتل متعددة، .هذا التشظّي يجعل أي تسريب إعلامي حول مسار تفاوضي حساس كالمفاوضات التي تتصل بالحدود أو وقف التصعيد قابلاً للتحوّل إلى مادة صراع داخلي بين قوى النفوذ السياسي ، حتى قبل أن تتضح علامات التوافق المرحلية
ففي خلال أي نقاش تفاوضي غير معلن يتعلق بالاستقرار الحدودي في الجنوب مثلا من خلال اعتماد صيغ إحتمالية مثل الهدنة وترسيم الحدود وترتيبات امنية واتفاق عدم اعتداء او نهاية العداء، حتى لو خلا ذلك من أي ذكر للتطبيع والسلام ، قد تُبادر بعض الوسائل الإعلامية المحسوبة على أطراف سياسية داخلية او خارجية إلى تفسير الموقف التفاوضي وفق حساباتها الخاصة . فبين من يعتبر التفاوض نوعاً من التراجع السيادي، ومن يراه حاجة لحماية الاستقرار وضمانة الامن ، فان ذلك سينتج انقساماً عمودياً داخل الرأي العام اللبناني بدل ان يقدم الدعم لخلق موقف تفاوضي ذي تلاقيات وتفاهمات موحدة
فتعدد المرجعيات السياسية في لبنان وتعاكس توجهاتها حول قضية الحوار الذي تعوزه ثقة الإجماع العلني ، يجعل من أي خبر او تسريب عن اجتماعات واشنطن التفاوضية مادة لتجاذبات داخلية وتجعل منه ساحة للإستثمار سياسياً وانتخابياً وإعلامياً قبل التحقق من موثوقيته. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى خطوات وقائية واستباقية تتركز على ضرورة انشاء مرجعية إعلامية رسمية تتولى ضبط الإيقاع الإعلامي للمفاوضات ، وتقديم المعلومات المؤكدة في توقيتها المناسب، بما يمنع تضارب الروايات بين وسائل الإعلام المنتمية بدورها إلى قوى سياسية متنافرة ،كما يفترض الاتفاق المسبق على اعتماد مدوّنة سلوك تفاوضي تحدّد دور الإعلام في مقاربة الملفات السيادية ، من دون التأثير على حرية التفكير والتعبير ، بل الالتزام بما تفرضه المصلحة الوطنية العليا من أخلاقيات المهنة وتوظيف قدرات الإعلام لتحصين الحقائق الأولية وصولاً إلى المحصلات النهائية وبإعتماد نظام الجودة في صناعة القرار الوطني ، وتعزيز ثقافة التحقيق الاستقصائي ، خصوصاً في بيئة لبنانية تشيع فيها التسريبات المتناقضة التي قد تُستخدم لتوجيه الرأي العام أو اختبار ردود الفعل الداخلية والخارجية ومعرفة مستوى تأثيراتها. وبذلك يصبح الإعلام مسؤولاً عن عدم تحوله إلى أداة نزاعية في صراع المحاور الاقليمية والدولية ، أو ان يكون ساحة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى السياسية عبر التسريبات والمنقولات الخبرية المشوبة بالظن .
والقيمة الأبرز في مهام الاعلام التفاوضي تتظهّر بين حق النقد والتقويم وامكانية التأثير السلبي على سلامة العملية التفاوضية . فالإعلام اللبناني، بحكم حيويته وتعدديته، قادر على لعب دور رقابي مشروع، لكنه في الوقت نفسه مطالب بعدم الانجرار إلى إعادة إنتاج الانقسام السياسي في غضون لحظة تفاوضية تحتاج إلى مستوى حمائي من التماسك الداخلي .
وتكمن خطورة الحالة اللبنانية في زمنية التفاوض في أن الإعلام لا يواكب وينقل فقط ما يجري في اجتماعات وكواليس التفاوض، بل يشارك في إعادة تشكيله داخلياً عبر تضارب الروايات ،فيصبح بذلك الإعلام التفاوضي المتخصص والرصين نوعاً من هندسة الاستقرار السياسي وتقعيد التفاهمات ، لا مجرد ناقل لمشهديات الحدث ، خصوصاً في مجتمع تعددي يقوم على احترام توازنات ميثاقية محصنة بالتوافقية الديمقراطية، لكنها توازنات متقابلة وطنياً وتتعاكس عند الضرورة وتتصف بهشاشة المحتوى وسرعة الاهتزاز المجتمعي .
هذه التوصيفات لمقاربة ميثاقية التفاوض ودستوريته ، تحتم وضع استراتيجية إعلامية لها حصانتها الوطنية العامة،تكون قادرة على تحقيق ثنائية التعاون والتكامل بين السياسة الإعلامية والخطط التفاوضية المأمول ان تخلص إلى إنتهاءات صلبة يفيد منها لبنان .
وزارة الإعلام اللبنانية