كتبت الباحثة والأكاديمية المتخصصة في العلوم التربوية والاعلام والذكاء الاصطناعي الدكتورة فيولا مخزوم لموقع وزارة الاعلام _ مديرية الدراسات والمنشورات اللبنانية، دراسة تحت عنوان: “التفريغ المعرفي في عصر الذكاء الاصطناعي: حين تنتقل بعض وظائف العقل إلى الآلة”، جاء فيها:

لم يعد الإنسان المعاصر مضطرًا إلى الاحتفاظ بكل ما يحتاج إليه في ذاكرته، ولا إلى إجراء كل العمليات الحسابية بنفسه، ولا إلى البحث عن كل معلومة من مصادرها الأولية، ولا حتى إلى كتابة النص من بدايته إلى نهايته. يكفي في كثير من الحالات أن يستعين بأداة رقمية تتولى عنه جزءًا من هذه المهمة.
الهاتف يتذكر المواعيد وأرقام الهواتف، ومحرك البحث يسترجع المعلومات عند الحاجة، والآلة الحاسبة تتولى العمليات الحسابية، وتطبيقات الملاحة تحدد الطريق، بينما أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي قادرة على الانتقال خطوة أبعد، من خلال المساهمة في الكتابة والتحليل والتلخيص والترجمة وتوليد الأفكار وحل المشكلات.
هذا التحول لا يمثل مجرد تطور تقني في أدوات العمل، بل يعكس تغيرًا تدريجيًا في الطريقة التي يوزّع بها الإنسان جهده العقلي بين دماغه والبيئة المحيطة به. ومن هنا يبرز مفهوم (التفريغ المعرفي (بوصفه أحد المفاهيم المهمة لفهم العلاقة المتغيرة بين الإنسان والتكنولوجيا.
فالتفريغ المعرفي ليس ظاهرة مستحدثة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وإنما هو جزء من السلوك المعرفي الإنساني منذ أن بدأ الإنسان باستخدام أدوات خارجية لمساعدته على التذكر والحساب والتنظيم واتخاذ الإجراءات. غير أن الذكاء الاصطناعي يضيف إلى هذه الظاهرة بُعدًا جديدًا، لأنه لا يكتفي بحفظ المعلومات أو تنفيذ العمليات، بل يستطيع المشاركة في بعض مراحل إنتاج المعرفة نفسها.
وهنا تكمن أهمية النظر إلى التفريغ المعرفي بوصفه قضية تربوية ومعرفية وإنسانية تتجاوز الحديث عن التكنولوجيا بوصفها أداة للسرعة والإنتاجية.
التفريغ المعرفي بوصفه امتدادًا للقدرة البشرية
عرّف Evan Risko وSam Gilbert التفريغ المعرفي بأنه استخدام الفعل أو الوسيلة الخارجية لتغيير متطلبات معالجة المعلومات بهدف تقليل الطلب المعرفي على الفرد. وقد أوضح الباحثان أن هذا السلوك يمكن أن يظهر في مواقف بسيطة جدًا من الحياة اليومية، مثل استخدام الهاتف للتذكير بموعد، أو الاستعانة بأداة خارجية لتسهيل مهمة ذهنية. كما ربطا الميل إلى التفريغ بالتقدير الذي يقوم به الفرد لقدراته العقلية وبالجهد الذي يتوقع أن تتطلبه المهمة.
وبهذا المعنى، لا ينبغي النظر إلى التفريغ المعرفي على أنه علامة تلقائية على ضعف القدرات العقلية. فالإنسان بطبيعته يبحث عن وسائل تساعده على إدارة موارده المحدودة. الذاكرة العاملة محدودة، والانتباه محدود، والوقت محدود، والقدرة على معالجة المعلومات ليست بلا نهاية. ولذلك فإن استخدام أدوات خارجية يمكن أن يمثل استراتيجية عقلانية لإدارة الجهد.
فالكاتب الذي يستخدم الملاحظات لا يعاني بالضرورة من ضعف الذاكرة، والباحث الذي يستعين بقاعدة بيانات لا يفتقر بالضرورة إلى المعرفة، والمهندس الذي يستخدم برامج الحساب والمحاكاة لا يكون أقل قدرة عقلية لأنه لم يجرِ كل العمليات يدويًا.
المسألة الأكثر أهمية تتعلق بنوعية الوظيفة التي يجري تفويضها إلى الأداة، وبما إذا كان التفويض يحرر الإنسان من عمل روتيني ليمنحه مساحة أكبر للتفكير، أم يحل تدريجيًا محل العملية الفكرية التي يفترض أن يمارسها الإنسان بنفسه.
من الذاكرة البشرية إلى الذاكرة الخارجية
أحدثت التكنولوجيا الرقمية تغيرًا واضحًا في علاقة الإنسان بالمعلومة. فقد أصبح الوصول إلى المعرفة أسرع بكثير من أي وقت مضى، وأصبح من الممكن استرجاع قدر هائل من المعلومات خلال ثوانٍ.
وتقدم دراسة Betsy Sparrow و Jenny Liu و Daniel Wegner المنشورة في مجلة Science عام 2011 مثالًا مبكرًا ومهمًا على هذه الظاهرة. فقد أظهرت تجارب الدراسة أن توقع الأشخاص لإمكانية الوصول مستقبلًا إلى المعلومات ارتبط بانخفاض تذكرهم للمعلومات ذاتها، مع زيادة تذكرهم لمكان الوصول إليها. وخلص الباحثون إلى أن الإنترنت أصبح، في بعض السياقات، نوعًا من الذاكرة الخارجية أو الذاكرة التفاعلية التي تُخزَّن فيها المعلومات خارج الفرد.
هذه النتيجة لا تعني أن الإنسان أصبح غير قادر على التذكر بسبب التكنولوجيا، كما لا تعني أن استخدام الإنترنت يؤدي حتمًا إلى تدهور الذاكرة. ما تكشفه هو تحول في توزيع المعرفة؛ إذ قد يصبح الإنسان أقل اهتمامًا بحفظ بعض التفاصيل عندما يعرف أنه يستطيع استرجاعها بسهولة عند الحاجة.
وهذا التحول مهم جدًا لفهم ما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي. فإذا كان محرك البحث قد ساعد الإنسان على نقل جزء من مهمة الاسترجاع إلى الخارج، فإن الذكاء الاصطناعي يتيح له نقل أجزاء من مهام أكثر تعقيدًا.
عندما لا تكتفي الآلة بتخزين المعرفة
يمثل الذكاء الاصطناعي التوليدي مرحلة مختلفة نسبيًا في تاريخ التفريغ المعرفي. فمحرك البحث يعرض نتائج يمكن للإنسان أن يقرأها ويقارن بينها، بينما يستطيع النموذج التوليدي أن يقدم نصًا مركبًا استنادًا إلى طلب المستخدم، وأن يعيد تنظيم المعلومات، ويقترح تفسيرًا، ويصوغ حجة أو ملخصًا أو مسودة.
بهذا المعنى، انتقل التفريغ المعرفي من الاعتماد على الآلة في الوصول إلى المعلومات إلى الاعتماد عليها في بعض مراحل معالجة المعلومات وإنتاج المخرجات المعرفية.
ويصبح هذا الأمر أكثر وضوحًا في البيئة الجامعية. فقد يستخدم الطالب الذكاء الاصطناعي للعثور على فكرة، ثم لتوسيعها، ثم لتنظيمها، ثم لصياغتها، وقد ينتهي الأمر بأن تصبح معظم العملية التي كان يفترض أن يتعلم من خلالها كيفية التفكير والبحث والكتابة منفذة بمساعدة الأداة.
وهنا لا تكمن المشكلة في مجرد استخدام الذكاء الاصطناعي، بل في انتقال مركز الثقل من الإنسان إلى الأداة. فالاستعانة بالذكاء الاصطناعي لصياغة أفكار أولية تختلف معرفيًا عن تفويض بناء الفكرة وتحليل الأدلة وكتابة الاستنتاجات إليه بالكامل. وفي الحالة الأولى يبقى الإنسان فاعلًا في العملية المعرفية، أما في الحالة الثانية فقد يتحول إلى متلقٍ لمخرجات جاهزة.
التفريغ المعرفي بين الكفاءة والاعتماد
تكشف الأدلة العلمية عن صورة أكثر تعقيدًا من الثنائية التي تضع الذكاء الاصطناعي في خانة الفائدة المطلقة أو الضرر المطلق.
ففي دراسة منشورة في Scientific Reports عام 2025، درس Iqbal وزملاؤه استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لدى 465 طالبًا من خمس جامعات في ووهان، الصين، وركزوا على العلاقة بين استخدام الذكاء الاصطناعي والتحصيل الأكاديمي، مع دراسة أدوار التفريغ المعرفي وما وراء المعرفة المشتركة. ووجدت الدراسة ارتباطات إيجابية بين بعض أبعاد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتحصيل الأكاديمي، كما ظهر التفريغ المعرفي وما وراء المعرفة المشتركة بوصفهما متغيرين مرتبطين بالتحصيل. وتشير هذه النتيجة إلى جانب غالبًا ما يغيب عن النقاش العام، وهو أن تفريغ بعض العمليات المعرفية يمكن أن يكون مفيدًا عندما يسمح للمتعلم بتوجيه جهده نحو عمليات معرفية أعلى مستوى.
وقد ظهرت كذلك اتجاهات بحثية تربط استخدام الذكاء الاصطناعي بالتدريس الذي يخفف الأعباء غير الضرورية عن المتعلم مع الحفاظ على الممارسة المستقلة وحل المشكلات. وتؤكد هذه المقاربة أن تقليل العبء المعرفي لا ينبغي أن يعني إلغاء الجهد التعلمي، بل إعادة توزيعه بصورة أكثر فاعلية.
وبذلك يصبح التفريغ المعرفي مفيدًا عندما يحرر الإنسان من الأعمال التي لا تضيف قيمة معرفية كبيرة، ويصبح أكثر إشكالية عندما يحل محل المهارات التي يحتاج الإنسان إلى تطويرها وممارستها.
حين تصبح الراحة المعرفية مشكلة
التعلم لا يحدث دائمًا نتيجة الوصول السريع إلى الإجابة. ففي كثير من الحالات، يكون الجهد المبذول في البحث والمحاولة والخطأ والاسترجاع وإعادة الصياغة جزءًا من عملية بناء المعرفة نفسها. ومن هنا تظهر أهمية مفهوم الجهد المعرفي. فالطالب الذي يحاول استرجاع معلومة من ذاكرته يمارس عملية معرفية تختلف عن الطالب الذي يطلب الإجابة مباشرة. والباحث الذي يقرأ عدة دراسات ويقارن بينها يمر بعملية عقلية مختلفة عن الباحث الذي يطلب من نموذج لغوي اختصارها في فقرة واحدة ثم يعتمد عليها دون مراجعة.
وقد قدمت دراسة تجريبية منشورة عام 2025 في Social Sciences & Humanities Open دليلًا لافتًا في هذا المجال. فقد شملت تجربة عشوائية 120 طالبًا جامعيًا، وقارنت بين استخدام ChatGPT كوسيلة مساعدة في التعلم وبين أساليب الدراسة التقليدية، ثم اختبرت الاحتفاظ بالمعرفة بعد 45 يومًا. ووجد الباحثون أداءً أقل في اختبار الاحتفاظ لدى مجموعة ChatGPT مقارنة بالمجموعة التي درست بالطرق التقليدية، مع الإشارة إلى أن الدراسة تفسر ذلك في ضوء انخفاض الجهد المعرفي الذي يدعم الذاكرة طويلة الأمد.
لكن هذه النتيجة ينبغي أن تُقرأ في إطارها المحدد. فهي دراسة واحدة، بعينة محددة، وفي سياق تعلم معين، ولا تكفي وحدها لإثبات أن استخدام ChatGPT يؤدي بصورة عامة إلى إضعاف الذاكرة البشرية. قيمتها الأساسية أنها تقدم دليلًا تجريبيًا على أن طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن تؤثر في طبيعة التعلم والاحتفاظ بالمعرفة. وهذا فرق جوهري بين التكنولوجيا بوصفها أداة والتكنولوجيا بوصفها بديلًا عن النشاط العقلي.
التفكير النقدي في زمن الإجابة الجاهزة
يحتاج التفكير النقدي إلى الاحتكاك بالأدلة، ومقارنة البدائل، واكتشاف التناقضات، وبناء الحجة، وإعادة النظر في الموقف عند ظهور معلومات جديدة. وهذه عمليات تحتاج إلى وقت وجهد. فعندما يقدم الذكاء الاصطناعي إجابة منظمة ومقنعة خلال ثوانٍ، فقد يوفر على المستخدم وقتًا كبيرًا. لكنه قد يوفر عليه أيضًا جزءًا من الرحلة العقلية التي كان يمكن أن يتعلم منها.
ولهذا ظهرت في الأدبيات الحديثة مخاوف بشأن الاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي، خصوصًا عندما يتعامل المستخدم مع المخرجات باعتبارها معرفة جاهزة بدل أن يتعامل معها بوصفها مادة تحتاج إلى التحقق والنقد.
وتزداد أهمية هذه المسألة في البحث العلمي، حيث لا تكفي سلامة اللغة أو جمال الصياغة لإثبات صحة النتيجة. فالباحث مسؤول عن تقييم المنهج، وجودة المصدر، وصحة الاستنتاج، وحدود التعميم. قد تساعد الآلة في هذه العملية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل المسؤولية العلمية للباحث.
الباحث أمام إغراء التفويض الكامل
تقدم أدوات الذكاء الاصطناعي للباحث إمكانات هائلة. يمكنها المساعدة في تنظيم الأدبيات، وتلخيص النصوص، واكتشاف الأنماط، واقتراح الكلمات المفتاحية، والمساعدة في الصياغة، والمقارنة بين الأفكار. لكن سهولة الاستخدام قد تخلق إغراءً بتفويض المهمة كاملة.
وعندما يتحول الباحث من قارئ ومحلل إلى مجرد مراجع لمخرجات الآلة، فإن طبيعة عمله تتغير. تصبح الأداة هي التي تقوم بجزء كبير من الجهد المعرفي، بينما يقتصر دور الإنسان على قبول الناتج أو تعديله شكليًا.
وهذا التحول قد يكون أكثر خطورة في المجالات التي تتطلب حكمًا علميًا عميقًا، لأن الخطأ في المعلومة يمكن اكتشافه أحيانًا، بينما الخطأ في طريقة بناء الحجة قد يكون أكثر خفاءً. لذلك، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي يحتاج إلى مستوى مرتفع من الاستقلالية المعرفية، أي قدرة الباحث على الفهم والتحليل والتقييم واتخاذ الحكم العلمي بصورة مستقلة، حتى عند الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي، لا إلى مستوى أقل منها. فالاستعانة بالتكنولوجيا ينبغي أن تدعم قدرة الباحث على التفكير والحكم، لا أن تنقل إليه مسؤولية التفكير والحكم التي تشكل جوهر العمل العلمي
الإنسان لا يفقد عقله عندما يستخدم أداة
من السهل أن يتحول النقاش حول الذكاء الاصطناعي إلى خطاب تخويفي يتحدث عن تراجع الذكاء أو انهيار التفكير. لكن الأدلة العلمية الحالية لا تبرر مثل هذه التعميمات. فالإنسان لطالما استخدم أدوات لتوسيع قدراته. الكتاب وسّع الذاكرة، والآلة الحاسبة وسّعت القدرة الحسابية، والحاسوب وسّع القدرة على معالجة البيانات، ومحركات البحث وسّعت القدرة على الوصول إلى المعرفة. المشكلة ليست في استخدام الأدوات، وإنما في العلاقة التي تتشكل بين الإنسان والأداة.
إذا استخدم الإنسان الأداة لتوفير الوقت في المهام الروتينية، فقد يكون ذلك مكسبًا حقيقيًا. وإذا استخدمها لاكتشاف وجهات نظر جديدة أو اختبار حججه أو الحصول على تغذية راجعة، فقد تصبح عنصرًا داعمًا للتفكير. أما عندما يتوقف الإنسان عن ممارسة مهارة لأنه يستطيع تفويضها بصورة دائمة، فإن احتمال فقدان الكفاءة أو ضعف الممارسة يصبح قضية مختلفة تستحق الدراسة.
نحو تفريغ معرفي واعٍ
تحتاج التربية في عصر الذكاء الاصطناعي إلى تجاوز فكرة المنع المطلق كما تحتاج إلى تجاوز فكرة الاستخدام غير المحدود. والمطلوب هو بناء ثقافة للتفريغ المعرفي الواعي، يكون فيها المتعلم قادرًا على التمييز بين المهمة التي يمكن تفويضها والمهمة التي ينبغي أن يمارسها بنفسه.
فالطالب يستطيع استخدام الذكاء الاصطناعي لتلقي تغذية راجعة على نص كتبه، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بقدرته على الكتابة. ويمكنه أن يطلب تفسيرًا لمفهوم صعب، لكنه يحتاج إلى القدرة على شرحه بلغته الخاصة. ويمكنه الاستعانة بالأداة في تنظيم المصادر، لكنه يحتاج إلى القدرة على تقييم هذه المصادر. وفي هذه الحالة يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من البيئة التعليمية دون أن يصبح بديلًا عن التعلم.
نحو شراكة معرفية بين الإنسان والآلة
المستقبل الأكثر نضجًا لا يقوم على اختيار الإنسان أو الآلة، وإنما على توزيع ذكي للأدوار بينهما. حيث يمكن للآلة أن تتولى قدرًا كبيرًا من العمليات السريعة والمتكررة، وأن تساعد في معالجة كميات هائلة من المعلومات، وأن تقترح بدائل ومسارات ربما لا ينتبه إليها الإنسان بسهولة.
لكن الإنسان يبقى صاحب الحكم النهائي، لأنه يمتلك القدرة على ربط المعرفة بالسياق والقيم والمسؤولية والغاية. ومن هنا يمكن النظر إلى العلاقة المستقبلية بوصفها شراكة معرفية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، شرط ألا تتحول الشراكة إلى تبعية.
فالقيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في أن يجعل الإنسان أقل حاجة إلى التفكير، وإنما في أن يساعده على توجيه تفكيره نحو ما هو أكثر أهمية.
وعليه، إنّ التفريغ المعرفي ليس اختراعًا للذكاء الاصطناعي، بل هو جزء من تاريخ العلاقة بين الإنسان وأدواته. الجديد في الذكاء الاصطناعي هو اتساع نطاق ما يمكن تفويضه؛ فقد أصبحت الآلة قادرة على المشاركة في عمليات كانت ترتبط بصورة مباشرة بالكتابة والتحليل والتفسير وتوليد الأفكار.
وهذا التطور لا يجعل النتيجة محسومة باتجاه الضرر أو الفائدة. فالأدلة الحديثة تشير إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرتبط بمكاسب في بعض السياقات التعليمية، بينما تشير دراسات أخرى إلى مخاطر محتملة على الاحتفاظ بالمعرفة أو إلى نتائج تستدعي الحذر عندما يتحول الاستخدام إلى اعتماد غير نقدي.
لذلك فإن القضية الأساسية ليست مقدار ما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعله بدلًا من الإنسان، وإنما مقدار ما ينبغي للإنسان أن يسمح له بفعله.
قد يكون من الحكمة أن نفوض إلى الآلة ما يستهلك وقتنا دون أن يضيف إلى فهمنا، وأن نحتفظ لأنفسنا بما يبني قدرتنا على التفكير والتحليل والحكم والإبداع. فالمستقبل لن يكون بالضرورة مستقبل إنسان يفكر وحده، ولا مستقبل آلة تفكر بدلًا عنه، بل مستقبل علاقة جديدة يعاد فيها توزيع العمل المعرفي بين الطرفين.
وفي هذه العلاقة، لا ينبغي أن تكون غاية التكنولوجيا أن تجعل الإنسان أقل تفكيرًا، بل أن تمنحه مساحة أكبر ليحسن التفكير.
قائمة المراجع
Barcaui, A. (2025). ChatGPT as a cognitive crutch: Evidence from a randomized controlled trial on knowledge retention. Social Sciences & Humanities Open, 12, 102287. https://doi.org/10.1016/j.ssaho.2025.102287
Iqbal, J., Hashmi, Z. F., Asghar, M. Z., & Abid, M. N. (2025). Generative AI tool use enhances academic achievement in sustainable education through shared metacognition and cognitive offloading among preservice teachers. Scientific Reports, 15, 16610. https://doi.org/10.1038/s41598-025-01676-X
Martin, A. J., Collie, R. J., Kennett, R., Liu, D., Ginns, P., Sudimantara, L. B., Dewi, E. W., & Rüschenpöhler, L. G. (2025). Integrating generative AI and load reduction instruction to individualize and optimize students’ learning. Learning and Individual Differences, 121, 102723. https://doi.org/10.1016/j.lindif.2025.102723
Risko, E. F., & Gilbert, S. J. (2016). Cognitive offloading. Trends in Cognitive Sciences, 20(9), 676–688. https://doi.org/10.1016/j.tics.2016.07.002
Sparrow, B., Liu, J., & Wegner, D. M. (2011). Google effects on memory: Cognitive consequences of having information at our fingertips. Science, 333(6043), 776–778. https://doi.org/10.1126/science.1207745
وزارة الإعلام اللبنانية