الرئيسية / بحوث ودراسات / جيوسياسة الغذاء: من يملك القمح ؟.. الممرات والسماد والمخزون والتمويل في إعادة تشكيل القوة الاقتصادية العالمية
قمح سنابل

جيوسياسة الغذاء: من يملك القمح ؟.. الممرات والسماد والمخزون والتمويل في إعادة تشكيل القوة الاقتصادية العالمية

كتب الباحث في الجيوبوليتيك والاقتصاد السياسي الدكتور علي عيسى لموقع وزارة الاعلام – مديرية الدراسات والمنشورات اللبنانية دراسة تحت عنوان: “جيوسياسة الغذاء: من يملك القمح ؟.. الممرات والسماد والمخزون والتمويل في إعادة تشكيل القوة الاقتصادية العالمية”، جاء فيها:

لم يعد الأمن الغذائي مسألة زراعية تُقاس بحجم المحاصيل وأسعار الحبوب وحدها. ففي عالم تتداخل فيه الحروب مع التغير المناخي واضطراب التجارة وارتفاع كلفة التمويل، صار الوصول إلى الغذاء جزءاً من معادلة توزيع القوة الاقتصادية، ومن قدرة الدول على الاحتفاظ باستقلالية قرارها. فالقمح المزروع في سهول البحر الأسود قد يصير مسألة أمن قومي في الشرق الأوسط، وإغلاق مضيق واحد في الخليج يرفع سعر السماد في البرازيل وبنغلادش.

وهنا تظهر مفارقة أساسية: قد ينتج العالم ما يكفي من الغذاء، ومع ذلك تواجه مجتمعات بعينها نقصاً أو غلاءً حاداً، لا لغياب الغذاء، بل لتعثّر الوصول إليه أو العجز عن تمويل شرائه. ومن هنا تنطلق فرضية هذه الدراسة: قرار الجوع لا يُتّخذ في الحقل، بل في أعناق الزجاجة التي تفصل الحقل عن الرغيف: المضيق الذي تعبره الشحنة، والسماد الذي يسبق الزرع، والعملة التي تُدفع بها الفاتورة، والصومعة التي تحفظ الفائض. ومن يتحكّم في واحدة من هذه الحلقات، أو يعجز عن تأمينها، يشارك في تقرير من يأكل وبأي كلفة، حتى لو لم يزرع حبة قمح واحدة.

 

أولاً: ثلاث لا خريطة واحدة خرائط

تحتل روسيا، أكبر مصدّر للقمح في العالم، والولايات المتحدة وكندا وأستراليا والأرجنتين وأوكرانيا مكانة محورية في تجارة الحبوب. لكن الوزن الاستراتيجي لأي دولة يتحدّد بفائضها القابل للتصدير لا بإنتاجها وحده، فيما تمنح السيطرة على التخزين والشحن والتأمين والتمويل أطرافاً أخرى نفوذاً لا يظهر في إحصاءات الزراعة. لذلك ينبغي التمييز بين خريطة الإنتاج، التي تحدّد أين يوجد الغذاء، وخريطة الممرات، التي تحدّد كيف ينتقل، وخريطة التمويل، التي تحدّد من يحصل عليه وبأي كلفة. وعند الأزمات تصبح نقاط الانفصال بين هذه الخرائط مصادر للضغط: فالدولة المستوردة قد تجد القمح معروضاً، لكنها تعجز عن الحصول عليه بسبب التأمين أو نقص العملة أو ازدحام الموانئ.

ثانياً: من البحر الأسود إلى هرمز

كشفت مبادرة البحر الأسود للحبوب حجم هذه العقدة: فبين آب 2022 ومنتصف تموز 2023 عبر في إطارها نحو 32.8 مليون طن من الحبوب الأوكرانية، كانت الذرة أكثر من نصفها والقمح 27%، ثم انسحبت روسيا من الاتفاق في تموز 2023، فتحوّل الممر نفسه إلى ورقة تفاوض. وفي البحر الأحمر، دفعت المخاطر السفن نحو رأس الرجاء الصالح، بما يطيل الرحلة ويرفع كلفة الوقود وتمويل الشحنات.

غير أن الاختبار الأقسى جاء من مضيق هرمز. فمنذ اندلاع الحرب على إيران في 28 شباط 2026 تراجعت حركة الناقلات فيه بأكثر من 90%، بحسب منظمة الأغذية والزراعة، فيما تعتمد دول الخليج على الاستيراد في 70 إلى 90% من غذائها الأساسي. وفي الأسابيع الأولى كادت موانئ جبل علي وأبوظبي والدمام تخرج من الخدمة، فتحوّلت السفن إلى موانئ عُمانية وإماراتية خارج المضيق، وعبرت الشاحنات الحدود السعودية نحو قطر، بينما بقيت السعودية الأقل تعرّضاً بفضل موانئها على البحر الأحمر. وفي الكويت ارتفعت أسعار اللحوم والأسماك بأكثر من 30% بحسب مسؤول محلي.

من هنا يمكن الحديث عن “جيوسياسة كلفة الوصول الغذائي”: فالسعر المرجعي للقمح لا يعكس كل ما تدفعه الدولة حتى يصل الخبز إلى المستهلك، والممر لا يحتاج إلى إغلاق كامل كي يفقد جدواه؛ يكفي أن ترتفع كلفة التأمين والنقل والتأخير.

ثالثاً: السماد… حين تمرّ الطاقة إلى الحقل

ثمة حلقة تكاد تغيب عن النقاش العام: السماد. فالأسمدة النيتروجينية تُصنع أساساً من الغاز، ودول الخليج من كبار مصدّري اليوريا والأمونيا والكبريت، وتعبر كميات كبيرة منها هرمز. وبحسب منظمة الأغذية والزراعة، ارتفعت أسعار اليوريا بحلول منتصف نيسان 2026 بنسبة 52% في الولايات المتحدة و60% في البرازيل، وتأخّر ما بين 1.5 و3 ملايين طن من تجارة الأسمدة شهرياً. وتعتمد بنغلادش وحدها على الخليج في 53% من أسمدتها. وخطر السماد أن أثره مؤجَّل: فالمزارع الذي يقلّص التسميد اليوم يحصد أقل في الموسم التالي، ولذلك قد لا يظهر الأثر الغذائي الكامل لإغلاق 2026 إلا في محاصيل 2027. إنها صدمة لا تُرى عند وقوعها.

رابعاً: المخزون والتمويل… ومن لا يحميه المال

يحوّل المخزون السلعةَ إلى زمن، أو إلى ما سمّيته في دراسة سابقة “احتياطي الزمن الاستراتيجي”: المدة التي تستطيع فيها الدولة منع اضطراب خارجي من الوصول إلى سعر الرغيف، والتفاوض خلالها أو تغيير الموانئ أو تأمين تمويل طارئ. لكن الصومعة الممتلئة لا تكفي إذا تعطّلت المطاحن أو التوزيع، أو عجزت الأسر عن الشراء. فالقيمة الحقيقية للمخزون لا تظهر إلا داخل منظومة تشمل التمويل والنقل والحماية الاجتماعية، ووظيفة الدولة هنا ليست إلغاء دور السوق، بل منع تحوّل الاضطرابات المؤقتة إلى أزمات تهدّد الاستقرار.

وتصبح القدرة على تمويل الاستيراد، في بعض الظروف، أهم من وجود السلعة نفسها. فالدول ذات العملات القوية تتحمّل ارتفاع الأسعار، أما المثقلة بالدين فقد تضطر إلى خفض مشترياتها حتى حين تكون الأسواق قادرة على تلبية حاجاتها، وتتضاعف المشكلة إذا تزامن غلاء القمح مع تراجع العملة المحلية. هذه هي “فجوة القدرة الغذائية”.

غير أن هرمز يفرض تعديلاً على هذه الفكرة. فدول الخليج من أغنى المستوردين في العالم، ومع ذلك وجدت نفسها مكشوفة، لأن المال لا يشتري ممراً مغلقاً. ما حماها هو ما اشترته بالمال قبل الأزمة: مخزونات بنتها قطر منذ حصار 2017، وتقول الإمارات إنها تكفي من أربعة إلى ستة أشهر، وموانئ بديلة خارج المضيق.

خامساً: المناخ وأداة الضغط

إذا كانت الحروب تهدّد طرق الغذاء، فالمناخ يمسّ خريطة إنتاجه. وقد قدّمت الهند مثالاً على سرعة انتقال الصدمة: فالجفاف وموجة الحر في البنجاب خفّضا توقعات محصول القمح، فحظرت نيودلهي تصديره في 13 أيار 2022، بعد أقل من شهر على إعلانها الاستعداد لسدّ النقص العالمي. وفي البلدان الجافة، قد يكون استيراد الحبوب أرشد من إنتاجها محلياً، فالأجدى أمن غذائي متنوّع المصادر لا اكتفاء ذاتي كامل.

وليس كل حظر تصدير سلاحاً جيوسياسياً، لكن القيد لا يحتاج إلى نية عدائية كي يعمل كأداة ضغط. فبحسب المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية، طالت قيود 23 دولة في ذروة أيار 2022 نحو 17% من السعرات الحرارية المتداولة عالمياً، وهي نسبة قريبة مما بلغته أزمة 2008. والأثر على المستورد واحد، سواء كان دافع الحظر حماية السوق المحلية أم الضغط السياسي. وثمة شكل أهدأ من التحكّم: المخزون الذي لا يدخل السوق. فالصين تحتفظ بنحو نصف مخزون القمح العالمي، بلغت حصتها منه 51% في تقديرات وزارة الزراعة الأميركية لموسم 2018/2019، لذلك صارت الوزارة تعرض أرقام العالم من دون الصين، كي لا توحي بوفرة لا يصل إليها المستوردون.

سادساً: لبنان… هشاشة الوصول لا ندرة الغذاء

تتراكم في الحالة اللبنانية طبقات الهشاشة. فانفجار 4 آب 2020 دمّر صوامع المرفأ التي كانت تتّسع لنحو 120 ألف طن وتحفظ قرابة ثلاثة أشهر من الاحتياطي، ثم قطعت الحرب الروسية-الأوكرانية المصدرين الرئيسيين للقمح، ثم جاءت الحرب المتجددة بين إسرائيل وحزب الله في 2 آذار 2026: أكثر من 1.2 مليون نازح، ونزوح أكثر من 76% من مزارعي الجنوب، وتوقّع التصنيف المرحلي المتكامل في نيسان أن يعجز 1.24 مليون شخص عن تلبية حاجاتهم الغذائية الأساسية بانتظام.

واللافت أن الأزمة لم تكن أزمة قمح: فالمخزون كان يكفي أربعة أشهر بحسب نقابة الأفران، وسعر الرغيف بقي تحت سقف حكومي. ما تراجع هو قدرة الناس على الوصول إليه بالنزوح وخسارة الدخل وغلاء الوقود. لذلك تحتاج أي استراتيجية لبنانية إلى معالجة الاستيراد والتخزين والقدرة الشرائية معاً، وإلى شبكة تخزين موزّعة جغرافياً وبيانات شفافة عن المخزون القابل للاستخدام. والدرس الأوسع أن الأمن الغذائي لا يتحقّق بامتلاك القمح وحده، بل بدولة ومؤسسات قادرة على إدارة الوصول إليه بصورة مستقرة وعادلة.

خاتمة: من يملك قرار الخبز؟

قد تستمر العولمة الغذائية مع تعزيز المرونة، أو تتوسّع الحمائية، أو تتشكّل شبكات إقليمية مرتبطة بالتحالفات، وقد تتعايش المسارات الثلاثة. لكن الثابت أن الغذاء صار منظومة تجمع الإنتاج والسماد والممرات والتمويل والمناخ، وأن الاختبار الحقيقي لأي دولة هو مدة صمود إمداداتها عند الانقطاع، وكلفة استعادتها، وقدرة الأسر على الحفاظ على استهلاكها الأساسي.

الغذاء جزء من معادلة القوة، لا لأنه يتحوّل بالضرورة إلى سلاح، بل لأن استمرار الوصول إليه يحدّد مقدار الحرية التي تملكها الدول أمام الضغوط الخارجية. فالدولة التي تملك القمح تملك مورداً مهماً، لكن الدولة التي تضمن وصوله إلى الناس، في الوقت المناسب وبكلفة محتملة، تملك قدرة استراتيجية أوسع.

ولعل السؤال الذي سيزداد أهمية ليس: من ينتج غذاء العالم؟ بل من يستطيع تأمينه حين تتغيّر المناخات، وتُغلق المضائق، وترتفع كلفة المال، وتصبح المسافة بين الحقل ورغيف الخبز جزءاً من ميزان القوة؟

 

ملاحظة: أرقام هرمز ولبنان مأخوذة من مصادر منشورة حتى نيسان 2026،

 

المصادر

  1. FAO, 28 Apr 2026: Strait of Hormuz crisis
  2. Oman Observer, 19 Mar 2026: Hormuz blockage drives up food bills in some GCC states
  3. UN Geneva, July 2023: Black Sea Grain Initiative operational update
  4. IFPRI: Food export restrictions have eased as the Russia-Ukraine war continues
  5. Country Guide / Reuters: USDA to adjust format of monthly supply/demand report
  6. L’Orient Today, 2 Apr 2026: Wheat stocks sufficient for four months
  7. L’Orient Today / Reuters, 29 Apr 2026: More than 1 million in Lebanon expected to face acute food insecurity

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *