كتب الباحث في الجيوبوليتيك والاقتصاد السياسي الدكتور علي عيسى لموقع وزارة الاعلام – مديرية الدراسات والمنشورات اللبنانية دراسة تحت عنوان: “الجغرافيا لم تعد هبة.. كيف يعيد المناخ والحرب تسعير العالم؟”، جاء فيها:
بين اضطراب الممرات البحرية واتساع إمكانات الملاحة القطبية، تتغير القيمة الاقتصادية والاستراتيجية للمواقع الجغرافية. لم يعد الموقع وحده كافياً لتحديد النفوذ، بل أصبحت القدرة على تأمينه وتمويل استغلاله والتكيف مع مخاطره جزءاً أساسياً من قيمته.
لقد أعادت الحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط في 28 شباط 2026 طرح سؤال قديم في الجيوبوليتيك بصيغة جديدة: ما القيمة الاستراتيجية لممر بحري عندما يصبح العبور عبره محفوفاً بمخاطر عسكرية وتجارية مرتفعة؟ وفي الوقت نفسه، شهد صيف 2026 تطوراً مختلفاً في أقصى شمال العالم، مع تشغيل خدمة موسمية صينية لنقل الحاويات بين آسيا وأوروبا عبر الطريق البحري الشمالي، مستفيدة من التحولات المناخية التي توسّع إمكانات الملاحة في بعض أجزاء المحيط المتجمد الشمالي.
يبدو الحدثان منفصلين. الأول مرتبط بقرارات عسكرية وسياسية يمكن أن تغير حركة التجارة خلال أيام، والثاني نتيجة تغيرات بيئية تراكمية تمتد لعقود. لكن الجمع بينهما يتيح اختبار فرضية جيوبوليتيكية أوسع: هل بدأت القيمة الاستراتيجية للجغرافيا تعتمد بصورة متزايدة على تكلفة استخدامها واستمرار الوصول إليها، بدلاً من الاعتماد على خصائص الموقع وحدها؟
لا تعني هذه الفرضية أن الجغرافيا فقدت أهميتها، أو أن التكنولوجيا والسياسة تستطيعان تجاوز القيود الطبيعية بالكامل. فالمضائق ما زالت نقاط اختناق حيوية، والمسافات والموارد والتضاريس ما زالت تؤثر في توزيع القوة. غير أن قيمتها لم تعد قابلة للفصل عن منظومة من العوامل المتغيرة: الأمن، والمناخ، والبنية التحتية، والقواعد القانونية، والتأمين، والتمويل، والقدرة على توفير البدائل، وإذا كانت النظريات الجيوبوليتيكية الكلاسيكية قد أبرزت أهمية السيطرة على اليابسة والبحار والممرات، فإن التطورات المعاصرة تدعو إلى إضافة بُعد آخر إلى التحليل: القدرة على المحافظة على المنفعة الاقتصادية والاستراتيجية للموقع في ظروف الاضطراب.
الحرب ترفع تكلفة العبور
يمثل مضيق هرمز حالة واضحة لدراسة العلاقة بين الجغرافيا والمخاطر فبحسب وكالة الطاقة الدولية، بلغ متوسط تدفقات النفط الخام والمنتجات النفطية عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يومياً في 2025، بما يعادل قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً على المستوى العالمي.
وتتجه غالبية هذه التدفقات إلى الأسواق الآسيوية، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة ذا آثار تتجاوز الدول المطلة على الخليج.
وأظهرت اضطرابات عام 2026 أن أهمية المضيق لا تتحدد بحجم النفط الذي يستطيع استيعابه في الظروف الطبيعية، بل أيضاً بمدى انتظام حركة الناقلات، وتوافر التأمين، واستعداد الشركات لتحمل المخاطر، وإمكان استخدام مسارات بديلة
ومن الضروري هنا التمييز بين الإغلاق الكامل للممر، والانخفاض الحاد في حركة السفن، والقيود التجارية أو التأمينية التي تجعل العبور أقل جدوى.
فقد تؤدي المخاطر العسكرية إلى تعطيل اقتصادي واسع حتى عندما لا يكون الممر مغلقاً بصورة مطلقة تملك السعودية والإمارات بعض القدرة على تجاوز هرمز باستخدام خطوط الأنابيب وموانئ التصدير البديلة. وتكشف هذه الفجوة أن امتلاك الموارد لا يضمن وحده القدرة على إيصالها إلى الأسواق. فالنفط الذي يتعذر نقله أو يصبح نقله مرتفع التكلفة يفقد جزءاً من قيمته التجارية المباشرة، حتى إن بقي متوافراً في باطن الأرض أو منشآت التخزين ويظهر أثر المخاطر البحرية أيضاً في بيانات التجارة العالمية.
القطب الشمالي: فرصة مناخية وحدود تجارية
في المقابل، يتيح تراجع الجليد البحري في القطب الشمالي إمكانات متزايدة للملاحة خلال أجزاء من السنة.وتشير بيانات مجلس القطب الشمالي إلى دخول 1812 سفينة مختلفة منطقة المدونة القطبية في 2025، بزيادة بلغت 40% مقارنة بعام 2013. كما ارتفعت المسافة الإجمالية التي قطعتها السفن في المنطقة بنسبة 95% خلال الفترة نفسها.
لكن هذه الأرقام لا تعني أن التجارة العابرة بين آسيا وأوروبا ارتفعت بالمقدار ذاته. فهي تشمل أنشطة متعددة، بينها الصيد ونقل الموارد والسياحة والإمدادات المحلية، ولا تقتصر على السفن التي تستخدم الطريق البحري الشمالي ممراً تجارياً دولياً.وقد أظهرت خدمة الحاويات الموسمية التي أطلقتها شركة «سي ليجند» الصينية في 2026 إمكان استخدام هذا الطريق لربط موانئ صينية بأوروبا. ووصلت السفينة «دبي تاور» إلى بريطانيا في أيلول، ضمن خدمة تستهدف استغلال موسم الملاحة القطبية.غير أن تشغيل الخدمة لا يعني أن الطريق أصبح بديلاً تجارياً مكافئاً لقناة السويس.فالملاحة القطبية تواجه قيوداً تتعلق بموسمية الجليد، ومتطلبات السفن، والتأمين، والبنية المينائية، وخدمات الإنقاذ، والقدرة على الالتزام بجداول منتظمة.
كما تختلف الجدوى الاقتصادية باختلاف نقطة الانطلاق والوجهة ونوع الحمولة والظروف المناخية.وقد تكون المسافة الأقصر ميزة لبعض الرحلات، لكنها لا تضمن انخفاض التكلفة الإجمالية أو ارتفاع موثوقية الخدمة.
لذلك ينبغي التعامل مع الطريق الشمالي بوصفه خياراً إضافياً في شبكة التجارة العالمية، لا بديلاً مكتمل التطور للممرات التقليدية، والأهم أن تغير المناخ لا ينتج مكاسب اقتصادية صافية بالضرورة.
المناعة المستأجرة: السياسة داخل الممر البديل
تطرح الملاحة عبر الطريق البحري الشمالي مسألة لا تقل أهمية عن الجليد والمسافة: من يحدد شروط الوصول إلى الطريق؟يمتد الجزء الأساسي من المسار بمحاذاة السواحل الروسية، حيث تمتلك موسكو بنية تحتية وخدمات ملاحية وقدرات متقدمة لكسر الجليد. كما تطبق قواعد وطنية لتنظيم الملاحة في أجزاء من المنطقة.وتستند روسيا، ضمن مبرراتها القانونية، إلى المادة 234 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تتيح للدول الساحلية اعتماد تدابير غير تمييزية لحماية البيئة البحرية في مناطق محددة مغطاة بالجليد، ضمن شروط تتعلق بالمناخ والمخاطر الملاحية.
غير أن نطاق تطبيق هذه المادة، وعلاقته بحرية الملاحة، وحدود الصلاحيات التنظيمية للدولة الساحلية، مسائل تخضع لتفسيرات قانونية متباينة. ولذلك لا يصح اعتبارها تفويضاً غير محدود بالسيطرة على الملاحة الدولية.من الناحية الجيوسياسية، يخلق الاعتماد على هذا المسار نوعاً مختلفاً من المخاطر
فالدول والشركات التي تسعى إلى تقليل تعرضها لاضطرابات الممرات الجنوبية قد تصبح أكثر اعتماداً على الخدمات والبنية التحتية والقواعد التنظيمية الروسية.وهنا يمكن استخدام مفهوم «المناعة المستأجرة» لوصف الحالة التي تشتري فيها جهة اقتصادية قدرة إضافية على تجنب مخاطر معينة، لكنها تعتمد في المقابل على طرف خارجي لتوفير هذه القدرة.ولا يعني ذلك أن روسيا تمتلك نفوذاً مطلقاً على مستخدمي الطريق، أو أن الصين أصبحت معتمدة عليها بصورة أحادية. فالعلاقة بين البلدين تتضمن مصالح متبادلة وتفاوتاً في مصادر القوة.تحتاج روسيا إلى أسواق واستثمارات وتكنولوجيا لتطوير مشروعاتها القطبية، بينما تستفيد الصين من فرص الوصول إلى الموارد والممرات الجديدة.
لكن بكين تحتفظ أيضاً بخيارات تجارية وطاقوية أخرى، كما أن معظم تجارتها الخارجية لا يزال يعتمد على شبكات النقل التقليدية.وبذلك لا تكفي الجغرافيا وحدها لتحديد الطرف الأقوى في العلاقة، فالنفوذ التفاوضي يتأثر بحجم السوق والتمويل والتكنولوجيا والعقوبات والبدائل المتاحة لكل طرف.
غرينلاند: التحالفات تُنظّم قيمة الموقع
تظهر العلاقة بين الجغرافيا والمؤسسات في الجانب الآخر من القطب الشمالي أيضاً.ففي 22 أيلول 2026، وقّعت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند اتفاقاً لتعزيز الترتيبات الدفاعية والأمنية في الجزيرة. ويتضمن الاتفاق توسيع إمكانات الوجود العسكري الأميركي، وتنظيم وجود قوات دول غير أعضاء في حلف شمال الأطلسي، وإجراءات تتعلق بالاستثمارات الأجنبية في قطاعات حساسة.كما يؤكد الاتفاق سيادة مملكة الدنمارك وحق سكان غرينلاند في تقرير المصير، ويخضع دخوله حيز التنفيذ للإجراءات البرلمانية المطلوبة.
وهذا لا يعني أن القطب الشمالي انقسم قانونياً إلى منطقتين مغلقتين، أو أن جميع الاستثمارات الصينية أصبحت محظورة. لكنه يشير إلى اتساع دور الاعتبارات الأمنية في تنظيم الوصول إلى المناطق ذات الأهمية الجغرافية والاقتصادية المتزايدة.فالتحولات المناخية قد تزيد جاذبية الموقع، لكن المؤسسات والتحالفات والقواعد القانونية تحدد جانباً مهماً من كيفية استغلال هذه الجاذبية .وهكذا لا تتحدد القيمة الجيوسياسية لغرينلاند أو الطريق البحري الشمالي بخصائصهما الطبيعية وحدها، بل تتشكل أيضاً من الترتيبات السياسية والأمنية التي تحكم الوصول إليهما.
القدرة على التعطيل وحدود القدرة على الاحتمال
قد يبدو أن اضطرابات هرمز تثبت استمرار الحسم الجغرافي في العلاقات الدولية. فوجود ممر ضيق تمر عبره كميات كبيرة من الطاقة يمنح الدول المطلة عليه قدرة مؤثرة في التجارة العالمية، وهذا استنتاج صحيح جزئياً فالموقع الجغرافي يستطيع منح قدرة كبيرة على التعطيل أو التأثير في تكلفة حركة الموارد. لكنه لا يضمن أن الدولة التي تمتلك هذه القدرة تستطيع استخدامها من دون تحمل خسائر اقتصادية وسياسية وأمنية.وقد يدفع تعطيل الممرات الدول المستهلكة والمنتجة إلى زيادة المخزونات، وتطوير خطوط الأنابيب، وتنويع الموردين، وتوسيع القدرات اللوجستية البديلة
وقد لا تكون متاحة لجميع الدول بالدرجة نفسها، ومن هنا ينبغي التمييز بين قدرتين مختلفتين: القدرة على إحداث صدمة في النظام التجاري، والقدرة على تحمل آثار هذه الصدمة والاستمرار في العمل خلالها.
فالجغرافيا قد تمنح القدرة على التعطيل، لكنها لا تمنح تلقائياً القدرة على الاحتمال. ولا يعني ذلك أن البدائل تلغي أهمية نقاط الاختناق، بل إنها قد تقلص تدريجياً مقدار الاعتماد عليها، وفق جدواها الاقتصادية وحجم الاستثمارات اللازمة لتطويرها.
المناخ: إعادة التسعير البطيئة
إذا كانت الحرب تستطيع تغيير تكلفة استخدام الممرات خلال فترة قصيرة، فإن التغير المناخي يؤثر في قيمة المواقع والموارد عبر مسارات أطول وأكثر تدرجاً.فالتغير في أنماط الأمطار ودرجات الحرارة وتوافر المياه وارتفاع مستوى البحر يؤثر في الإنتاج الزراعي والبنية التحتية وتوزيع السكان وتكاليف التأمين والاستثمار.وقد تحتاج المناطق الزراعية إلى استثمارات إضافية في الري وإدارة المياه، بينما تواجه المدن الساحلية تكاليف متزايدة لحماية البنية التحتية والتكيف مع ارتفاع مستوى البحر والظواهر المناخية وتؤكد الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن تأثير العوامل المناخية في النزاع المسلح أقل عموماً من تأثير العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكنه قد يتفاقم في البيئات التي تعاني ضعف المؤسسات والفقر والهشاشة
وهذا التمييز مهم، لأن الجفاف لا يؤدي بصورة حتمية إلى الحرب، كما أن وفرة المياه لا تضمن الاستقرار. فالنتائج تعتمد بدرجة كبيرة على الحوكمة والتعاون وتوزيع الموارد والسياسات العامة.
حين تتراكب الحرب والمناخ
تزداد أهمية هذه التحولات عندما تتفاعل الصدمات العسكرية والمناخية.فالحرب قد تدمر شبكات الكهرباء والمياه والطرق والمنشآت الزراعية، وتستنزف الموارد العامة اللازمة للتكيف مع التغير المناخي. وفي المقابل، قد تؤدي المخاطر المناخية إلى رفع تكاليف إعادة الإعمار وتعقيد استعادة النشاط الاقتصادي بعد النزاعات.لكن العلاقة ليست آلية أو متماثلة في جميع الحالات.فحجم التأثير يتوقف على طبيعة الحرب، ومستوى التعرض للمخاطر المناخية، وكفاءة المؤسسات، وحجم المساعدات والتمويل المتاح.وتظهر هنا أهمية مفهوم المرونة الاقتصادية، الذي لا يقتصر على امتلاك احتياطيات مالية أو بنية تحتية قوية، بل يشمل القدرة على المحافظة على الوظائف الأساسية للاقتصاد أثناء الصدمة واستعادة النشاط بعدها.وفي هذا السياق، تصبح قدرة الدولة على إدارة المخاطر المركبة عنصراً إضافياً في قوتها الاستراتيجية.فالموقع المتميز أو المورد الطبيعي الكبير قد يمنحان فرصاً اقتصادية مهمة، لكن تحويل هذه الفرص إلى مكاسب مستدامة يحتاج إلى استثمار وحوكمة وتكنولوجيا وقدرة على التكيف.
من يدفع ثمن الخريطة؟
تسمح هذه التحولات بإعادة صياغة سؤال تقليدي في الجيوبوليتيك.لم يعد السؤال مقتصراً على تحديد الدولة التي تسيطر على المضيق أو المورد أو الموقع الاستراتيجي، بل أصبح يشمل أيضاً تحديد الجهات القادرة على تحمل تكاليف استغلاله والمحافظة على استمرارية الوصول إليه.وتشمل هذه التكاليف الإنفاق الأمني، والبنية التحتية، والتأمين، والتمويل، والامتثال التنظيمي، والتكيف المناخي.ومن المهم ألا يؤدي هذا التحليل إلى المبالغة في تقدير البدائل.فقناة السويس ومضيق هرمز وباب المندب ما زالت تتمتع بأهمية اقتصادية واستراتيجية كبيرة، ولا توجد مؤشرات كافية على أن الطرق القطبية تستطيع تعويضها على نطاق واسع في المدى المنظور.لكن وجود بدائل محدودة قد يغير حسابات بعض الشركات والدول، حتى عندما لا تكون هذه البدائل قادرة على استيعاب كامل التدفقات التجارية.كما أن القيمة الاقتصادية للممر لا تتحدد بحجم الحركة وحده، بل بقدرته على تقديم خدمة منتظمة وآمنة وبتكلفة يمكن توقعها.
وبالنسبة إلى الدول العربية، يطرح هذا التحول تحدياً يتعلق بكيفية المحافظة على أهمية موقعها في شبكات التجارة والطاقة، من خلال الاستثمار في الموانئ والربط اللوجستي والبنية التحتية والاتفاقات الإقليمية، بدلاً من الاعتماد على الموقع الجغرافي باعتباره ميزة كافية بذاتها.غير أن هذه السياسات لا ينبغي أن تُفهم بوصفها استجابة لخطر اختفاء أهمية المنطقة، بل بوصفها محاولة لتعزيز قدرتها على الاستفادة من موقعها في نظام تجاري تتغير فيه المخاطر والتكاليف.
الخلاصة: الجغرافيا بين الموقع والقدرة
لا تشير التحولات الجارية إلى نهاية الجغرافيا بوصفها محدداً للقوة، بل إلى تغير الشروط التي تتحول بموجبها المزايا الجغرافية إلى نفوذ اقتصادي واستراتيجي.فالحرب تستطيع رفع تكلفة الوصول إلى الممرات القائمة، والتغير المناخي قد يفتح فرصاً جديدة أو يزيد تكلفة استغلال مواقع وموارد أخرى.
لكن النتائج النهائية لا تحددها الطبيعة أو القوة العسكرية وحدهما، بل تتدخل فيها الأسواق والمؤسسات والتكنولوجيا والقانون والقدرة على التمويل.ولهذا فإن مفهوم «إعادة تسعير الجغرافيا» لا يعني وجود سعر واحد للموقع، وإنما تغير القيمة الاقتصادية والاستراتيجية للمكان تبعاً للمخاطر والبدائل والتكاليف والقدرة على الاستفادة منه.وتكشف المقارنة بين هرمز والطريق البحري الشمالي أن تعطيل مسار قائم لا يجعل المسار البديل مجدياً بالضرورة، كما أن انحسار الجليد لا يكفي لإنشاء شبكة تجارية موثوقة.فالبديل يحتاج إلى بنية تحتية وتمويل وقواعد تنظيمية وأسواق مستعدة لاستخدامه.وفي هذا الإطار، لا تعود القوة الجيوسياسية مجرد قدرة على السيطرة على المكان، بل تشمل أيضاً القدرة على ضمان استمرارية الوظائف الاقتصادية التي يمنحها ذلك المكان فالجغرافيا لا تفقد قيمتها، لكنها لم تعد ضمانة مستقلة للقوة.
فقيمة الموقع تتحدد بصورة متزايدة بما تستطيع الدول والمؤسسات استثماره في حمايته وإدارته والتكيف مع مخاطره. ومن هنا يمكن صياغة النتيجة الأساسية: الجغرافيا تمنح الإمكانات، أما القدرة الاقتصادية والمؤسسية والسياسية فتحدد مقدار ما يمكن تحويله منها إلى قوة مستدامة.
وزارة الإعلام اللبنانية