كتبت صحيفة “الأنباء” الإلكترونية تقول: في لحظة إقليمية مفصلية تتسارع التطورات التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة. بين أزيز الطائرات والتوغلات الإسرائيلية في عمق الجنوب على قاعدة الأرض المحروقة وتدمير المنازل لمنع النازحين من العودة، ومع غياب الحلول الدبلوماسية يستمر الحراك السياسي في بعبدا وعين التينة والسراي، للملمة الجراح ومنع البلاد من الانجراف نحو ما هو أسوأ، وانعقدت جلسة مجلس الوزراء التي تركزت على معالجة قضايا النازحين واحتياجات تسيير شؤون البلاد بحضور وزراء الثنائي بعد غيابهم عن جلسة الأسبوع الماضي.
القرى الحدودية
في الجنوب ومع دخول الحرب شهرها الثاني، تستمر المواجهات الضارية على تخوم القرى الحدودية، وتستمر معها الغارات الجوية والصاروخية والقصف المدفعي على قرى ما يسمى الخط الثاني، وسط اصرار من العدو الاسرائيلي على تعميق توغلاته البرية على أكثر من جبهة حتى بلوغ نهر الليطاني ومحاولة تثبيت مواقع ميدانية جديدة، وسط مقاومة شرسة وقتال على مسافة صفر، إضافة الى إطلاق رشقات صاروخية على الداخل الإسرائيلي ومواقع تجميع العسكريين. ونقل موقع “واللا” العبري عن مصادر عسكرية إسرائيلية قولها ان الجيش الإسرائيلي بدأ هدم منازل في قرى لبنانية على الخط الأول للحدود، ووسع العملية البرية في جنوب لبنان لعمق 14 كيلومتراً وصولاً إلى البياضة.
في قلب هذا المشهد، يقف أهالي الجنوب، الذين اختار قسم كبير منهم البقاء في بلداته رغم المخاطر، كعنوان للصمود وشاهد حيّ على تعقيدات المرحلة. هؤلاء، الذين لم تغب معاناتهم عن الواجهة، نقل بعضهم أمس رسالة مباشرة إلى رئيس الحكومة نواف سلام، وكذلك إلى قائد الجيش العماد رودولف هيكل، عبّروا فيها عن تمسكهم بأرضهم، وفي الوقت نفسه عن حاجتهم إلى ضمانات فعلية للحماية، سواء عبر تعزيز انتشار الجيش اللبناني أو عبر تحرك سياسي ودبلوماسي أكثر فاعلية لوقف الاعتداءات. هذه الرسالة، بما تحمله من أبعاد إنسانية وسيادية، تضع الدولة اللبنانية أمام اختبار مزدوج: حماية المواطنين من جهة، ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة من جهة أخرى.
وأكد رئيس بلدية رميش حنّا العميل أن أهالي البلدة مصمّمون على البقاء في أرضهم رغم ظروف الحرب والتوترات الأمنية، مشيراً إلى أنه يتلقى العديد من الاتصالات من مواطنين يرغبون في قضاء عطلة عيد الفصح في البلدة. فيما قال كاهن رعية عين إبل الأب حنا سليمان: “نحن في قلب المعارك في الجنوب ولكنّ إيماننا هو الذي يُساعدنا على البقاء في أرضنا”.
وفي هذا السياق، قال وزير الداخلية أحمد الحجار قبيل جلسة مجلس الوزراء الذي التأم في السراي: “أبقينا القوى الأمنية في مخفر رميش ونقطة عين ابل للقول إنّنا الى جانب أهالي القرى الحدودية الصامدين وأنا على اتصال مباشر مع الرئيسين عون وسلام”.
عون وسلام
على المستوى الرسمي، جاء موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون ليؤكد تصميم الدولة اللبنانية على تنفيذ القرارات التي اتخذتها للمحافظة على سيادة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه. موقفه جاء خلال تلقيه اتصالاً هاتفياً من رئيس وزراء هولندا روب يتن الذي أكد له وقوف بلاده إلى جانب لبنان وشعبه في الظروف الصعبة التي يمر بها، مبدياً استعداد هولندا لتقديم الدعم لمساعدة اللبنانيين الذين اضطرّوا إلى مغادرة بلداتهم وقراهم. كما شدد على دعم بلاده للمبادرة التفاوضية التي أعلنها الرئيس عون لوقف التصعيد وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها، مشيراً إلى استعداد هولندا لدعم الجيش اللبناني لتمكينه من القيام بمسؤولياته الوطنية.
وقال الرئيس سلام في كلمة ألقاها بعد جلسة مجلس الوزراء، لمناسبة مرور شهر على الحرب على لبنان: “لقد مضى شهرٌ على إعلان مجلس الوزراء رفضه التام لأي عملٍ عسكري خارج مؤسسات الدولة الشرعية، وتأكيده أنّ قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة”. وأكد أننا “لن نألو جهداً في سبيل حشد الدعم العربي والدولي، في ظلّ الأوضاع الإقليمية المتفجّرة التي حوّلت لبنان مرّةً أُخرى ساحةً من ساحات النزاع المحتدم في المنطقة كلّها”، معتبراً أنه “بات واضحاً أنّ العدوان الإسرائيلي على لبنان لن يقتصر على مواصلة العمليات العسكرية التي عرفناها طيلة ستة عشر شهراً. فمواقف المسؤولين الإسرائيليين، وممارسات جيشهم، تكشف عن أهدافٍ أبعد مدى، فهي تتضمّن توسّعاً كبيراً في احتلال الأراضي اللبنانية، وكلاماً خطيراً عن إنشاء مناطق عازلة أو أحزمة أمنية، وتهجيراً تجاوز أكثر من مليونٍ من اللبنانيين”. ورأى أن “لبنان أصبح ضحيةَ حربٍ لا يمكن أن يجزم أحدٌ بنتائجها أو موعد انتهائها”.
التهديد الاسرائيلي
في المقابل، لا تبدو المؤشرات الصادرة عن الجانب الإسرائيلي مشجعة على التهدئة. فالتصريحات الصادرة عن المسؤولين في الحكومة الإسرائيلية تحمل طابعاً تصعيدياً واضحاً، من حيث التهديد بتوسيع العمليات العسكرية، وفق ما أعلن وزير دفاع العدو يسرائيل كاتس “سنطهر جنوب لبنان من حزب الله وداعميه وسنقتلع أنياب الأفعى لحزب الله في لبنان بأكمله”، وتهديده الأمين العام لـ “حزب الله”، نعيم قاسم وزملاءه بأنهم “سيدفعون ثمناً باهظاً لإطلاق صواريخ على إسرائيل خلال عيد الفصح”.
هذا التصعيد اللفظي يترافق مع تحركات ميدانية، تشير الى أن الجبهة اللبنانية تبقى خياراً مفتوحاً في سياق المواجهة الأوسع مع إيران وحلفائها، ما يعزز المخاوف من انزلاق تدريجي نحو مواجهة أوسع، خصوصاً في ظل غياب تفاهمات دولية واضحة لضبط الإيقاع.
تصاعد التوتر الاقليمي
إقليمياً، تتداخل الجبهة اللبنانية مع مسار الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، حيث تتصاعد حدة التوتر في الشرق الأوسط وعلى الساحة الإيرانية، وسط تقارير عن استهدافات ميدانية وتحركات دبلوماسية استثنائية. ومع ضغط 36 دولة في اجتماع دولي موسع لإعادة فتح مضيق هرمز وتأمين الملاحة الدولية، كشف مسؤول إيراني عن مشاورات تجري مع سلطنة عُمان لصياغة “بروتوكول مشترك” لمراقبة المرور بالمضيق الحيوي.
ميدانياً، هزت انفجارات العاصمة طهران إثر غارات نفذت على مرحلتين استهدفت جسراً استراتيجياً يربطها بمدينة كرج، بالتزامن مع اندلاع حريق ضخم في محيط مطار مشهد نتيجة إصابة خزان وقود بصاروخ .
وتأتي هذه التطورات في وقت رفعت فيه طهران نبرة تهديداتها، متوعدة بشن هجمات “ساحقة” رداً على التحذيرات الأخيرة الصادرة عن الإدارة الأميركية، بحيث تعكس مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب تشدداً متزايداً تجاه طهران، ما يضع المنطقة أمام سيناريوهات مفتوحة بين “دبلوماسية المضيق” ونذر المواجهة العسكرية، اذ تشير الوقائع الميدانية إلى استمرار التصعيد، سواء عبر الضربات العسكرية أو توسيع رقعة الاشتباك غير المباشر في أكثر من ساحة، وسط غموض يلف مصير أي مسار تفاوضي محتمل.
في المحصلة، يقف لبنان أمام مفترق دقيق: بين ضغوط الميدان وحسابات السياسة، وبين صمود الداخل وتعقيدات الخارج. وبينما يواصل أهالي الجنوب تمسكهم بأرضهم، تبقى المسؤولية الأساسية على عاتق الدولة في ترجمة المواقف إلى أفعال، وعلى المجتمع الدولي في لعب دور حقيقي لوقف الانزلاق نحو مواجهة لا يريدها أحد.
وزارة الإعلام اللبنانية