كتبت صحيفة “الجمهورية”: ما سُمِّيت هدنة الثلاثة أسابيع، ليس سارياً منها سوى الاسم فقط، إذ إنّ مفاعيلها لم تنسحب ولو بقدر قليل، على الميدان الحربي، الذي يتدرّج على مدار الساعة، نحو واقع حربي أكثر شدّة وقساوة وعنفاً في المواجهات الدائرة بين الجيش الإسرائيلي و”حزب الله” على امتداد المنطقة الحدودية، حيث لم تبقَ فيها منطقة آمنة لا جنوب الليطاني ولا شمال الليطاني.
الأجواء السائدة، تشي بتدحرج خطير، في ظل الإعتداءات الإسرائيلية التي توزّعت بين محاولات توغّل متتالية، وغارات للطيران الحربي والمسيّر على معظم القرى والبلدات الجنوبية، وإنذارات متتالية بإخلاءات لعشرات القرى شمال الليطاني ومن ثم قصفها، وفي موازاتها عمليات مكثفة ينفّذها «حزب الله» ضدّ الجيش الإسرائيلي ومواقعه في الجنوب وداخل المستوطنات، بالإضافة إلى التهديدات الإسرائيلية الصادرة عن مختلف المستويات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، بدفع الوضع إلى تصعيد كبير، وتوسيع دائرة الاستهداف لتطال العمق اللبناني.
مراوحة في السخونة
وعلى رغم من ضراوة المواجهات العسكرية، وما يرافقها من إعلانات متتالية للجيش الإسرائيلي عن تدمير كمّ كبير ممّا يسمّيها بنى تحتية عائدة لـ«حزب الله»، بالتزامن مع بيانات متتالية للحزب وحديثه عن تحقيق إصابات في صفوف الجنود الإسرائيليِّين، والنقاشات المتزايدة داخل إسرائيل حول فعالية السلاح الجديد الذي أدخله الحزب إلى المعركة، والذي يتمثل بالمحلّقات الإنقضاضية، وعدم القدرة على مواجهته، بما ينذر بأنّ الأمور تقترب شيئاً فشيئاً من أن تخرج عن السيطرة من جديد. إلّا أنّ مصادر ديبلوماسية معنية بالهدنة أكّدت لـ«الجمهورية»، أنّها تستبعد «احتمال التفجير الواسع، على غرار ما كان سائداً قبل إعلان هدنة العشرة أيام وهدنة الثلاثة أسابيع، بفعل الضابط الأميركي للهدنة، والقيود التي تفرضها واشنطن، خصوصاً على إسرائيل والمانعة لها من رفع وتيرة التصعيد».
وبحسب تقدير المصادر عينها، فـ«إنّ الوضع العسكري حالياً، أشبه ما يكون بمراوحة في السخونة، مرشحة للإستمرار، إنّما بوتيرة مواجهات مضبوطة، إلى أنّ يتبدّى في الأفق السياسي اختراق ما، يطلق مسار التفاهمات بصورة جدّية وفاعلة ومنتجة في آنٍ معاً، ما يعني أنّ الهدنة الحالية، وحتى لو تعذّر حصول اختراق خلالها، مفتوحة بدورها على تمديد جديد، وهو ما يرغب به الأميركيّون الذين أرسلوا إشارات واضحة تفيد بإبقاء فرصة التفاهمات السياسية قائمة، وعدم إعطاء الضوء الأخضر لأيّ منحى تصعيدي واسع، على النحو الذي يلوّح به المسؤولون السياسيّون والعسكريّون في إسرائيل».
أسبوعان دقيقان
وفيما لم يطرأ أيّ أمر ملموس على الخط السياسي حتى الآن، أبلغ مسؤول رفيع إلى «الجمهورية» قوله، إنّه لا يتوقّع أي خروقات سياسية جدّية على جبهة لبنان، طالما أنّ الأمور ما زالت في دائرة التعقيد على جبهة إيران. وعلى رغم من وتيرة التصريحات العالية بين الجانبَين الأميركي والإيراني، فإنّ ذلك لا يخفي حاجتهما إلى الحل السياسي، الذي تنسحب مفاعيله بصورة حتمية على سائر الجبهات، ومن ضمنها لبنان.
ولفت إلى أنّ نبرة التصعيد العالية التي نلاحظها هذه الأيام، وإن أخذت في بعض الأحيان طابع التوترات العسكرية، كما حصل بالأمس في مضيق هرمز ومحاولة فتحه من قِبل الأميركيِّين، واستهداف إيران لبعض القطع العسكرية، ليست سوى انعكاس غير مباشر، للنقاشات الجارية بينهما، والتي تصعد وتهبط تبعاً للطروحات والأفكار التي يتبادلانها.
وأضاف: «واشنطن وطهران بعد الحرب الأخيرة، تجمعهما الحاجة إلى حل سياسي، والرغبة بعدم العودة إلى الحرب، وخصوصاً أنّ كليهما مأزوم، ولذلك المسار التفاوضي مستمر بينهما، ويمكن القول إنّهما دخلا في الربع الأخير من وقف الحرب بصورة نهائية، وعامل الوقت يضغط عليهما، وفي اعتقادي أنّ الأسبوعَين المقبلَين دقيقان وحاسمان لناحية التعجيل بالحل والاتفاق السياسي بينهما، أو العودة بالأمور إلى أجواء الحرب، وهو ما تريده إسرائيل حصراً، وأنا شخصياً أرجّح الاحتمال الأول، بوصولهما إلى اتفاق تحت عنوان تسوية أو صفقة شاملة».
المفاوضات المباشرة
داخلياً، على خط المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، فإنّه على رغم من أنّ هدنة الثلاثة أسابيع التي أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّ الجولة الثالثة من هذه المفاوضات ستُعقد خلالها، قد دخلت أسبوعها الثاني، إلّا أنّه لا شيء في الأفق حتى الآن يؤشر إلى حسم زمان ومكان انعقادها.
ورداً على سؤال لـ«الجمهورية»، أكّد مصدر معني بملف المفاوضات: «يبدو أنّ لا تبديل في مكان انعقاد المفاوضات، وهذا يعني أنّ الجولة المقبلة ستُعقَد في واشنطن وعلى الأرجح في مقر وزارة الخارجية الأميركية، لكن هناك مسألة مهمّة، وهي أنّه لا يمكن الجزم في ما إذا كانت جولة المفاوضات المقبلة ستنطلق عبر السفيرَين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن، أو ما إذا كان تعديل ما سيطرأ على تركيبة الوفد اللبناني، بانضمام السفير السابق سيمون كرم إلى المفاوضات كرئيس لوفد لبنان. وبمعزل عن كل ذلك، فإنّ ثمة ترجيحات حول انعقاد هذه الجولة بصورة مبدئية يوم الاثنين 11 أيار، إلّا إذا كانت قد طرأت أمور أخرى على أجندة الراعي الأميركي تحول دون ذلك».
لقاء نتنياهو!
وعلى رغم من الحماسة الأميركية للقاء في البيت الأبيض، يجمع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلّا أنّ الصورة في لبنان مغايرة تماماً لهذا الطرح، وفق ما يؤكّد مرجع كبير لـ«الجمهورية»، الذي يبدي استياءً بالغاً «إزاء الصخب المفتعل حيال هذا الأمر، والتسرُّع في إطلاق الأحكام عبر ترويج افتراضات عشوائية تتخذ شماعة لتصويب مقيت، لا بل مشبوه على رئيس الجمهورية، وهو ما لا يمكن القبول به على الإطلاق».
عون: التوقيت غير مناسب
إلى ذلك، أكّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمام وفد «الجمهورية القوية» أمس، «إنّ التوقيت غير مناسب الآن للقاء مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، إذ علينا أولاً أن نتوصّل إلى اتفاق أمني، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية علينا، قبل أن نطرح مسألة اللقاء بيننا».
ولفت إلى أنّ اللقاءات التي تجرى في واشنطن برعاية أميركية، هي إنجاز مهمّ للبنان الذي يحظى باهتمام شخصي من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهذه فرصة كبيرة يجب الاستفادة منها. وشدّد على أنّ «لا عودة عن مسار المفاوضات لأنّه لا خيار آخر أمامنا»، وعلى «أنّ الأهداف الموضوعة في أيّ مسار تفاوضي تقوم على الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية المحتلة وإعادة الأسرى، وهي الحقوق التي يطالب بها لبنان منذ سنوات». وأشار إلى «أنّ هناك محادثات تحضيرية متوقعة مع سفيرة لبنان في واشنطن في خلال الأيام المقبلة، وهو اللقاء الثالث الذي سيمهّد لبدء المفاوضات، ونحن جاهزون لتسريعها بقدر ما تعمل عليه الولايات المتحدة».
وأكّد عون أنّه «بقرارنا الوطني ووحدتنا، يمكننا مواجهة جميع التحدّيات، وكل الأجواء السلبية المفتعلة حول الفتنة في لبنان لا جذور لها». وأشار إلى «أنّ التواصل قائم بينه وبين الرئيس بري ولم ينقطع يوماً، وأنّ رئيس مجلس النواب يشعر كأي لبناني بالألم والحزن لما يشهده لبنان حالياً، وللخسائر البشرية والمادية التي يتكبّدها اللبنانيّون عموماً والجنوبيّون خصوصاً».
ولفت رداً على سؤال، إلى أنّ الدول الشقيقة والصديقة، ومنها المملكة العربية السعودية، تساهم من خلال الاتصالات التي تجريها، في مساعدة لبنان، لافتاً إلى أنّ المسار الذي قرّرته الدولة يصبّ في خانة جميع اللبنانيِّين، ولا يستهدف أي شريحة أو فئة، فالمعاناة تطال الجميع من دون استثناء، وقد تعِب اللبنانيّون جميعاً من الحروب ونتائجها الكارثية، وآن الأوان للجوء إلى الدولة.
حركة السفير الأميركي
إلى ذلك، برزت أمس حركة ملحوظة للسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، إذ زار رئيس المجلس النيابي نبيه بري. وكشفت مصادر مطلعة لـ«الجمهورية»، أنّ لقاء السفير الأميركي بالرئيس بري، اتسمّ بصراحة في مقاربة مختلف الأمور، ولوحظ أنّ عيسى كان شديد الاهتمام في ما خصّ العلاقات الداخلية، ولاسيما العلاقة بين الرئيسَين عون وبري.
وأشارت المصادر، إلى أنّ «اللقاء تركّز في جانب منه على موضوع الاعتداءات الإسرائيلية، حيث أثار بري عدم التزام إسرائيل بالهدنة التي أعلنها الرئيس ترامب، بل استغلّتها لمزيد من التصعيد والعدوان ونسف وتجريف البلدات اللبنانية، ومن هنا كان التشديد على ضرورة الضغط على إسرائيل لوقف عدوانها وجريمة النسف والدمار الشامل التي تقوم بها». ولفتت المصادر، إلى أنّ موضوع المفاوضات المباشرة، أخذ حيّزاً في اللقاء بين بري والسفير الأميركي. ومعلوم أنّه سبق لبري أن أكّد رفضه لها، مؤيّداً المفاوضات غير المباشرة، للوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب كامل من الأراضي اللبنانية وإطلاق الأسرى اللبنانيِّين وعودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم، خصوصاً في البلدات الحدودية.
كما زار السفير عيسى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، ولفت إلى أنّ زيارته هي للتضامن مع البطريرك في موازاة الحملة التي تعرّض لها أخيراً، وشدّد على العيش المشترك الذي يميّز لبنان.
وأكّد السفير أنّه «لا خسارة إذا زار الرئيس عون الرئيس ترامب وعرض قراراته بوضوح أمامه وأمام نتنياهو، وعندها يكون الرئيس ترامب شاهداً. وبعد عودة الرئيس إلى لبنان يمكننا البدء بالمفاوضات. لا أعلم لماذا يعتبر الناس أنّ هذا الأمر هو خسارة أو تنازل. لا أفهم ما هو هذا التنازل. إن قلت رأيك أمام الرئيس الأميركي، فهذا يعني أنك ذاهب بشرف مثلك مثله تماماً مثل الرئيس الثالث، تقول رأيك وتعرض نقاطه. لا أعلم لماذا يعتبر الناس أنّ هذا الأمر هو تنازل».
وعن أنّ الإشكالية تكمن في وجود نتنياهو، ردّ السفير عيسى: «هل نتنياهو بعبع؟ إنّه مفاوض ثانٍ». وعن إمكانية حصول انفجار أمني في لبنان قريباً، أكّد عيسى «لا أعتقد أنّ لبنان قادم على انفجار أمني، لأنّ الجميع ومن كل الطوائف يريد مصلحة لبنان وما يجري اليوم هو مجرّد مظاهرات إعلامية».
حصر السلاح
على صعيد آخر، شارك رئيس الحكومة نواف سلام في اجتماع مجلس الأمن المركزي الذي عُقد في وزارة الداخلية أمس، وأعلن «إنّ قرار حصر السلاح هو مسار لا تراجع عنه، قد يستلزم أسابيع أو أشهراً وليس بين ليلة وضحاها، مشيراً إلى أنّه سيُطبَّق قرار بسط سيطرة الدولة على بيروت بالكامل وقرارات مجلس الوزراء التي اتُخِذت ستُنفَّذ».
وحول المفاوضات أوضح: «ما يحصل هو لقاءات تمهيدية في واشنطن. المفاوضات لم تبدأ بَعد، وبيان الخارجية الأميركية حُمِّل أكثر ممّا يلزم، والطرف اللبناني عبّر عن موقف نجمع عليه في مجلس الوزراء». وأكّد أنّه «ليس مطلوباً وضع الجيش في مواجهة أي طرف لبناني».
قاسم
في سياق متصل، أكّد الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم في بيان أمس، «أنّ المقاومة صامدة وتمنع العدو من تحقيق أهدافه على رغم من قلّة العدد والعدة»، ولفت إلى أنّ لبنان معتَدى عليه وهو الذي يحتاج إلى ضمانات لأمنه. وأضاف: «لا يوجد وقف إطلاق نار في لبنان حالياً، بل عدوان إسرائيلي أميركي مستمر، ولا وجود لـ«خط أصفر» ولا منطقة عازلة، ولن يكون ذلك أبداً، ولن يكون الحل أبداً بالاستسلام، ولا بهندسة لبنان سياسياً وعسكرياً كبلد ضعيف يقع تحت الوصاية. نحن مع الديبلوماسية ومع التفاوض غير المباشر، أمّا التفاوض المباشر فهو تنازل مجاني وخدمة لنتنياهو وترامب».
وزارة الإعلام اللبنانية