كتبت صحيفة “الأخبار”: تكشف الوقائع الميدانية المتسارعة على الجبهة اللبنانية، مقرونةً بما ينشره الإعلام العبري، أنّ المواجهة بين حزب الله والاحتلال الإسرائيلي دخلت مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم «الردود المتبادلة» نحو حرب استنزاف مركّبة ومتعددة المستويات، تقوم على إنهاك البنية العملياتية والعسكرية والنفسية لضباط وجنود جيش العدو وللمستوطنين معاً. ومع تكثف عمليات حزب الله داخل الشريط الحدودي المحتل، تتصاعد مؤشرات القلق داخل المؤسستين الأمنية والمدنية في الكيان من فقدان القدرة على احتواء التهديد على الجبهة الأمامية وفي الجبهة الداخلية.
بيانات المقاومة أمس عكست التحول المتواصل في طبيعة الأداء العملياتي، إذ لم تعد الضربات تُنفَّذ كعمليات منفصلة، بل ضمن سلاسل مترابطة من الاستهداف المتتابع، تقوم على مبدأ «الكمين الناري المركّب».
ويتجلّى ذلك بصورة واضحة في عملية بيدر الفقعاني في بلدة الطيبة، حيث بدأ الهجوم باستهداف قوة إسرائيلية معادية داخل منزل بمسيّرة انقضاضية، ثم أُعيد استهداف الموقع نفسه بعد دقائق عندما حضرت قوات الإخلاء، قبل أن تُستهدف قوة الإسناد التي تدخلت لاحقاً، ما اضطر جيش الاحتلال إلى استخدام مروحية للإخلاء تحت غطاء دخاني وناري كثيف. الأمر نفسه تكرر في محور البياضة – الناقورة، حيث استهدفت المقاومة جرافة D9 بمسيّرة انقضاضية، ثم قوة السحب والإخلاء بصليات صاروخية، قبل توسيع دائرة النار إلى تجمعات الآليات والجنود بقذائف المدفعية، ثم قصف مركز قيادي مستحدث في البياضة.
وتشير كثافة العمليات وتنوعها إلى اعتماد حزب الله أسلوب «الإغراق العملياتي» عبر الدمج بين المسيّرات الانقضاضية، الصليات الصاروخية، المدفعية، وأسراب المسيّرات. فالعمليات التي استهدفت البياضة والناقورة والعديسة نُفذت عبر «أسراب» من المسيّرات، في مؤشر إلى محاولة تجاوز الدفاعات الجوية القصيرة المدى وإرباك أنظمة الرصد الإسرائيلية عبر الهجمات المتزامنة والكثيفة.
وفي موازاة ذلك، يظهر تركيز واضح على استهداف البنية الهندسية واللوجستية للاحتلال، من جرّافات D9 وآليات الهندسة إلى صهاريج الوقود والمرابض المدفعية المستحدثة، بما يعكس سعياً إلى تعطيل قدرة جيش العدو الإسرائيلي على تثبيت مواقع دائمة أو بناء تحصينات مستقرة داخل القرى الحدودية المحتلة. وفي هذا السياق، أقرّ مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي دورون كدوش بأن حزب الله بات يستهدف «روبوتات» وآليات هندسية غير مأهولة بمسيّرات انتحارية، في دلالة على أن المقاومة توسّع بنك أهدافها ليشمل الوسائل التكنولوجية المستخدمة لتقليل الخسائر البشرية الإسرائيلية.
ولا يقتصر تأثير هذه العمليات على الميدان العسكري، بل يمتد إلى عمق الجبهة الداخلية الإسرائيلية. فقد نقلت القناة 12 العبرية حال غضب متصاعدة بين مستوطني الشمال، مع إقرار بأن المسيّرات باتت تشكل خطراً مباشراً على السكان. وعبّرت رئيسة إدارة أولياء الأمور في مستوطنة «شلومي» ليمور عتصيون عن «شعور بالتخلّي»، معتبرة أن حزب الله بات «يدير حياة المستوطنين»، في ظل إبقاء المدارس مفتوحة رغم خطر المسيّرات المفخخة.
هذا التململ يعكس تحوّل المسيّرات من مجرد وسيلة إسناد ميداني إلى أداة ضغط نفسي واستنزاف اجتماعي داخل الشمال الفلسطيني المحتل، خصوصاً مع تزايد الشكوك بقدرة منظومات الدفاع الجوي على توفير الحماية. إذ أقرت صحيفة «معاريف» بأن استهداف بطارية «القبة الحديدية» خلال الأيام الماضية ألحق ضرراً بالغاً بهيبة المنظومة، بعدما فشلت في رصد المسيّرة مسبقاً أو اعتراضها. والأكثر حساسية بالنسبة إلى العدو أن الصحيفة تحدثت عن محاولة جيش الاحتلال التكتّم على الحادثة، قبل أن يكشف حزب الله تفاصيلها عبر فيديو يوثق العملية.
وتكتسب هذه الحادثة أهمية مضاعفة لأنها تضرب الرواية الإسرائيلية حول التفوق التكنولوجي والقدرة على تأمين الجبهة الداخلية. فالمشكلة الإسرائيلية هنا لا تتعلق فقط بعبور مسيّرة، بل بإظهار عجز المنظومة الدفاعية عن اكتشافها أصلاً.
وفي السياق نفسه، تحدثت «معاريف» عن استهداف سابق لشاحنة «ألفا» تابعة لبطارية مدفعية قرب «شومرا»، ما أدى إلى انفجار عشرات القذائف وإصابة عدد من الجنود، معتبرة أن حزب الله يتبع استراتيجية تقوم على استهداف الأسلحة النوعية والبنية النارية المتطورة للجيش الإسرائيلي بهدف تعظيم الخسائر العملياتية.
أما أبرز ما تكشفه التقارير الإعلامية العبرية فهو الإقرار الضمني بفقدان السيطرة الكاملة على الرواية الميدانية. ونقل موقع «والا» عن ضباط في القيادة الشمالية أن جيش الاحتلال «لا يروي كل ما يحدث على طول الخط الأصفر»، وإن هناك تصاعداً في هجمات حزب الله لا يتم الإبلاغ عنه للجمهور. ويعكس ذلك فجوة متزايدة بين الواقع الميداني والخطاب الرسمي الإسرائيلي، خصوصاً في ظل ارتفاع وتيرة الاستنزاف وتكرار الضربات الدقيقة ضد القوات والآليات والمراكز المستحدثة.
وفي موازاة ذلك، يحمل إعلان جيش العدو اعتراض صاروخ «أرض – جو» أطلق من لبنان نحو طائرة حربية إسرائيلية دلالة إضافية على اتساع قواعد الاشتباك. فحتى من دون إعلان إسقاط الطائرة، فإن مجرد تفعيل الدفاع الجوي للمقاومة ضد الطيران الإسرائيلي يشير إلى محاولة تقييد حرية العمل الجوي الإسرائيلي فوق الجنوب.
في العموم، تكشف المعطيات أن إسرائيل تواجه نموذجاً متقدماً من حرب الاستنزاف، لا يقوم فقط على كثافة النيران، بل على إدارة اشتباك ديناميكي ومتعدد الطبقات: استهداف مباشر، ضرب لقوات الإسناد والإخلاء، إنهاك للجبهة الداخلية، تشكيك بفاعلية منظومات الدفاع الجوي، وتعطيل للبنية العملياتية والهندسية على طول الحدود. وهذا ما يفسر تصاعد القلق داخل المؤسستين الأمنية والمدنية الإسرائيليتين من تحوّل الجبهة الشمالية إلى ساحة استنزاف مفتوحة يصعب حسمها أو احتواؤها بالوسائل التقليدية.
وزارة الإعلام اللبنانية